بسبب انقطاع السُّبُل بين إقليم دارفور وبقية ولايات السودان، أثناء حرب 15 أبريل، لجأ التجار في مناطق الإقليم إلى استيراد المحروقات والمواد الغذائية والأدوية من دولتي تشاد وجنوب السودان المُحادِدَتَيْن للإقليم.
وفي أواخر فبراير الماضي، أعلنت تشاد إغلاق المعابر الحدودية مع السودان بعد معارك في منطقتي الطينة الحدودية ومستريحة، لكنها أعادت فتح معبر أدري في 11 مارس ليُغلق مرَّة أخرى بعد يوم واحد نتيجة للضربات الجوية التي تعرَّض لها سوق أديكونق الحدودي في اليوم نفسه. وضيَّق الإغلاق الحدودي بين السودان وتشاد الخناقَ على تجار الوقود، إذ بات من الصعوبة بمكان إدخال الوقود إلى مناطق دارفور من تشاد، ما أجبر التجار على الاتجاه جنوباً نحو سوق النعام، الذي يقع ضمن منطقة منزوعة السلاح تتبع إدارياً إلى منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، بينما لجأ آخرون إلى خيار التهريب من تشاد حتى بعد الإغلاق.
ونتيجة للإغلاق الحدودي، ارتفع سعر برميل الوقود المُستجلب من سوق النعام من 1.25 مليون جنيه في فبراير الماضي إلى نحو مليوني جنيه في أبريل الجاري للبنزين والجازولين على حد سواء. ووصل سعر برميل الجازولين المُستجلب من تشاد إلى 1.75 مليون جنيه سوداني، وكان يباع بـ 1.4 مليون جنيه سوداني في فبراير الماضي، ووصل سعر برميل البنزين إلى 2.2 مليون جنيه وكان يباع بنحو 1.6 مليون جنيه سوداني، بحسب تجار تحدثوا لـ«أتَر». لكن الإغلاق ليس السبب الوحيد، فقد تعدَّدَتْ أسباب الارتفاع التي يرويها التجار من ولايتي جنوب دارفور ووسط دارفور.
ارتفاع أسعار الوقود: ما هي الأسباب؟
ومع إغلاق الحدود ارتفعت أسعار الوقود في ولايات دارفور؛ فضلاً عن أن تجاراً تحدثت معهم «أتَر»، أجمعوا على أن رسوم البورصة ورسوم البوابات مع كثرتها ورسوم تأمين القوافل، هي سبب رئيس وراء ارتفاع أسعار الوقود، بينما يرى آخرون أن ارتباط الوقود سعر الوقود بالدولار وزيادة تعرفة الترحيل هما السبب في ذلك. يقول محمد أبيا وهو تاجر وقود من ولاية جنوب دارفور، إن الإيصالات التي يَستخرجونها من أكبر التحدِّيات التي تَقف أمامهم، إذ يعبر الطريق من أديكونق إلى نيالا بثلاث ولايات: غرب دارفور ووسطها وجنوبها، ويُجبرون على استخراج إيصالات تُدفع للبورصات التابعة للإدارة المدنية في كُلِّ ولاية، ولا تُوجد قيمةٌ ثابتةٌ للإيصال الواحد، لكنه بحسب أبيا، يَترواح ما بين 20 و30 ألف جنيه سوداني للبرميل. ويضيف أبيا أن أسعار الوقود في أسواق تشاد ليست مرتفعة لهذه الدرجة، لكن المبالغ الذي يدفعها التجار في البورصة والبوابات تزيد من أسعارها.
ويرى محمد أحمد، وهو تاجر وقود من محلية بليل، أن سبب زيادة أسعار الوقود هو زيادة الطلب واعتماد دارفور وكردفان على سوق النعام في جلب الوقود، ولهذا السبب كاد الوقود ينعدم في سوق النعام، وفي أحسن الأحوال ينتظرون العربات الناقلة يومين إلى ثلاثة أيام، مما يخلق ندرة وزيادة في الطلب.
كنا نرحل البرميل بمبلغ 30 ألف جنيه وثم وصل إلى سعر الترحيل إلى 50 ألف جنيه وحالياً نرحل البرميل بسعر 100 ألف جنيه من أديكونق إلى نيرتتي.
يضيف أحمد سبباً آخر وهو ارتباط الوقود بالدولار، وما يترتَّب عليه من زيادة أثناء تحويل العملة من جنيه إلى دولار أو العكس، فضلاً عن تعقيدات الطريق من رسوم تأمين وبوابات وزيادة تكلفة الترحيل. ويقول أحمد إن الرسوم التي يدفعونها تشمل التصاريح والزكاة والضرائب ورسوم أمر محلي وخدمات ولاية، يجري جمعها في رقم واحد وقد تصل الرسوم إلى 30 ألف جنيه للبرميل الواحد، وتُدفع إلى البورصة التي تعمل تحت إشراف الإدارة المدنية الموالية لتحالف تأسيس.
وبحسب عبد الرازق سايكولوجي، وهو تاجرَ وقود بنيرتتي في ولاية وسط دارفور، تترواح رسوم التصاريح، ما بين 25 و30 ألف جنيه للبرميل الواحد، ومضى بالقول: «كنا نرحل البرميل بمبلغ 30 ألف جنيه ثم وصل سعر الترحيل إلى 50 ألف جنيه وحالياً نرحل البرميل بسعر 100 ألف جنيه من أديكونق إلى نيرتتي».
فضلاً عن الرسوم، فإن تجار الوقود يواجهون مخاطر أمنية أثناء عملية النقل. يقول سايكولوجي: «تعرَّضْتُ ومعي زملائي من التجار لعملية نهب مطلع شهر مارس الماضي، عندما تعطَّلَتْ عربتُنا في منطقة بين زالنجي ونيرتتي، فتآمر الحرس الذي دفعنا له رسوم التأمين مع أهل القرية ونهبوا العربة».
كيف تعمل أسواق الوقود في دارفور؟
في ولاية جنوب دارفور يعمل التجار بنظام الاستهلاك المباشر، بحسب وصف التاجر أبيا، خوفاً من تخزين الوقود، الذي قد يكون مُعرَّضاً لهجمات المُسيّرات، ولهذا السبب نفسه يتوقَّع التجار تصاعد أسعار الوقود خاصة إن جرى اعتراض العربات الناقلة.
وبعد إغلاق الحدود بين السودان وتشاد، أصبح أبيا يشتري الوقود من سوق النعام بدلاً من أديكونق. يقول: «نشتري الوقود في سوق النعام من صوماليين بالدولار. لقد لاحظت اختلافاً بين سوقَي أديكونق والنعام، في الأول يُعبأ الوقود في براميل حديد مُغلقة، أما في النعام فيُعبّأ في براميل بلاستيكية، وفي الأصل نأخذ 16 جركانة في البرميل، لكن التجار الصوماليين ينقصون الكمية إلى 14 جركانة».
لكنَّ عبد الرازق سايكولوجي لا يزال يفضل خيار التهريب من تشاد، بدلاً عن سوق النعام معتبراً الطريق من الأخير وإليه طويلاً وشاقاً. «نحن أصلا نبيع البرتقال للتشاديين ونشتري منهم الوقود»، يقول عبد الرازق، ومن ثم يضيف: «وصل سعر برميل الجاز في آخر مرة استجلبته فيها في أوائل أبريل الجاري إلى ما يعادل 1.75 مليون جنيه سوداني والبنزين يعادل 2.2 مليون جنيه سوداني»، لافتاً إلى أنهم في الأصل يشترون الوقود بالفرنك التشادي، ويعتمد الأمر على تغيرات سعره في مقابل الجنيه السوداني.
أما محمد أحمد تاجر الوقود من محلية بليل، فيستجلب الوقود (البنزين والجازولين) من دولة جنوب السودان ويشتريه بالدولار، بما يعادل مليونَي جنيه سوداني للجازولين و2.05 مليون جنيه للبنزين، إضافة إلى استئجار أفراد مُسلَّحين لحماية القوافل.
في الزراعة: زيت الطعام بديلاً للوقود
يتفاوت مستوى الأثر من مُزارع إلى آخَر، فبعض المزارعين يُقلِّلون مواعيد السقاية، وبدلاً من سقاية المحصول ثلاث مرات في الأسبوع، أصبحوا يسقونه مرتين في الأسبوع، بينما لجأ آخرون إلى استخدام زيت الطعام أو الصويا بديلاً للجازولين في طلمبات الري وهناك مزارعون تركوا مزارعهم.
تتساءل نورة من مدينة نيالا بجنوب دارفور في حديثها لمراسل «أتَر» ويعلو ملامحها التعجب: «ما علاقة الوقود بملاح التقلية الذي أطبخه في منزلي؟!»، وعادة لا يحتاج منها صنعه إلا قليلاً من البصل والزيت «وشوية شرموط»، بحسب تعبيرها. تقول: «طيب لو مشيت تشيل ليك صابون بقول ليك بـ 1500، تقول ليهو: ليش؟ بقول ليك: والله الرَّفع بقى لينا غالي شديد».
يجيبها عبد الناصر محمد، وهو تاجر وقود من مدينة كاس في حديثه لـ«أتَر»، قائلاً: «بحكم ارتباط الوقود بحياة الناس ينعكس ارتفاعه على حياتهم اليومية». ويُضيف أن معظم من يشترون منه الوقود، إضافةً إلى سائقي السيارات، هم أصحاب الجناين وأصحاب القشارات والطواحين. هكذا يشرح عبد الناصر: «ترتبط هذه الأشياء جميعها بحركة الناس وحياتهم، فكلما زاد سعر الوقود زادت معه أسعار السلع». ويضيف أنه يعرف مزارعين اضطروا إلى استخدام زيت الصويا وزيت الفول بديلاً للوقود رغم أضرار ذلك على طلمبات الري.
وأفاد مُزارعون تحدّثوا لـ«أتَـر»، بأنهم يستخدمون زيت الطعام في تشغيل الطلمبات بعد تسخينه في البراميل، ومن ثمّ خلطه بالجازولين. وعادة ما يخلطونهما مناصفةً. وللتقليل من الأضرار التي يخلّفها على الطلمبات، يُجرون عليها صيانة، ويفضّلون استخدام زيت الفول على الصويا، لأنه – بحسب قولهم – أقلّ إضراراً.
يقول أحمد حسن، وهو مزارع من مدينة نيالا يمتلك جنينة يزرع فيها البصل والجرجير والطماطم، إن الأثر المباشر لارتفاع الوقود ظهر في عدم قدرته على سقاية جميع المساحة المزروعة، فاضطرَّ إلى تقليصها: «لأنني لا أملك فائضاً مالياً أشتري به الوقود»، ويضيف في حديثه لـ«أتَر»: «يتفاوت مستوى الأثر من مُزارع إلى آخَر، فبعض المزارعين يُقلِّلون مواعيد السقاية، وبدلاً من سقاية المحصول ثلاث مرات في الأسبوع، أصبحوا يسقونه مرتين في الأسبوع، بينما لجأ آخرون إلى استخدام زيت الطعام أو الصويا بديلاً للجازولين في طلمبات الري وهناك مزارعون تركوا مزارعهم».
وبحسب حسن، تتراوح تكلفة ريِّ الفدان الواحد أسبوعياً ما بين 350 و450 ألف جنيه، ويقول: «والله نحن نقول الزول الدَّخل الحمَّام كدا كدا استحمَّ، ونحن نروي المحصول كل يومين، بمعدل ثلاث مرات في الأسبوع، وهذا يعني أنك تحتاج إلى جركانتين أو ثلاث جركانات جازولين».
ويضيف: «كل ما ننتجه لا يُقارَن سعرُه مع سعر الوقود، نحن نشتري جركانة الوقود بـ 165 ألفاً، ونبيع جوال البصل الصغير بـ 55 ألف جنيه، وهذا السعر غير مُجزٍ ولا يكفي لتغطية تكاليف شراء الوقود، ناهيك عن السماد والبذور وغيرهما».
ويقول سعد الدين آدم هارون، وهو مزارع خضروات من نيرتتي، يزرع البصل والجرجير والفجل والشمار والملوخية، إن ارتفاع أسعار الوقود أدَّى إلى زيادة كبيرة في تكاليف التشغيل، خاصةً تشغيل الطلمبات (البوابير)، كما ارتفعت تكلفة نقل المدخلات (البذور والأسمدة)، ويضيف في حديثه لـ«أتَر»: «بسبب ارتفاع أسعار الوقود قلَّلنا من المساحات المزروعة، كما قلَّلنا عدد مرات الري لتقليل الصرف، وبكل تأكيد سيؤثر هذا على الإنتاج».
ويضيف سعد: «عندما تكون الرياح ساكنةً تُساعد التربة على حفظ الرطوبة، مما يُقلِّل عدد مرات الرَّي، وعلى العكس تُسهم حركة الرياح في جفاف التربة، وهذا تترتَّب عليه زيادة مرات الري، وتختلف تكلفة ري الفدان مع اختلاف نوع المحصول ومصدر المياه، لكن في المتوسط قد تتراوح بين 190 و220 ألف جنيه سوداني أسبوعياً».
ويقول سعد إن أسعار الخضروات لا ترتفع لكي يُعوِّضوا من غلاء الوقود، وهو مُضطَّرٌ للعمل في الزراعة لأنه لا يعرف بديلاً، لكن إذا عثر على عمل آخر فبإمكانه تركها لأن تكاليفها لا تُقارن مع هامش الربح القليل.
وتقول المزارعة مُسلمات عبد الرحمن، من زالنجي بولاية وسط دارفور إنهم باتوا يعتمدون على النفير في الري بعد ارتفاع أسعار الوقود، وأحياناً يعتمدون على أفراد الأسرة لسقاية الخضروات باستخدام الدلاء، إضافةً إلى تقليل المساحات المزروعة وعدد مرات الري.
ورصدت نورة اختلاف أسعار بعض السلع، في مدينة نيالا، مُقارِنةً بين الأسعار قبل ارتفاع أسعار الوقود وبعدها: «مثلاً كان الصابون بـ1200 جنيه، وحالياً بـ1500 جنيه والسكر كان الكيلو منه يباع بـ1800 وحالياً بـ2300 جنيه وارتفع سعر اللبن من 4000 إلى 5000 جنيه، وارتفع جوز المويه من 600 جنيه إلى 800 جنيه ورطل الزيت من 2000 إلى 2550 جنيه، وطحن الملوة من 1200 إلى 1800 جنيه».



