أتر

أزمة الوقود في مدينة الدويم: ارتباك في تعرفة المواصلات وتصاعد أسعار المواد الاستهلاكية

في ساعات الصباح يقف الناس في مواقف المواصلات، بمدينة الدويم في ولاية النيل الأبيض، في انتظار حافلات قد لا تأتي بسبب ارتفاع أسعار الوقود، الذي لم يُضاعف تكلفة الرحلات اليومية فحسب، بل حوَّلَها إلى مُعاناة مفتوحة يعيشها السكان. ومنذ نهاية مارس الماضي شهدت أسعار الوقود في الدويم زيادة ملحوظة، ما انعكس مُباشرةً على تعرفة المواصلات العامة التي ارتفعت بنحو مُتسارع في عدد من الخطوط داخل المدينة والقرى المجاورة. هذا الارتفاع لم يتوقف عند حدود النقل فقط، لكنه امتدَّ ليشمل أسعار السلع الأساسية، إذ يعتمد التجار على الوقود في عمليات الترحيل، ما أدَّى إلى زيادة إضافية في تكلفة المعيشة.

وبحسب متابعات «أتر»، شهدت أسعار الوقود منذ نهاية مارس ارتفاعاً ملحوظاً، وسُجِّلت زياداتٌ في عدد من المحطات، فضلاً عن حالة من التذبذب وعدم الاستقرار بين أسعار المحطات والسوق الموازي. وبلغ سعر جالون الجازولين، مع شح شديد، حتى الثلاثاء الماضي 37 ألف جنيه، في بعض المحطات، بعد أن كان 25.5 ألف جنيه، بينما تراوح سعر جالون البنزين ما بين 31 و32 ألف جنيه مقارنة بـ 26 ألف جنيه سابقاً، في حين ارتفع سعر جالون البنزين في السوق الموازي إلى ما بين 40 و45 ألف جنيه.

وقد انعكس هذا التذبذب بنحوٍ مُباشرٍ على الحياة اليومية للمواطنين، وأصبحت أسعار الوقود حديثهم، في ظل تقلبات مُستمرَّة بين الارتفاع وعدم الاستقرار، ما أدَّى إلى حالة من عدم الرضا؛ لذا تتجدَّد يومياً النقاشات بين الركاب وأصحاب الركشات حول التعرفة، في ظل غياب رقابة فعَّالة على محطات الوقود ومواقف المواصلات. وطالب سكان الدويم بتوحيد الأسعار بين المحطات للقضاء على الفوضى وضبط السوق.

ضاعفت زيادة أسعار الوقود معاناتنا اليومية، خاصة أننا نأتي إلى المدينة بنحو مُتكرر من أجل علاج والدي ما يزيد من حجم المصروفات علينا. وارتفعت تعرفة المواصلات من 15 ألف جنيه إلى 20 ألف جنيه خلال فترة قصيرة.

في السياق، أكد التاجر صلاح عبد الله يوسف، أن زيادة الوقود انعكست مباشرة على أسعار السلع، حيث ارتفع سعر جوال السكر 50 كيلو إلى 170 ألف جنيه بدلاً عن 155 ألف جنيه، وجوال الأرز 20 كيلو إلى 65 ألف جنيه بدلاً عن 48 ألف جنيه، وبلغ سعر لتر الزيت 10 آلاف جنيه بدلاً عن 8,500 جنيه، كما شملت الزيادة الفحم حيث بلغ سعر جواله 40 ألف جنيه وكان يباع بـ 34 ألف جنيه.

وفي قطاع النجارة أشار النجار موسى أبو كلام إلى ارتفاع الأسعار، إذ بلغ سعر الخشب 2 قدم 8 آلاف جنيه بدلاً عن 6 آلاف جنيه ولوح البوسنايد 40 ألف جنيه بدلاً عن 28 ألف جنيه، وكيلو المسامير 12 ألف جنيه بدلاً عن 8 آلاف جنيه.

وارتفع سعر تذكرة المركبات العامة داخل المدينة من 800 جنيه إلى ألف جنيه والركشات  الطرحة من ألف إلى 1.500 جنيه حتى وصلت إلى 3 آلاف جنيه.

وقالت آسيا محمد التي تقطن بلدة الصوفي شماليَّ الدويم، إن الزيادة في أسعار الوقود ضاعفت معاناتهم اليومية، خاصة أنهم يأتون إلى المدينة بنحو مُتكرر من أجل علاج والدها ما يزيد من حجم المصروفات عليهم، وأوضحت أن تعرفة المواصلات ارتفعت من 15 ألف جنيه إلى 20 ألف جنيه خلال فترة قصيرة، الأمر الذي شكَّلَ عبئاً إضافياً عليهم في ظل ظروف معيشية صعبة. وأشارت إلى أن سائقي الحافلات يبررون ذلك بارتفاع تكلفة الوقود. وأضافت أن هذه الزيادات لا تُراعي أوضاع المواطنين خاصة المرضى وذويهم الذين لا يملكون خياراً سوى التنقل لتلقي العلاج.

وقال المواطن علي دفع الله، الذي يأتي يومياً من المنصورة جنوب غربي الدويم للعمل في سوق الدويم، إن تعرفة المواصلات من منزله إلى سوق المدينة ارتفعت من ألف جنيه إلى ألفي جنيه في المواصلات العامة، الأمر الذي فاقم معاناتهم وزاد من الأعباء المالية على محدودي الدخل. وأشار إلى أن هذه الزيادات انعكست سلباً على مصروفاتهم اليومية، مؤكداً أنه في مرات كثيرة لا يتوفر له دخل ثابت مما يجعل القدرة على تغطية احتياجات المنزل الأساسية أمراً صعباً. وقال إن ارتفاع التعرفة أثر أيضاً على شراء المستلزمات الضرورية كالطعام والأدوية، مُشيراً إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى تقليل التنقُّل قدر المستطاع لمواجهة هذه الضغوط.

سائقو الركشات عليهم أيضاً مسؤوليات أسرية، كما أن الحصول على الوقود يَحتاج إلى الوقوف في صفوف وتمضية ساعات، وبهذه الحالة تقع علينا خسائر كبيرة لذلك نجبرها بالزيادة.

ودعا دفع الله الجهات المختصة إلى تكثيف رقابتها على مواقف المواصلات والأسعار والتأكد من التزام السائقين بالتعرفة الرسمية وحماية الفئات محدودة الدخل.

وقال معتصم محمد ثاني، سائق ركشة في الدويم، إن هناك صعوبة في الحصول على الوقود، ويمكن أن يمضي اليوم كله في الانتظار للحصول على جالون، وأضاف: «سائقو الركشات عليهم أيضاً مسؤوليات أسرية، كما أن الحصول على الوقود يَحتاج إلى الوقوف في صفوف وتمضية ساعات، وبهذه الحالة تقع علينا خسائر كبيرة لذلك نجبرها بالزيادة»، مُعتبراً أن هذه الزيادة من حقهم لتمكينهم من تغطية الفروقات في تكلفة التشغيل ومواجهة ارتفاع الأسعار. وأوضح ثاني أن كثيراً من المواطنين فضلوا استخدام المركبات العامة وتركوا الركشات؛ والحال كذلك فإن سائقي الركشات أصبحوا يضطرون للبحث عن الركاب، وأحياناً يتحرَّكون بزبون واحد فقط مع العلم أن الركشة تحمل أربعة أشخاص، ما يعني أنهم في كل الأحوال يُحقِّقون خسائر.

ويُشير خليل محمد إبراهيم، سائق ركشة آخر في الدويم، إلى أنهم يُواجهون زيادات مستمرَّة في أسعار الإسبيرات وزيوت المحركات، موضحاً أن تكلفة الصيانة وقطع الغيار قد ارتفعت بنحو ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي أثر على دخل السائقين، موضحاً أن الحصول على الوقود يمثل هاجساً كبيراً بالنسبة لهم؛ فقضاء ساعات طويلة في صفوف الوقود يؤدي إلى فقدان جزء كبير من اليوم دون عمل.

لا نرغب في زيادة معاناة المواطنين، لأننا جزءٌ لا يتجزَّأ منهم، لكننا في ذات الوقت نُواجه ضغوطاً كبيرة في العمل، فالأوضاع الاقتصادية انعكست على أسر السائقين التي تشتكي بدورها من الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة.

يقول خليل: «لا نرغب في زيادة معاناة المواطنين، لأننا جزءٌ لا يتجزَّأ منهم، لكننا في ذات الوقت نُواجه ضغوطاً كبيرة في العمل، فالأوضاع الاقتصادية انعكست على أسر السائقين التي تشتكي بدورها من الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة».

وقالت مزدلفة التجاني، وهي طالبة بجامعة بخت الرضا، إن الارتفاع المُفاجئ في تعرفة المواصلات بين ليلة وضحاها، أثَّر على المواطنين على نحوٍ عام، ولا سيما شريحة الطلاب، خاصة في ظل التزامات الدراسة والامتحانات. وأشارت إلى أن التباين في الأسعار أثر على حركة الطلاب، واضطر بعضهم إلى تقليل التنقل أو التغيّب عن المحاضرات بسبب ارتفاع التكلفة. ودعت إلى ضرورة فرض رقابة على مواقف المواصلات وتنظيم التعرفة أو توزيع منشورات تُوضّح السعر الرسمي وما يجب الالتزام به حتى لا يُترك الأمر لاجتهادات السائقين.

بينما تأسَّف الفاضل عمر، عامل بإحدى محطات الوقود على ما حدث خلال الأيام الماضية، وأرجع ذلك إلى ما وصفه بـ«سياسات تجارية تهدف إلى خلق أزمات وتحقيق مكاسب سريعة»، وقال إن ما حدث بالفعل هو أنه بعد يوم واحد من ارتفاع أسعار الوقود ارتفعت أسعار السكر والدقيق على نحو سريع، مُشيراً إلى أن هذه الزيادات تمثل عبئاً إضافياً يتحمّله المواطن المغلوب على أمره، وأضاف أن بعض المحطات تتوفر فيها كميات من الوقود لكنها تدعي عدم توفره وتتوقف عن العمل مما يفاقم الأزمة، وأكد أن ما تحتاج إليه المحلية هو تدخل حاسم وسريع مع فرض رقابة يومية صارمة للحدِّ من جشع بعض التجار، حتى لا تتَّسع دائرة الأزمة وتطال بقية السلع الأساسية، وقال إن هذه الفوضى التي حدَثَتْ سريعاً شكَّلَتْ مكسباً لبعض التجار من أصحاب المحطات وأصحاب المركبات العامة والسفرية.

ويرى دكتور أحمد الطيب، وهو أكاديمي وخبير اقتصادي، أن استمرار ارتفاع تعرفة المواصلات رغم تحديد سعر رسمي للوقود، يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة من بينها ما يُعرف بعدم التماثل في انتقال الأسعار، حيث ترتفع التعرفة بسرعة عند زيادة التكاليف لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تراجعها، وأوضح أن تقلبات أسعار النفط عالمياً وعدم استقرار سعر العملة المحلية، يُسهمان في زيادة تكاليف التشغيل خاصة في ما يتعلق بالوقود وقطع الغيار والزيوت، وهو ما يُعرَف بالتضخم المُستورَد، مُشيراً إلى أن ارتفاع التكاليف التشغيلية غير المرتبطة بالوقود مثل الصيانة والرسوم والجبايات يمثل عاملاً رئيساً في استمرار ارتفاع التعرفة حتى في حال انخفاض أسعار الوقود، كما أن ضعف الرقابة على قطاع النقل يؤدي إلى تسعير عشوائي وتفاوت في التعرفة بين الخطوط إلى جانب ظهور سلوكيات استغلالية.

وأكد ضرورة ربط تعرفة المواصلات بسعر الوقود مُباشرةً مع تحديثها دورياً إلى جانب تفعيل الرقابة الميدانية وتشديد العقوبات على المخالفين. ودعا الطيب إلى دعم النقل العام وتنظيم القطاع وتقليل الجبايات، إضافة إلى تعزيز الشفافية عبر نشر التسعيرة الرسمية للمواطنين وتوفير آليات فعالة لتلقي الشكاوى.

Scroll to Top