أتر

نوتة من علم الكونكا 36

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.

ما هي إذاً هذه «الوحشيّة»، في معمار الناس، التي وجد الدكتور مبيمبي في مجازها طابعَ العصر وتقنيات سلطانه؟ و«الوحشيةُ» تعريبٌ مستعجلٌ في واقع الأمر لمصطلح ملتبس بعض الشيء، الأقرب أنّ مصدرَه انتحالٌ من العبارة الفرنسية «beton brut» وتعني «الخرصانة الخشنة»، عبارةٌ تكرَّر استعمالُها لوصف خواص جنس من المباني في أوروبا خلال الفترة المباشرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وهي خواص فرَضَتها الضرورة في الحقيقة، إذ عزَّت خلال تلك الفترة الموادّ اللازمة، كما عزَّ الوقت اللازم، لإضفاء طابع اللِّين والسلاسة على المباني التي قامت على عجل لتحلّ محلّ ما انهدّ بالحرب، حتى صارت الضرورة مدرسةً في المعمار: «البروتاليزم». استقرّ نموذجُ البناء «الوحشي» بمبنيَيْن من شغل المعماري السويسري شارلز إدوارد جينيريه (1887-1965) وشُهرته لو كوربوزييه: «الوحدة السكنية» في مرسيليا الفرنسية و«ڤيلا جاؤول» في ضاحية باريس نويي-سور-سين. الأول مبنىً سكنيٌّ مكوَّن من 17 طابقاً يَحوي 337 شقة، تَصدُم فيه المشاهِدةَ المعاصرةَ مربعاتُ الخرصانة العارية بغير تحسين. والثاني مبنى من منزلين تَشْخَص فيه للنَّاظرة أسطحُ الطوب الخشنة وخرصانة الأسقف المكشوفة والألواح الخشبية العارية.

كان شاغل لو كوربوزييه أن يوفّر عبر معمار «متقشّف» حلاً لمعضلة السكن والخدمات العامة في المدينة الأوروبية ما بعد الحرب. وتصوَّر مثل «الوحدة السكنية» آلةً للسكن البشري في مدن غزيرة الصناعة وقوى العمل في بيئة دولة المسؤولية الاجتماعية؛ دولة وقع عليها فرض الإسكان والتعليم والعلاج، ومهمة إعادة إنتاج قوى العمل لدفع عجلة الاقتصاد ألا تتعطّل بنقص القوى العاملة الماهرة. و«البهيمية» في التصميم انعكاسٌ لهذه الضرورة، فالمبنى «الوحشيُّ» رخيصُ المواد، غليظُ المعمار، فظُّ الهيئة، يعزل الفردَ في كبسولته بغير سياق اجتماعيّ، ويُحطّم بهيكله الساحق ما يصل الفردَ بسواه، أو، بعبارة أخرى، يَمنع الوَصْلَ؛ لحمة الاجتماع وسداه، ويفرض العزلة. شاعَ مثل هذا النقد للنموذج الوحشي في عالم «الوفرة» التي تحقّقت في المدينة الأوروبية في أواخر عهد الستينيات والسبعينيات على أساسٍ من تضحيات الخمسينيات. لكنْ، لم يتيسَّر هذا النقد إلا كقراءةٍ بَعدية لِمَا كانَ في عهد «الصناعة» الأقصى معياراً لقدرة السلطان التكنولوجي على تطويع الطبيعة وفَرْض معماره على الناس.

فاز لو كوربوزييه بالإلهام اللازم لمعماره النموذجي من سياحةٍ مِهنيةٍ في الولايات المتحدة عام 1945 في عصر «الصفقة الجديدة»؛ السياسات الاقتصادية التي أطلقتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أثناء رئاسة فرانكلين روزفلت الذي امتد حكمه من 1933 حتى 1945 استجابة للكساد العظيم (1929-1941). اشتملت هذه السياسات على برامج إسعافية لإنقاذ جيوش العاطلين عن العمل بسبب الكساد من الفاقة عبر خلق ما يقارب التسعة ملايين وظيفة في إنشاءات البنية التحتية: الطرق السريعة والجسور والمباني الحكومية والخدمية وإصلاح الغابات والسدود. انبهر لو كوربوزييه وزملاؤه بإعمار وادي تينيسي وسلسلة السدود العظيمة التي أنشأتها السلطات على النهر؛ نهر تينيسي، فأقامت سلّماً من 29 سدّاً و13 حاجزاً متحرّكاً تحوَّل بها النهر من جسم مائيّ طليق إلى ممرّ ملاحيّ سريع ومصدر للطاقة الكهرومائية الدافقة. وكان أشدّ ما راعَ لو كوربوزييه، أول هذه الإنشاءات، سدُّ نوريس (1933) على نهر كلنش، من روافد نهر تينيسي، وهو صَبٌّ مستطيلٌ من الخرصانة، بطول 570 متراً وارتفاع 81 متراً، يقطع مجرى النهر كأنّه قوّة إلهية شقّت الماءَ شقاً، من تصميم المعماري المجَري الأمريكي اشتراكيّ المذهب، وكبير المعماريّين في «سُلطة وادي تينيسي»، رولاند وانك (1898-1970)، بل إنّ لو كوربوزييه استبطن جماليات هذا السدّ المهيب في معمار «الوحدة السكنية»، أُمّ المدرسة «الوحشية» إذا جاز التعبير (مايكل تروشيلو، «وحشية البنى التحتيّة: الفنّ وسياسة الهلاك في البنى التحتية»، دار نشر إم آي تي، لندن، 2020، ص 22).

جاء الدكتور تروشيلو بنظرة أخرى لحساب «البنى التحتية» التي احتلّت العالم فشَرَح:

«وحشية البنى التحتية نموذج جمالي، وبرنامج سياسي، وحالة نفسية ومادية، تَنَاقُضُها المركزيّ أنّ الرأسمالية الصناعية تسبّبت في واقعة الانقراض السادسة الكبرى في تاريخ الكوكب؛ أخْلَت المحيطات من الأسماك بالصيد الجائر، وخرّبت ماءَها بالحمض، كما سبق وفَنَت 90% من الأنواع الحية في المحيطات قبل 252 مليون عام؛ اعتدت على الشعب المرجانية حتى تدهورت 40% منها على مستوى العالم، أفنت ما يقارب نصف الأشجار (وتقطع 15 مليار شجرة في كلّ عام)؛ قتلت نصف الحيوانات البرية خلال الأربعين عاماً الماضية؛ زرَعت كلّ مساحةٍ على البسيطة حتى لم يبقَ خلاءٌ لم يَمْسَسْه البشر؛ وأشعلت الاحتباس الحراري الكارثي المتسارع الذي إنْ لم تتأتَّ السيطرة عليه فسوف يؤدّي إلى ارتفاع حرارة الكوكب بمقدار 6 درجات مئوية فوق المقياس القاعدي بنهاية هذا القرن؛ أنتجت 250 مليار طن من المواد الكيميائية في كلّ عام، بحيث أعلن العلماء الأرض كوكباً «سامّاً» ينزُّ بـ 144 ألف مركب كيميائي من صنع البشر؛ أنتجت 8.3 مليار طن من البلاستيك منذ الخمسينيات وستنتج ما يربو على 34 مليار طن منه بحلول العام 2050؛ ودفعت بالكوكب إلى عصر جيولوجيّ جديد «عصر البشر»؛ صيغة التعبير عن هول العبء البشري على الكوكب حتى ماثلوا القوة الجيولوجية». (المصدر السابق، ص 23).

أفرد الدكتور تروشيلو، ضمن نقده لهذا التوحّش بالحضارة الصناعية، فصلاً للسدود تضَمَّن عرضاً تفصيلياً لمهمّة تطويع نهر تينيسي بالخرصانة (ص 56-61). وهي المهمّة التي صارت نموذجاً عالمياً لإخضاع الأنهار للإرادة البشرية تحت عنوان «إدارة الأنهر» و«التنمية الإقليمية»، فاتّبَعت حكومة البرازيل، ضمن أخريات، السُّنّة الأمريكية، في إدارة نهر ساو فرانسيسكو، وكذلك فعلت الحكومة الصينية في إدارة نهر يانغتسي، والهندية في مشروع وادي دامودار، والأسترالية في مشروع الجبل الثلجي. أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية بين 1933 و1960 حوالي 20 مليار دولار على بناء السدود وإنتاج الكهرباء في حوض نهر تينيسي، وجاء تروشيلو بشهادة من مؤرِّخ لشعب «سُو» أنّ أشدّ الضرر من هذا الكبح البشري للطبيعة وَقَع على ما تبقّى من أهله، سكان أمريكا الأوَائل بالنزوح وتخريب مصادر المعيشة الأوّلية. انتبه الدكتور تروشيلو إلى مفارقة أنّ مصمِّم سدّ نوريس وكبير مهندسي سُلطة نهر تينيسي رولاند وانك كان اشتراكياً تَصَوَّر أنّ مجهودات سُلطة النهر في الإعمار ستُوقِع من عَلٍ «ثورةً اجتماعيةً» تُجنِّد جيشاً من العاملين، تتحقَّق بشُغلِهم وفرةٌ في السلع، تُغْدِق عليهم أجوراً مُجزية وتُطيح بطفيلية الأرباح مرَّة واحدة. كان مطلب وانك أن تتولَّى الحكومة تشييد وحدات سكنية جاهزة لجمهور العمّال، وتَصوَّر في خياله للاشتراكية، التي تأتي ولا تأتي، أنْ تعمد الحكومة أيضاً إلى تمويل شركات تعاونية، «بناء قاعدي»، أو هكذا تَصوَّر.

لكنْ، لم تفتح «سلطة نهر تينيسي» آفاقَ الاشتراكية الوضَّاءة كما أحَبَّ الباشمهندس رولاند وانك أن يحلم. وكانت في واقع الحال موتوراً جبّاراً، كجبروت سدّ نوريس، للتراكم البدائي في أقاليم بكر، فكانت سدودُها مصدراً رخيصاً للطاقة اللازمة لتطوير الأسلحة النووية ضمن مشروع مانهاتن. واستعانت الولايات المتحدة الأمريكية بمثالها في فرض نموذجٍ من «التنمية» عبر العالم. بذلك شخّص الدكتور تروشيلو «سلطة نهر تينيسي» سُنّةً في فرض نمط من «الحضريّة» عبر العالم، والسَّلب الرأسمالي، والهيمنة الدولية وانتشار الأسلحة النووية، كلّ ذلك على هُدىً من تصوُّرٍ دِينيٍّ للعلوم الحديثة، دِين كلوتيلده، وتسفيه كلّ مصدرٍ غيرها للحكمة.

شعَّت سدود نهر تينيسي الجبّارة بهيبةٍ صَنميّة جذبت بها مثقّفي العصر. زار جان بول سارتر مقرّ «سُلطة نهر تينيسي» وسدّ نوريس العظيم، لكنه اختار أن يكتب عن السكن المؤقّت للعاملين في تشييدها، أما غيرُه فقد ترجَم «إرادة القوة» التي تجسَّدَت في مثل سدّ نوريس إلى مزاج ثقافي وجماليّ وسيلته الأولى السينما. اشتُهِر على سبيل المثال الفيلم التسجيلي القصير «النهر» (1937) كتعبير فنيّ عن معمار البنية التحتية «الوحشي»، أجادَ فيه صانعوه من الهيئة الحكومية الأمريكية «هيئة أمان المزارع»، وهي هيئة من هيئات «الصفقة الجديدة» مهمّتها محاربة الفقر الريفي، أجادوا التقوى السياسية لبروباغاندا الدولة إجادةً بلغت به مرقى «الشِّعر»؛ شِعر البلاط. وفاز لهذه الشاعرية بجائرة أفضل فيلم تسجيليّ في مهرجان ڤيينا الدولي للسينما عام 1938، ورُشِّح الكتاب المُصاحب للفيلم لجائرة بوليتزر للشِّعر. استقرّ ذكر صانع الفيلم وكاتبه بار لورينتز (1905-1995) بقلب «مخرج إف دي آر»، والمقصود الرئيس فرانكلين دي روزفلت، والمغزى وظيفة لورينتز كمطبّلاتي الريس.

لكنْ للفيلم شاعرية لا يمكن إنكارها؛ شاعريّة تزيحُ، بواقعية المشهد المصوَّر، تناقضات التاريخ وصراعات الاجتماع. وقد اعتمَد لورينتز على صورٍ حقّة للعمّال الصناعيّين والزراعيّين في إقليم تينيسي وهم يؤدّون أعمالهم اليومية: العَتَّالي يحمل بالة قطن هائلة، والعمّال الزراعيون يتصبَّب عَرَقُهم في حراثة الأرض، والعامل الصناعيّ عظيم العضلات، محجوب الوجه، في مواجهة فرن الحديد، الإنسان في مقابل العناصر. تتسلسل مَشاهد القوى العاملة في فيلم «النهر» وتتخلّلها مَشاهد سيل المياه العارم وصوتها الدفّاق في زمانٍ ومكانٍ من صناعة الفيلم، بينما يقبض صوت عميق بِيَد المستمع، أو يلفّ ساعداً أخوياً على كتفه، وهو يُلقِي شعراً حقاً، فلا عبوديّة ولا زراعة بعمل الرقيق، ولا فصل عنصري، ولا غلبة طبقية، ولكن يغوث ويعوق ونسرا:

من أقصى الغرب، من أيداهو القصّية،

ومن أعلى قمم جبال الروكي المتجمّدة،

من أقصى الشرق، من نيويورك،

من أخاديد جبال الليجني،

يجري من منيسوتا، بطول 2500 ميل

يجري بكلّ قطرة ماء في ثلثي القارة

يجري بماء كل جدول وغدير، كلّ فلج، كلّ جون وكلّ ينبوع

يجري بماء جميع الأنهار التي تعبر ثلثي القارة،

يجري نهر المسيسيبي إلى خليج المكسيك.

بلادي حقول، بلادي سهول.

يتبع…

Scroll to Top