أتر

مُزَن النيل: حين يُصبح الفقدُ إرثاً

ماذا يعني أنْ نُدرك، وأنْ نتذكَّر مراراً وتكراراً، أنّ الثُّنائية الأكثر إصراراً على الحضور في حياتنا هي ثنائية الموت والتغيير؟ مع دخول الحرب في السودان سنتها الرابعة، أصبحنا نُدرك تماماً أن البقاء والخسارة واقعٌ جماعي، لا سيما في بلد ينهار أكثر كلَّ يوم، وتُمزِّقه الطموحات الاستعمارية والديكتاتوريات والحروب والفساد، وعالم يشتعل من حولنا، وقد فقدت فيه للإنسانية قيمتها، وصار الحزنُ والغضبُ فعلَيْن سياسيَّيْن بامتياز.

أصبح 15 أبريل 2023، تاريخاً لا يُنسى في حيوات السودانيات والسودانيين، يوم اندلاع الحرب العبثية التي توقَّفت عندها عدسات الزمن، وأصبح إرثنا الوحيد هو الفقد. فقد كلّ شيء: الوطن، والأحباب والرفاق، تشتُّت الأسر في أماكن مختلفة.

اليوم،

وفي الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب،

رحلت مُزن النيل.

لم يكن توافق التاريخ مصادفةً بقدر ما هو تذكيرٌ قاسٍ بأن الفقد في السودان لا يتوقَّف، وأنّ من كرّسْن حياتهن لمُقاومة هذا الواقع يَحملن وطأته حتى آخر لحظة.

رحلت مُزن، وهي من أقوى الأصوات التي واجهت، رغم الاختلال الهيكلي العميق في المجتمع، منظومتَي الأبوية والرأسمالية معاً، ولم تكتفِ بتشخيص الأزمة، إنما آمنت بقدرة الناس العاديين على تنظيم أنفسهم وتغيير شروط اضطهادهم. ورغم وطأة المأساة وسهولة الانحياز إلى حلٍّ عسكري، آمنت مُزن دوماً بأن التغيير الحقيقي هو الذي تفعله وتُنظِّمه الشعوب، بشعار واضح: «لا للحرب»، وإن اختلف تعبيرها عن هذا الموقف.

مُزن تعني لي، وللكثيرات والكثيرين، الرؤيةَ النسوية الفاحصة للتنظيم القاعدي، وقضايا الرعاية من تعليم وصحة وبيئة عمل إنسانية للنساء والرجال. اهتمَّتْ بمجالات عديدة كالصناعات الصغيرة، والاقتصاد السياسي والمُجتمع، وبالنساء على وجه الخصوص بوصفهنَّ فاعلات في اتخاذ القرار وإدارة الدولة. وكانت مُمتلئةً بالحماس والجسارة والشجاعة والاتساق والشَّغف والحُبّ.

ومما يُميّز إرث مُزن، أنها بَنَتْ على مدار سنوات شبكةَ علاقات واسعة مع مناضلين ومناضلات حول العالم، إذ آمنت بأنّ التضامن بين الشعوب المضطهَدة هو الطريق الحقيقي للتغيير، لا الاستجداء من الفاعلين الاستعماريين الغربيين الذين يتنكَّرون في هيئة حَمَلة للديمقراطية والسلام، بينما يستغلُّون بلداننا وقارَّتنا ويَستنزفون مواردنا. كان تحليلها ثاقباً، تقاطعياً ومُناهضاً للرأسمالية، متجذِّراً في تشخيص ما هو خاطئ، وفي الإيمان بقُدرة الناس العاديين على تحليل شروط اضطهادهم وتنظيم أنفسهم لتغيير مصيرهم.

من يعرف مُزن، يعرف كيف كانت تملأ الفضاء من حولها.

زينب حامد، صديقتها، تلخّص ذلك ببساطة مُؤلمة، حين تقول إنّ مُزن لم تكن تتحدَّث نيابةً عنهن، إنما كانت تتحدَّث بأصواتهن. وتضيف سارة عباس أنّ ثمة وجهاً من وجوه مُزن لم ينَل حقَّه من المعرفة في السودان، وهو ذلك الحضور الأمميّ الذي بنَته بصبرٍ وإصرارٍ في الفضاءات العالمية، حيث كانت تنسج خيوط التضامن مع حركات التحرُّر في أصقاع مُختلفة من العالم. كانت الصوت الأقوى في اليسار السوداني الدَّاعي إلى نهج ثوري مُتعدِّد المستويات، دقيق في تعقيداته وواضح أخلاقياً في مقاربته للسودان.

سيترك رحيلُكِ اليومَ فراغاً كبيراً، في الفعل الثوري السوداني، وفي فعل الحركات القاعدية على مستوى العالم.

مُزن النيل، اليومَ جدّدتِ الوجع لمن فقدناهنّ، رُؤيا بالألف وأخريات.

بقلوب يملؤها الألم والوجع ننعيكِ جميعاً: أمّهات، ورفيقات، وصديقات، ومناضلات.

ويبقى الأمل والسيرة.

Scroll to Top