على بُعد كيلومترات معدودة بين سواحل إيران وسلطنة عُمان، يمرُّ مضيق هرمز، وهو أحد أكثر الممرَّات حساسية في سوق الطاقة العالمي، وتمرُّ عبره نحو 20% من إمدادات النفط المنقولة عالمياً، إلى جانب جزء مُهمٍّ من تجارة الغاز الطبيعي المُسال. ويرتبط وقود الطيران (الكيروسين) من نوع «جيت إيه-1» مباشرةً بمصافي الخليج التي تُعدُّ من أكبر مراكز التكرير والتصدير عالمياً، ما يَجعل تدفُّقات الطاقة عبر المضيق عاملاً حاسماً في استقرار السوق. ومع تصاعد التَّوترات، قفزَتْ أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، ولامست 119 دولاراً، بالتوازي مع ارتفاع وقود الطائرات من نطاق 85–90 دولاراً للبرميل إلى مستويات بين 150 و200 دولار خلال فترة قصيرة. ويشكل الوقود أداة تشغيلية مهمة لشركات الطيران، وهو ما يجعل تغيُّر أسعاره عاملاً مباشراً في إعادة تسعير الرحلات.
يمتدُّ أثر الاضطراب عبر سلسلة مُترابطة تتجاوز سعر النفط الخام، فالاعتماد على واردات الكيروسين من الشرق الأوسط، يرفع حساسية الإمدادات لأيِّ تغيُّر في هرمز. وفي الوقت نفسه، ترتفع تكاليف التأمين البحري مع تصاعد المخاطر، وتتزايد رسوم التأمين المرتبطة بها، لتُضاف إلى تكلفة الوقود قبل وصوله إلى الأسواق. وتختلف استجابة شركات الطيران وفق سياساتها المالية، إذ تعتمد بعض الشركات على التحوُّط لتخفيف أثر التقلُّبات، بينما تبقى شركات أخرى أكثر ارتباطاً بالأسعار الفورية.
تمرُّ 40% من إمدادات وقود الطيران العالمية عبر مضيق هرمز، مع محدودية في المخزونات الاحتياطية تُغطِّي أسابيع قليلة، ما يَضع القطاع تحت ضغط زمني مباشر في حال استمرار الاضطرابات. هذا النمط ظهر في أزمات سابقة، من اضطرابات أسواق الطاقة في 2019.
شركات الطيران
إذا كانت تعبئة خزان سيارة ترهق الميزانية، فإن تزويد طائرة بالوقود يفتح باباً لتكاليف مضاعفة، إذ يمثل الوقود عادة نحو 15-30% من النفقات التشغيلية لشركات الطيران، إلا أن سعره تضاعف تقريباً منذ اندلاع الأزمة في 28 فبراير الماضي، مُتجاوزاً ارتفاع أسعار النفط الخام بنسبة كبيرة. أعادت قفزات الوقود تشكيل قرارات شركات الطيران التشغيلية والمالية. ورفعت الخطوط الجوية الفرنسية أسعار الرحلات طويلة المدى، بينما أعادت لوفتهانزا (الخطوط الألمانية) تقييم شبكاتها التشغيلية مع احتمال تعليق بعض الرحلات. وألغت الخطوط الجوية الاسكندنافية مئات الرحلات تحت ضغط التكاليف. وفرضت شركات أخرى رسوماً إضافية على الوقود وأجَّلَت خططاً استثمارية، في حين أعادت كانتس (الخطوط الأسترالية) توجيه رحلاتها عبر مسارات أطول لتفادي مناطق التوتر، ما زاد زمن الرحلات واستهلاك الوقود. ويمتدُّ هذا التحوُّل إلى نموذج «الترانزيت العالمي»، الذي تُمثِّل فيه مطارات مثل مطار دبي في الإمارات ومطار حمد الدولي في قطر مراكز رئيسة لربط آسيا بأوروبا. وبذا، فإن أي اضطراب في المنطقة يُعيد توزيع حركة الطيران نحو مسارات بديلة.
تتباين آثار الأزمة بين الأسواق، إذ تواجه شركات الطيران في الأسواق الناشئة ضغوطاً أكبر نتيجة ضعف أدوات التحوط وارتفاع تكلفة التمويل، إلى جانب تأثير تقلُّبات سعر الصرف، مع تسعير الوقود بالدولار ما يرفع تكلفة التشغيل بمستويات أعلى مقارنة بالأسواق المتقدمة.
المسافر وأسعار التذاكر
ينتقل الأثر في نهاية المطاف إلى المسافر، إذ ترتفع أسعار التذاكر والرسوم المُرتبطة بها مع زيادة تكاليف الوقود، خاصة في الرحلات طويلة المدى. إن أيَّ ارتفاع محدود في سعر البرميل يضيف آلاف الدولارات إلى تكلفة الرحلة الواحدة، بينما تؤدي زيادات تتراوح بين 10 و20% في الوقود إلى زيادات ملموسة في أسعار التذاكر خلال فترة قصيرة. يتزامن ذلك مع تغيُّر في دوافع السفر، حيث تتراجع الرحلات الترفيهية مقابل زيادة الطلب على السفر الضروري، إلى جانب توجُّه بعض المسافرين نحو خيارات أقل تكلفة أو الحجز المُبكِّر.
ويمتدَّ التأثير كذلك إلى الشحن الجوي، الذي يمثل نحو 35% من قيمة التجارة العالمية، ما يرفع تكلفة نقل السلع عالية القيمة مثل الإلكترونيات والأدوية. وفي الوقت نفسه، يتسارع التوجُّه نحو وقود الطيران المُستدام ضمن السياسات الأوروبية، رغم ارتفاع تكلفته مُقارنةً بالوقود التقليدي.
يظهر مضيق هرمز في السياق بوصفه نقطةً تتشكَّل لديها تكلفة الطيران العالمية، حيث تتقاطع تدفقات النفط مع حركة السفر والتجارة، وتتحوَّل تقلُّبات الطاقة إلى قرارات تشغيلية وتسعيرية داخل شركات الطيران، لتصل في نهايتها إلى التذكرة التي يدفعها المسافر، في صورة تعكس ارتباط استقرار السماء باستقرار ممرات الطاقة العالمية.
