أتر

ثلاث سنوات من الحرب: ما الذي تغيّر وما الذي تعلّمناه؟

مرَّت علينا يوم أمس الذكرى الثالثة للحرب في السودان، وها هي تدخل إلى سنتها الرابعة وقد أدخلت كلّ شيء في سلسلة متشابكة من التغيّرات. خلال السنوات الثلاث الماضية، تصاعدَتْ الأزمةُ على جميع الأصعدة، وجرَتْ تحوُّلات عسكرية وسياسية واجتماعية، رُبَّما تُشكِّل ما سيكون عليه السودان مُستقبلاً. ومع جميع المجهودات المحلية والإقليمية والدولية، هل تبشّر الأوضاع الحالية بأيّ تحسُّن؟

قبل الحرب، كان عدد النازحين داخلياً في السودان 3.8 مليون نازح، وبنهاية عام 2023، ارتفع عددهم إلى 9.1 مليون نازح، وارتفع مزيداً في ديسمبر 2024 حتى وصل إلى 11.56 مليون نازح، وهو أكبر عدد للنازحين منذ اندلاع الحرب في 2023. ومن ثمّ انخفض عددهم من جديد في ديسمبر 2025 إلى 9.14 مليون نازح، بعد أن استعادت القوات المسلحة ولايتي الجزيرة والخرطوم. ويبلغ عدد النازحين في آخر حصرٍ أجرته المنظمة الدولية للهجرة 9.04 مليون نازح، وهو أقل عدد مرصود منذ اندلاع الحرب. أما عدد اللاجئين المسجّلين في جوار السودان، فإنه يواصل في الزيادة كل عام: بنهاية ديسمبر 2023، بلغ عددهم 1.4 مليون لاجئ، وارتفع إلى 3.2 مليون لاجئ في ديسمبر 2024، ثمّ وصل إلى 4.3 مليون لاجئ في ديسمبر 2025. ويبدو أنّ أعداد اللاجئين قد تنقص قسراً هذا العام بسبب عنف السلطات المصرية، بينما يشير النمط العام لحركة النزوح إلى استمرار أعداد النازحين داخلياً في التناقص مع عودة الحياة شيئاً فشيئاً في الخرطوم والجزيرة.

فرَضَتْ حركة النزوح الداخلي تحوُّلات كبيرة في البنية الاقتصادية والإنتاجية في البلاد. تغيَّرت شروط الحياة وأصبح مُلحَّاً على السكان المحليين مُواجهةُ هذه الظروف الجديدة والتكيُّف معها. ظهرت ابتكاراتُ غرف الطوارئ والمطابخ الجماعية في مناطق الاشتباك العسكري حيث اضمحلّت الأسواق وانقطعت الطرق، ثم انتقلت مع الفارّين إلى ملاذات النزوح. وحينما هاجمت قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة في ديسمبر 2023 تُلاحق «الكيزان»؛ ظهرت تداعيات ذلك مُباشرةً مع بداية العام 2024، على البنية الإنتاجية وحركة المواصلات والتجارة الداخلية وقوت السكّان والنازحين، وتغيَّرَتْ اتجاهات النزوح الداخلي. ومع تطاول أمد الحرب، نَفَدَتْ معظمُ موارد ومدّخرات الناس.

قالت منظمة العفو الدولية إنّ نقص التمويل قد عرقل أنشطة عدد كبير من المنظمات، ما دفع بعضها إلى الإغلاق ودفع البعض الآخر إلى تقليص عدد العاملين. وبالمثل، قالت منظمة إنتنرشيونال كير إنّ تناقص الدعم قد اضطرّ مطابخ مركزية على نطاق البلاد إلى إيقاف عملها أو تقليص الوجبات التي تقدّمها بحوالي 50%.

برغم هذه التغيّرات كلها وما فرضته الحرب على الناس من أسئلة حية وأحوال يلتهب فيها جمر الابتكار والتجربة، لم تتغيّر الرؤى السياسية والتصوّرات والمُبادرات التي تسعى إلى وقفها أو الحدّ من كوارثها. ومنذ غداة اندلاعها، انحصر الخطاب السياسيّ المحليّ حول الحرب في تعميمات عريضة تتحاشى ما يجري على الأرض بذريعة السعي إلى معالجة جذور المشكلة، حتى صار الأمر يتعلَّق بإصلاحات نظرية ترجع إلى تأسيس الدولة وتفاصيلها، وتتغاضى عن حرب اليوم وانعكاساتها على الناس، دون تقديم تصوُّرات سياسية تأخذ في حسبانها التحوُّلات التي تُشكِّل حياة أهل السودان.

على أساس هذا الوضع، جرَت العادة، منذ اندلاع الحرب، على عقد مؤتمر دولي عن السودان، لتداول الآراء والتباحث في الأزمة من أوجهها الإنسانية والسياسية والتعرُّف على الفاعلين فيها. في العام 2024، استضافت العاصمة الفرنسية باريس أول مؤتمر دولي عن السودان بعد الحرب. وفي العام 2025 استضافته لندن، لكنه فشل في التوصّل إلى بيان مشترك بين المتشاركين فيه، وبدلاً عنه صدر بيان منظّمي المؤتمر.

هذا العام، استضافت العاصمة الألمانية المؤتمر الثالث الذي تزامن مع الذكرى الثالثة للحرب، في 15 أبريل الجاري. وقد تولّت تنظيمه ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي معاً، واستضافته ألمانيا. وأصدر المؤتمر بياناً صحفياً قال فيه إنه جمع «وزراء وممثلي 55 دولة، بما في ذلك الدول المجاورة والإقليمية والجهات المانحة، وممثلي المنظمات الإقليمية مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد) وجامعة الدول العربية، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، وقادة أو ممثلي العديد من برامج ووكالات الأمم المتحدة، بما في ذلك مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأغذية العالمي، والمنظمة الدولية للهجرة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والأمين العام للجنة الدولية للصليب الأحمر، وممثلي البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، إضافة إلى 38 منظمة غير حكومية دولية وسودانية».

ووفقاً للبيان، نظّمت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي ومُنظَّمة الإيقاد جلسة للمدنيين ضمن فعاليات المؤتمر.

تقاطعت أعمال المؤتمر وفعالياته عند ثلاثة مسارات: إنساني ومدني وسياسي، يجمع بينها هدف واحد وهو دعوة المتحاربين إلى وقف إطلاق النار وتسهيل المساعدات الإنسانية وحشد الدعم الإنساني. وكان من أهم أعماله اجتماعٌ للمانحين للتعهّد بدعم الأوضاع الإنسانية. بهذا يُمكن وصف مؤتمر برلين بأنه نداء إنسانيّ طارئ لجمع التبرعات للمساعدات الإنسانية. وقد استطاع جمع حوالي مليار ونصف يورو من مُتبرّعين مُختلفين، لمُواجهة الاحتياجات الإنسانية.

قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن ميزانية خطة الاستجابة الإنسانية في السودان لعام 2026، تُقارب 3 مليارات دولار، تلقَّى منها حتى الآن حوالي 17% فقط. والواقع أنّ العمليات الإنسانية كانت منذ ما قبل الحرب تُواجه عجزاً كبيراً في تلبية الاحتياجات المُتزايدة وزاد بعدها. وفي مُعظم الأحيان يجري ترحيلُ هذه الاحتياجات وتتحمَّلها الميزانيات الجديدة. في الوقت ذاته يواجه نادي المانحين التزامات كبيرة في مناطق أخرى من العالم، لها تأثيرات على البلدان المانحة أكثر من السودان.

هكذا، صارَ السودان تذكيراً مُستمرّاً بـ«الكارثة الإنسانية».

خلال سنوات الحرب الثلاث، تختبر وكالات الأمم المتحدة في السودان معرفةً وتجربةً تُجبرها على التواؤم مع ظروف عملياتها الإنسانية. في مقابل ذلك، يُريد المانحون أن يجدوا خريطة طريق تفتح آفاق حلٍّ سياسيّ، بدلاً من الدوران في الأزمة الإنسانية إلى أمد بعيد. هنا تبرز حُجّة استحقاق المدنيّين في الحكم، وهي حجّة مبنيّة على شرعية ثورة ديسمبر، وربما لأنّ طرفي الحرب أثبَتَا عدم قدرتهما على إدارة عملية سياسية.

في بداية الحرب حاول المُجتمع الدولي تصميمَ عمليةٍ سياسيةٍ تشملُ القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، دون القوى السياسية، باعتبار أنها غير مُتورِّطة في الحرب. حينها، تصوَّرت القوى السياسية أنّ عملية إيقاف الحرب أو الهدنة الإنسانية، أو أيّ عملية تفاوض بين القوات المسلحة والدعم السريع، لا تشمل عملية سياسية على شاكلة المُفاوضات السابقة في السودان بما فيها من محاور اقتسام الثروة والسلطة، إنما تنحصر مهمّتها في التوصل إلى وقف إطلاق نار، ثمّ يشرع الطرفان في مباحثات فنية متعلقة بمستقبل القوات وتسليم السلطة للقوى المدنية.

هل تغيّر الأمر في مؤتمر برلين؟

مؤتمر مخصّص لحشد الدعم المالي، ولم يشمل القوات المسلّحة وقوات الدعم السريع كما هو الحال في المؤتمرات السابقة، وهو ليس مفاوضات لإنهاء الحرب أو رسم مستقبل السودان بعدها، وقد صاحبت فعاليات المؤتمر جلسة نظّمتها الآلية الخماسية وضمّت مدنيين سودانيين في مسار لا يَتعلَّق بالمُساعدات الإنسانية ولا الأطر القانونية لتوزيعها، إنما كان غرضها إطلاق حوار سوداني سوداني يفتح أفقاً لانتقال مدني بعد اتفاق المتحاربين على وقف إطلاق النار.

في محصلة الأمر، يبدو أننا أمام تصميم لا يختلف كثيراً عن ما سبقه: ستضطرُّ الأمم المتحدة للوصول إلى تفاهمات مع القوات المسلحة والدعم السريع حول إيصال الإغاثة والإطار القانوني لعملياتها. ومصداقاً لذلك، سارعت حكومة تأسيس بتذكير المنظمات العاملة في مناطق سيطرتها بإكمال تسجيلها وتقنين أوضاعها تحت سلطتها سواءٌ عندها أحضرت مؤتمر برلين أم لم تحضر.

وقد وصفت القوى السياسية، كلّ منها على حدة، أنّ ما حدث في برلين هو نجاح في إعادة المسار المدني، لكن ليس المجتمع الدولي هو الذي اتخذ موقفاً مجافياً لهذا المسار، إنما نبّه إليه في جميع المحادثات والمؤتمرات المتعلقة بالسودان. نشأ هذا الموقف المجافي للمسار المدني بفعل عوامل أخرى مثل التغيّرات في الواقع التي يأبى الخطاب السياسي الإنصات إلى درسها.

Scroll to Top