في ظل التحوّلات الاقتصادية والسياسية العميقة في السودان، يضطلع بنك السودان المركزي بدَور محوري في تحقيق الاستقرار النقدي وإعادة الثقة إلى النظام المالي. أصدرت إدارة البنك، في 31 ديسمبر 2025، خطّتها الاستراتيجية الخمسية 2026-2030، التي عكست رؤية طموحة لإصلاح القطاع المصرفي، ويعبّر عنوانها عن ذلك الطموح «خطّة التعافي والتحوّل الاستراتيجي”. غير أنّ القراءة النقدية تكشف عن فجوات بين الطموح والتنفيذ، نلخّصها في ما يلي., pulvinar dapibus leo.
أوجُه القصور الهيكلية في الخطة
يكشف تحليل مكوّنات الخطة عن عدد من أوجُه الإخفاق أو نقاط الضعف التي قد تعوق التنفيذ الفعلي وتحقيق النتائج المرجوّة. يُلاحَظ غياب الترابط الواضح بين الأهداف الاستراتيجية والمبادرات والنشاطات التشغيلية، إذ طرحت الخطة عدداً كبيراً من المبادرات دون تحديد أولويات واضحة أو ربط مباشر بينها والنشاطات ومؤشرات الأداء القابلة للقياس والمفقودة في الخطة. يؤدّي هذا التوسّع في المبادرات من حيث العدد إلى تشتت الجهود وضعف التركيز، بخاصة في بيئة تعاني من محدودية الموارد وعدم الاستقرار.تبدو الفترات الزمنية لتنفيذ الأنشطة عامّة وغير مفصّلة على نحو كافٍ، إذ تفتقر الخطة إلى جداول زمنية مرحلية (سنوية مثلاً) توضح متى يبدأ وينتهي كلّ نشاط، وما هي النقاط الحرجة، ما يُبرز معوقات أمام التنفيذ الفعّال. ولا يَظهر تحديدٌ واضحٌ ودقيقٌ للشركاء الاستراتيجيين؛ المحليّين والدوليين، في تنفيذ المبادرات، ولا طبيعة أدوارهم أو التزاماتهم، بخاصّة أنّ نجاح الخطة يعتمد بشدّة على الدعم الخارجي والتنسيق المؤسّسي. كذلك، تعاني الخطة من ضعف في تحديد مؤشّرات الأداء الرئيسة الكمّية الدقيقة لقياس التقدم نحو تحقيق الأهداف، مثل النسب المستهدفة للشمول المالي، أو المؤشرات الكمية لقياس الاستقرار النقدي. من شأن غياب هذه المؤشّرات أن يجعل عملية المتابعة والتقييم غير فعّالة. ويُلاحَظ، على مستوى المَحاور الاستراتيجية، أنّ بعضها، مثل الاستقرار النقدي، يتضمّن أهدافاً طموحة (كخفض التضخّم إلى رقم أحاديّ) دون توضيح كافٍ للآليات الواقعية لتحقيق ذلك في ظل استمرار الاختلالات الهيكلية، مثل عجز المالية العامة وضعف الإنتاج. كذلك، تحتاج أدوات السياسة النقدية المقترحة (مثل الصكوك والذهب والعملات الرقمية) إلى بيئة مؤسسية وتشريعية مستقرّة، وهي بيئة لم تضمن الخطة وجودها.وفي محور الحوكمة المؤسسية، ورغم التأكيد على الشفافية والمساءلة، إلا أنّ الخطة لا توضح آليات تطبيق هذه المبادئ، مثل نظم الإفصاح، أو استقلالية القرار، أو أدوات الرقابة الداخلية والخارجية، ما يجعلها أقرب إلى مبادئ عامة غير قابلة للقياس. أما محور التحول الرقمي، فيعكس طموحاً متقدّماً، لكنه يفتقر إلى تقييم واقعي للبنية التحتية التقنية الحالية، والفجوات في القدرات البشرية، والتحديات المرتبطة بالأمن السيبراني. وفي ما يتعلق بنتائج الاستراتيجية المتوقّعة، فإنها صيغت على نحو عام (تعافٍ، استقرار، شمول مالي) دون تحديد نتائج محددة قابلة للقياس أو سيناريوهات رقمية واضحة، ما يُضعِف القدرة على الحكم على نجاح الخطة أو فشلها.
سدّ فجوة الطموح والتنفيذ
مع تعقّد الأوضاع الاقتصادية، وتداخُل التحديات السياسية والأمنية، لم يعد كافياً امتلاك رؤية عامة طموحة، بل أصبح من الضروري أن تُترجَم هذه الرؤية إلى سياسات واقعية قابلة للتنفيذ وقادرة على إحداث أثر ملموس. وفي هذا السياق، تمثّل الخطة الاستراتيجية محاولة جادّة لوضع إطار شامل للإصلاح، غير أن تقييمها من منظور منهجي يكشف عن فجوات، ويثير تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزيتها للتحوّل من «وثيقة نظرية» إلى «برنامج عمل» فعّال في بيئةٍ يكتنفها عدم اليقين. لتصحيح صياغة الخطة الاستراتيجية وفق المنهج العلمي المتعارف عليه، لا يكفي تحسين اللغة أو إعادة الترتيب، بل يتطلّب الأمر إعادة بنائها على أسس منهجية واضحة تربط بين التشخيص، والأهداف، والتنفيذ، والقياس. ويمكن توضيح ذلك في مجموعة من المحاور المتكاملة:
أولاً، البدء بتشخيصٍ علميّ دقيق للوضع الراهن (الدراسة الموضعية)، من خلال تحليل بيئي شامل (داخلي وخارجي)، لتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات كمّياً ونوعيّاً، وربطها بصياغة الأهداف الاستراتيجية للخطة، بدلاً من طرح أهداف عامة غير مستندة إلى تحليل موضعي.
ثانياً، إعادة صياغة الأهداف الاستراتيجية بحيث تكون محدّدة، وقابلة للقياس والتحقيق، وواقعية، ومحدّدة زمنياً، بدلاً من أهداف عامة مثل «تحقيق الاستقرار النقدي»، و«المستهدفات الرقمية» (مثل خفض التضخّم إلى نسبة محدّدة خلال فترة زمنية معينة).
ثالثاً، بناء تسلسل منطقيّ، يربط بين الرؤية، والرسالة، والأهداف الاستراتيجية، ثمّ المبادرات والنشاطات، بحيث تخدم كلّ مبادرةٍ ونشاطٍ هدفاً محدّداً، ويجري تقليل عدد المبادرات، والتركيز على أكبرها أثراً، مع تحديد أولويات واضحة لكلّ محور وهدف لتجنّب تشتت الموارد.
رابعاً، تطوير إطار تنفيذي في مصفوفة الاستراتيجية يتضمّن خططَ عملٍ تفصيلية لكل مبادرة، تشمل: الأنشطة، والجهات المسؤولة، والموارد المطلوبة، والتكلفة التقديرية، والإطار الزمني المرحلي، ومخرجات التنفيذ المتوقّعة. هذا ما يُحوّل الخطة من وثيقة نظرية إلى برنامج عمل قابل للتطبيق.
خامساً، وضع نظام متكامل لمؤشّرات الأداء (لقياس تحقيق الأهداف الكبرى) والمؤشّرات التشغيلية (لقياس تنفيذ الأنشطة). تكون هذه المؤشّرات كمّية بقدر الإمكان، مع تحديد مرجع أساسي (سنة الأساس)، وتحديد قيم كمّية ونوعيه مستهدفة في كلّ سنة من سنوات الخطة.
سادساً، إدماج إطار واضح لإدارة المخاطر في الخطة، يتضمّن تحديد المخاطر المحتملة (السياسية، الاقتصادية، التشغيلية)، وتقييم احتماليتها وتأثيرها، ووَضْع خطط للتخفيف والاستجابة، بدلاً من تجاهُلها أو الاكتفاء بالإشارة العامة إليها.
سابعاً، توضيح هيكل الحوكمة وآليات المتابعة والتقييم، من خلال تحديد مَن يتّخذ القرار، ومَن ينفّذ، ومَن يراقب، مع اقتراح تقارير دورية (شهرية/ ربع سنوية) لمتابعة الأداء، وربط النتائج بآليات المساءلة.
ثامناً، تحديد الشركاء الاستراتيجيين بدقّة، مع توضيح أدوارهم ومسؤولياتهم، سواءٌ أكانوا جهاتٍ حكومية، أم مؤسّسات مالية، أم شركاء دوليين.
تاسعاً، وضع موازنة لتنفيذ الخطة، مع تحديد فجوات التمويل وكيفية تغطيتها.
خلاصة
تعكس الخطة الاستراتيجية طموحاً كبيراً لإصلاح القطاع المالي وتحقيق الاستقرار النقدي، لكنها تعاني من فجوة تنفيذية واضحة نتيجة ضعف الربط بين الأهداف والمبادرات، وغياب مؤشرات الأداء القابلة للقياس، وتَعدُّدِ المبادرات بلا أولويات، ونقص الإطار الزمني التفصيلي، وعدم وضوح أدوار الشركاء وآليات الحوكمة. وبسبب هذه الفجوة بين الطموح والتنفيذ، تبدو الخطة أقرب إلى وثيقة طموحات منها إلى برنامج عمل قابل للتطبيق، ما يضع نجاحها أمام تحدٍّ حقيقيّ لا تجتازه إلّا بأن تتحوّل إلى إطار عملي قائم على الأولويات والقياس والمساءلة.



