أتر

الجزيرة: أزمة الوقود تُؤثّر على حصاد المحاصيل الشتوية

تشهد أسعار الوقود ارتفاعاً كبيراً بولاية الجزيرة، مع معاناة في الحصول عليه. يأتي ذلك على وقع الأزمة التي تشهدها البلاد، والتي تزامنت مع عمليات حصاد المحاصيل الشتوية، ويتطلَّبُ حصادُها كميَّاتٍ كبيرةً من الوقود، خاصة الجازولين، لتسيير الآليات والحاصدات، بجانب ترحيل المحاصيل من الحقول إلى المنازل والأسواق.

وكانت إدارة مشروع الجزيرة، أكبر مشاريع السودان الزراعية، قد أعلنت بدء حصاد محاصيل العروة الشتوية في الأسبوع الأول من أبريل الجاري، وأعلنت لاحقاً اكتمال حصاد 80% من المحاصيل، في مساحة 203 آلاف فدان، زُرِعَتْ هذا الموسم. وذلك على الرغم من الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، خاصةً الجازولين، وتوقُّف عمليات الحصاد في عدد من المواقع بالمشروع.

توفُّر البنزين وندرة الجازولين

لمس مراسل «أتَر» فروقاً في الأسعار بين المحطات في مُدنٍ مُختلفة من الولاية، على الرغم من صدور تسعيرة مُوحَّدة من وزارة المالية بالولاية مطلع أبريل الجاري.

وكشفت جولة لمراسل «أتَر»، عن شُحِّ المعروض بمحطات الوقود في الولاية، مع ارتفاع أسعاره. ويُباع جالون الجازولين بأسعارٍ تتراوَحُ ما بين 33 و35 ألف جنيه في المحطَّات، بينما يُباع البنزين بما بين 23 و26 ألف جنيه. ولمس مراسل «أتَر» فروقاً في الأسعار بين المحطات في مُدنٍ مُختلفة من الولاية، على الرغم من صدور تسعيرة مُوحَّدة من وزارة المالية بالولاية مطلع أبريل الجاري.

في محلية ود مدني، يبلغ سعر جالون البنزين في المحطات 26 ألف جنيه، مع شُحِّه، ويبلغ سعر جالون الجازولين 28 ألف جنيه، مع ندرة شديدة. وفي محلية الحصاحيصا المُجاوِرة، كشفت جولةٌ لـ«أتَر» على محطات الوقود، وفرةً نسبيّةً في البنزين، مع ندرة في الجازولين الذي يبلغ سعره في الطلمبات 24 ألف جنيه لكنه مُنعدم، بينما يبلغ سعره في السوق الموازي ما بين 35 و40 ألف جنيه.

وفي محلية المناقل يشتكي المواطنون من أزمة كبيرة في توفُّر الوقود، إذ يكاد الجازولين ينعدم، ووصل سعر الجالون منه في بعض المناطق بالمحلية إلى 50 ألف جنيه في السوق الموازي، بينما يتوافر البنزين نسبياً، ويُباع الجالون الواحد منه في الطلمبات بمبلغ 26 ألف جنيه، ويصل سعره في السوق الموازي إلى 32 ألف جنيه.

قال أحد ملاك محطات الوقود لـ«أتَر»، إنه تحصَّلَ على وقود لمحطَّته، بعد أن مكث بتانكره لأكثر من أسبوعين في بورتسودان، بينما كان إنجاز مهمة مثل هذه يتطلَّب في أسوأ الفروض 48 ساعة، وبرَّر الزيادات في الأسعار بارتفاع تكاليف ترحيل الوقود نفسه.

وفي محلية الكاملين شمالي الجزيرة، يندر وجود الجازولين على نحو كبير أيضاً، مع وفرة معقولة في البنزين، ويبلغ سعر جالون الجازولين ما بين 40 و45 ألف جنيه في السوق الموازي، مع انعدامه في أغلب محطات الوقود في المحلية، ويبلغ سعر جالون البنزين في الطلمبات ما بين 24 و26 ألف جنيه، ويُباع الجالون منه في السوق الموازي ما بين 28 و30 ألف جنيه، ويكاد يصل إلى 35 ألف جنيه للجالون في مناطق المحلية الأقرب لولاية الخرطوم.

وقال أحد ملاك محطات الوقود لـ«أتَر»، إنه تحصَّلَ على وقود لمحطَّته، بعد أن مكث بتانكره لأكثر من أسبوعين في بورتسودان، بينما كان إنجاز مهمة مثل هذه يتطلَّب في أسوأ الفروض 48 ساعة، وبرَّر الزيادات في الأسعار بارتفاع تكاليف ترحيل الوقود نفسه، وقال: «كل شيء زاد وتضاعف سعره، بسبب الوقود، ونحن نُعاني حالياً في الحصول عليه، ولو بعنا بتسعيرة الحكومة، لن نتمكن من جلب وقود جديد، لأن السعر مُتحرِّك».

وفي مناطق امتداد المناقل، التي تشمل محليتي المناقل و24 القرشي، اللتين تشهدان كثافة في زراعة محاصيل العروة الشتوية، بلغ سعر جالون الجازولين 50 ألف جنيه، بسبب احتياج المزارعين إليه في الحصاد. وفي محلية المناقل، حيث لا تزال عمليات الحصاد تجري في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، يندر وجود الوقود لا سيما الجازولين.

أزمة الحصاد

ويشتكي مزارعون من انعكاس أزمة الوقود على حصاد محاصيلهم. وقال المُزارع بمكتب فحل بالقسم الأوسط بدوي أحمد حسن لـ«أتَر»، إنه تمكَّن من حصاد مساحة 4 أفدنة، مزروعة بمحصول «الكبكبي» في الأسبوع الأخير من مارس، بمبلغ 70 ألف جنيه للفدان الواحد، وأنه بصدد حصاد 4 أفدنة أخرى، وأخبر عن أنه تحدث مع صاحب حاصدة، وأبلغه أن سعر حصاد الفدان ارتفع من 70 ألفاً إلى 120 ألف جنيه، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وقال: «أبلغني صاحب الحاصدة أن لا ضمانات لثبات السعر مع زيادته الحالية، وأنني لو اتصلت به مرة أخرى أو تأخرت، قد أجد السعر قد تضاعف، ومحصولي جفَّ على نحو يجعل الانتظار مجازفة، لكنني عاجز عن توفير هذا المبلغ حالياً».

قال الأغبش عيسى، وهو مزارع بمكتب تورس بقسم وادي شعير، إن عمليات الحصاد تجري ببطء، نظراً لشح الوقود. وكشف الأغبش عن لجوئهم إلى حصاد المحاصيل يدوياً، بدلاً عن استخدام الحاصدات، على الرغم من أن الحصاد اليدوي يُحدث فاقداً كبيراً في المحاصيل الزراعية.

ويقول طه العبيد، صاحب حاصدة لـ«أتَر»، إنه يضطرُّ إلى شراء جالون الجازولين من السوق المُوازي بمبلغ 40 ألف جنيه، بينما يبلغ سعره في محطات الوقود 32 ألف جنيه في منطقته «المحيريبا» شمال الجزيرة، لكن الصفوف طويلة أمام المحطات، لذا يُفضِّل الشراء من السوق الموازي، وفي هذه الحالة فإن تسعيرة حصاد الفدان ترتفع بلا شك.

وقال الأغبش عيسى، وهو مزارع بمكتب تورس بقسم وادي شعير، إن عمليات الحصاد تجري ببطء، نظراً لشح الوقود. وكشف الأغبش عن لجوئهم إلى حصاد المحاصيل يدوياً، بدلاً عن استخدام الحاصدات، على الرغم من أن الحصاد اليدوي يُحدث فاقداً كبيراً في المحاصيل الزراعية، وقال: «نلجأ إلى ذلك مُضطرِّين، إذ إن تكلفة الحصاد الآلي أضحَتْ عاليةً جداً، وتزيدُ من تراكم الخسائر علينا، بسبب انخفاض أسعار المحاصيل».

متحدثاً لـ«أتر»، يقول المهندس الزراعي مُعتصم فضل السيد، إن عمليات الحصاد تعتمد كلياً على الحاصدات «الدرّاسات، والدقاقات» والجرَّارات التي تعمل بالجازولين، وهي عملية مُترابطة، قوامها الوقود، وانعدامه يؤدي إلى انفراط عقدها، ونَبَّهَ إلى أن انعدام الوقود يعني توقف هذه الآليات، ما يتسبُّب في تأخير الحصاد من موعده الأمثل، ما يُفضي إلى تلف المحاصيل بما يُسمَّى «الفرط» وهو تساقط حبوبها، بسبب الجفاف الشديد. ويضيف فضل السيد: «المحاصيل الشتوية كالقمح لها فترة زمنية مُحدَّدة للحصاد، وإذا تُركت السنابل في الحقل بعد جفافها لمُدَّة طويلة بسبب تأخُّر الحاصدات، تتساقَطُ حبوبها، ما يُقلِّلُ من الإنتاجية الكُليِّة بنحوٍ حاد». وحذَّر من أن بقاء المحاصيل الجافة في الحقول لمدة أطول يَجعلها عرضة لهجمات الطيور والقوارض، كما يزيد من احتمالية نشوب الحرائق، سواء أكانت طبيعية أم بفعل فاعل.

انعدام وقود الشاحنات يُؤدِّي إلى تكدس المحصول في العراء، ويُعرِّضه للتَّلف بسبب عوامل الطقس أو السرقة.

وفي الوجه الآخر للأزمة يقول فضل السيد، إنه حتى ولو تَمَكَّنَ المُزارِعُ من الحصاد، تبرز مشكلة نقل جوالات المحصول من الحواشات والحقول إلى المخازن أو المطاحن، وقال: «انعدام وقود الشاحنات يُؤدِّي إلى تكدس المحصول في العراء، ويُعرِّضه للتَّلف بسبب عوامل الطقس أو السرقة»؛ لافتاً إلى أن المزارعين يضطرُّون أمام ضيق الوقت، وخوفاً من ضياع المحصول، إلى اللجوء للسوق الموازي لشراء الجازولين بأسعار مُضاعَفة ومُبالَغ فيها، معتبراً أن هذا يتسبِّب في رفع تكلفة الإنتاج بنحوٍ يَبتلع أيَّ هامش ربحٍ كان يتوقَّعه المُزارع.

ووفقاً لصديق ناصر المزارع بمكتب بقسم الهدى، فإن ما يحدث ليس مُضاربة في الوقود، إنما هو «استنزاف». وقال ناصر لـ«أتَر»، إن تعب المُزارع لعام كامل يضيع في النهاية، لافتاً إلى أنه كان يجب الاحتياط بكميات من الجازولين لموسم الحصاد، وهو أمرٌ كان في السابق يحدث سنوياً، إذ إنه من المعروف أن موسم الحصاد يتطلَّبُ كميات إضافية من الوقود، وقال: «موسم الحصاد يأتي دورياً وهو ليس مفاجأة، وكان يجب الاستعداد له جيداً، بدلاً من تبديد جهود وتعب المزارع بهذا النحو»، مُقتَرِحاً «إعلان طوارئ من الحكومة وجلب كميات كافية من الوقود، وتقسيمها بعدالة وفرض مُراقبة كاملة على أقسام المشروع، لإنقاذ المحاصيل وحفظها من التلف».

معادلة مستحيلة

الآن نبيع جوال القمح زنة 100 كيلو بمبلغ 110 آلاف جنيه، بينما جوال الدقيق زنة 25 كيلو المستورد من دولة جارة يبلغ سعره في السوق 65 ألف جنيه.

وفي المقابل، تَشهدُ أسواقُ الولاية ارتفاعاً بالغاً في أسعار السلع. وارتفع سعر جوال السكر زنة 50 كيلو إلى 180 ألف جنيه، بعد أن كان يُباع بـ 130 ألف جنيه. ويُخبر المزارع بالقسم الشمالي صلاح الطيب أبو حراز «أتَر»، أن المزارعين بالجزيرة يُعانون من مُتلازمة انخفاض أسعار ما يُنتجونه من محاصيل، مع ارتفاع كبير في أسعار السلع الأخرى، غير المُنتَجة محلياً في الولاية أو السودان، وقال: «الآن نبيع جوال القمح زنة 100 كيلو بمبلغ 110 آلاف جنيه، بينما جوال الدقيق زنة 25 كيلو المستورد من دولة جارة يبلغ سعره في السوق 65 ألف جنيه».

وشهدت أسعار المحاصيل بأسواق الولاية هبوطاً حاداً في أواخر مارس ومطلع أبريل، إذ انخفضت أسعار محاصيل البقوليات والحبوب الغذائية. وبحسب جولة لمراسل «أتَر» في سوق المحيريبا بوسط الجزيرة، بلغ سعر جوال الكبكي 215 ألف جنيه بعد أن كان 250 ألف جنيه قبل الأزمة الأخيرة، وانخفض سعر جوال الفول المصري إلى 315 ألف جنيه، بعد أن كان سعره 520 ألف جنيه، كما انخفض سعر جوال القمح إلى 110 آلاف جنيه، بعد أن كان 140 ألف جنيه. يأتي ذلك مترافقاً مع زيادةٍ في المعروض من المحاصيل مع قِلَّة طلب التجّار له، بسبب ارتفاع أسعار ترحيله إلى الخرطوم وبورتسودان. وكشفت الجولة كذلك عن زيادة كبيرة في أسعار الذرة بأسواق الولاية. وأرجع تجار مثل الطاهر عبد الباسط، التاجر بسوق مدني، الزيادةَ لقلَّة الوارد من القضارف وسنار بسبب ارتفاع أسعار الترحيل.

وفي محلية مدني الكبرى، قال مواطنون إن الارتفاع البالغ في أسعار السلع، الناتج عن الأزمة في الوقود، فاقم من معاناتهم اليومية في معايشهم، وترافقت معه زيادة في أسعار تذاكر المواصلات الداخلية بالمدينة وإلى خارجها. وقال جمعة سليمان، أحد سكان حي دردق بود مدني لـ«أتَر»، إن أسعار السلع بسوق المدينة تشهد ارتفاعاً بالغاً، إذ ارتفع سعر جوال السكر زنة 50 كيلو من 150 ألف جنيه في مارس الماضي إلى 175 ألف جنيه، وجركانة الزيت 18 رطلاً من 80 إلى 100 ألف جنيه، ورطل الشاي من 5 آلاف إلى 7 آلاف جنيه، ورطل البن من 8 آلاف إلى 12 ألف جنيه، بينما ارتفع سعر كيلو اللبن «بدرة» من 10 آلاف إلى 15 ألف جنيه، وملوة الفول المصري من 15 ألف جنيه إلى ما بين 20 و25 ألف جنيه. وارتفع سعر جوال الدخن بسبب الترحيل من 140 ألف جنيه إلى 220 ألف جنيه.

وتشهد المحليات الطرفية زيادة كبيرة في أسعار الدقيق؛ ووصل سعره في المناقل و24 القرشي إلى ما بين 70 و75 ألف جنيه، بعد أن كان في حدود 50 ألف جنيه في نهاية مارس الماضي. وترتَّبَ عليه ارتفاعٌ بالغٌ في أسعار الخبز، وتباع ما بين 3 و4 رغيفات بألف جنيه، بعد أن كان المبلغ نفسه يشتري ما بين 5 و6 رغيفات في مارس الماضي، وسط شكاوى أصحاب المخابز من ارتفاع مُدخلات صناعة الخبز، فقد ارتفع سعر الغاز من 6 آلاف جنيه للكيلو ليصل إلى أكثر من 10 آلاف جنيه. أما حطب الأشجار، الذي يَعُدُّه أصحابُ المخابز بديلاً للغاز، فقد ارتفع سعر متره المُكعَّب من 30 ألفاً إلى 50 ألف جنيه، بسبب الإقبال عليه مع ندرة وارتفاع أسعار الغاز.

Scroll to Top