تَشْهَدُ مُدُنُ السودان أزمةً حادَّة في الوقود، تحوَّلت على إثرها شوارع المدن إلى طوابير مُمتدَّة من المركبات المُتكدِّسة أمام محطات الوقود، بينما يقضي السكان سحابةَ يومهم في رحلة بحث شاقَّة عن حصص البنزين أو الجازولين، دون ضمان الحصول عليها رغم طول الانتظار. وأعلنت وزارة الطاقة والنفط السودانية في 31 مارس الماضي، عن رسوِّ أكثر من عشر بواخر بميناء بورتسودان لتفريغ شُحناتٍ مُتنوِّعة من المواد البترولية، في انتظار اكتمال تفريغ الباخرة الأولى، إلى جانب ما يزيد عن عشرين باخرة أخرى في مُحيط البحر الأحمر بانتظار دورها. وأوضحت الوزارة أنّ سعر برميل الجازولين ارتفع ثلاثة أضعاف، من نحو 78 دولاراً إلى 245 دولاراً، في ظل ما وصفته بـ«تداعيات الأوضاع الجيوسياسية».
وشهدت أسعار خام برنت تقلُّبات حادَّة بين 5 مارس و17 أبريل، حيث ارتفعت من قرابة 85 دولاراً لتتراوح بين 100 و110 دولارات، مدفوعةً بمخاوف نقص الإمدادات والتوترات السياسية. غير أن هذا الارتفاع كان مؤقتاً، إذ تراجعت الأسعار سريعاً في منتصف أبريل بنحو 15 دولاراً لتستقر عند مستوى 90 دولاراً تقريباً.
وبلغ متوسط سعر البنزين عالمياً يوم 13 أبريل الجاري حوالي 1.50 دولار للتر. بينما في السودان، وبافتراض أن متوسط سعر اللتر 6,250 ألف جنيه، فهذا يعني أن سعر اللتر في السودان يُعادل 1.86 دولار وفق السعر الرسمي (3,350 جنيه)، ما يُشير إلى أنّ ارتفاع الأسعار عالمياً يبيّن جزءاً صغيراً فقط من الأزمة. لكنْ إذا حُسبت قيمة الدولار وفق السعر الموازي (4,134 جنيه)، فإن سعر اللتر في السودان يعادل 1.51 دولار، ما يعكس خللاً داخلياً في التوزيع والإدارة، وحساسية السودان لتقلبات السوق العالمية.
نظام هَش
جملة أسباب قادت إلى أزمة الوقود الحالية، وفي غالبها أسباب داخلية عزَّزتها الحرب في الشرق الأوسط. مُتحدِّثاً لـ«أتَر»، يعزو مهندس البترول أحمد الطيب، وهو مُتخصِّصٌ في الاقتصاد الكُلِّي والأسواق، أزمة الوقود الراهنة، إلى تداخل مجموعة من الصدمات الداخلية والخارجية التي فاقمت الوضع. فعلى الصعيد الداخلي، ألحقت حرب أبريل 2023 أضراراً جسيمة بمفاصل الاقتصاد السوداني، ما أدَّى إلى تدهور سعر الصرف، وانخفاض القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف التشغيل في قطاعات النقل والبنية التحتية. كما تعطلت أجزاء واسعة من مرافق إنتاج وتوزيع الوقود، وعلى رأسها مصفاة الجيلي، إلى جانب مُنشآت التخزين الاستراتيجية في الشجرة وقرّي وبورتسودان، والأخيرة تعرَّضت للاستهداف في مايو الماضي. وقد ترافَقَ ذلك مع تغيُّرات في تنظيم عمليات الاستيراد ما أثَّر سلباً على مُرونة السياسات العامة في مُواجهة نقص الإمدادات.
وكان السودان يعتمد بنحوٍ أساسي على منشآت النفط في إدارة تدفُّق الإمدادات، ومنها المستودعات التي تحتوي على المخزون الاستراتيجي للطاقة. وبحسب متابعات «أتر»، كانت تلك المستودعات تعمل بطاقتها الاستيعابية الكاملة، لكن بعد حرب 15 أبريل صارت السلطات تعتمد على انسياب الواردات واستقرار السوق العالمي.
وحسب منشور بنك السودان المركزي للعام 2025، فإنه في العام 2020 جرى تصدير بترول خام وبنزين وكيروسين بقيمة 44.9 و9.8 و10.1 مليون دولار على التوالي. وفي ما تلى العام 2020 من أعوام، حتى 2025 لم تُصدِّر البلاد أيُّ منتجات بترولية، بينما استَوْرَدَتْ في العام 2025 منتجات بترولية بقيمة تبلغ نحو 808 ملايين دولار، من جملة واردات السودان المُقدَّرة بـ 6.5 مليار دولار، أي أنها تُمثِّل نسبة 12.4% من مجمل الواردات.
لكن تغيّر كلُّ ذلك بعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أواخر فبراير الماضي.
| الدولة | التاريخ | السعر بالعملة المحلية | السعر بالدولار |
|---|---|---|---|
| مصر | 20 أبريل | 24 EGP | 0.464 |
| أثيوبيا | 20 أبريل | ETB 142.41 | 0.907 |
| كينيا | 20 أبريل | KES 196.52 | 1.522 |
| ليبيا | 20 أبريل | LYD 0.15 | 0.024 |
أسعار البنزين في عدة دول بعد الحرب ضد إيران
| المستودع | الموقع | احتياطي الديزل (بالطن المتري) | احتياطي وقود السيارات (بالطن المتري) | احتياطي غاز الطبخ (بالطن المتري) | احتياطي وقود الطائرات (بالطن المتري) | المجموع |
|---|---|---|---|---|---|---|
| المستودع الاستراتيجي القديم | بورتسودان | 33,200 | 58,400 | 1,200 | 0 | 92,800 |
| المستودع الاستراتيجي الجديد | بورتسودان | 66,400 | 36,500 | 10,000 | 15,600 | 128,500 |
| مستودع الجيلي الاستراتيجي | الخرطوم | 166,000 | 36,500 | 21,000 | 15,600 | 239,100 |
| مستودع الشجرة | الخرطوم | 61,380 | 38,870 | 0 | 0 | 100,250 |
| مستودع ربَك القديم | ربك | 5,800 | 0 | 0 | 0 | 5,800 |
| مستودع ربَك الجديد | ربك | 41,500 | 7,300 | 1,500 | 0 | 50,300 |
| مستودع الهودي | عطبرة | 16,600 | 7,300 | 100 | 0 | 24,000 |
| مستودع القضارف | القضارف | 8,300 | 2,920 | 100 | 0 | 11,320 |
| مستودع نيالا | نيالا | 8,300 | 2,920 | 100 | 0 | 11,320 |
| مستودع مدني | مدني | 32,500 | 7,500 | 0 | 0 | 40,000 |
| المجموع | 439,980 | 198,210 | 34,000 | 31,200 | 703,390 | |
السعة الاستيعابية لمستودعات الوقود الاستراتيجية في السودان
ساهمت التوترات في الشرق الأوسط في رفع أسعار الوقود عالمياً، إلى جانب زيادة تكاليف الشحن والتأمين، خاصة بالنسبة للسودان الذي يَعتمد في معظم إمداداته على شركائه في السعودية والإمارات. ويرى الطيب أنه رغم أن ارتفاع أسعار الوقود يُمثّل أزمةً عالمية، بيدَ أنّ الهشاشة الاقتصادية التي يُعاني منها السودان تُضاعف من حدَّة تأثير هذه الصدمات، ما يجعل الحرب عاملاً محورياً، إذ أدَّت الظروف الداخلية غير المُواتية إلى تضخيم أثرِ أيِّ مُتغيِّرات إقليمية أو دولية.
الشكل (1)
واردات السودان البترولية 2012-2025
المصدر: بنك السودان المركزي
ملاحظة: لا يُظهر الشّكل بيانات لعام 2023 لأنّ بنك السودان لم يُصدر تقريراً
بنية تحتية مُدمَّرة
سابقاً ساعدت المصفاة على مواجهة تقلُّبات الأسعار العالمية، وضبط السوق المحلي، والحدِّ من هيمنة المُستوردين، وتقليل الطلب على النقد الأجنبي، وهو التوازن الذي فُقد تماماً بعد توقف المصفاة.
وتُعدُّ مصفاة الجيلي ركيزةً أساسيةً في قطاع الطاقة بالسودان، إذ كانت توفر نحو 60% من احتياجات البلاد من الوقود، بحسب الطيب. وكانت المصفاة تُكرِّرُ النفط المحلي وجزءاً من نفط جنوب السودان، ما أسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الصعبة. ومع خروجها من الخدمة، أصبح السودان يَعتمد كلياً على استيراد الوقود، وفقَدَ السيطرة على جزء كبير من مخزونه الاستراتيجي من المواد البترولية. يقول الطيب: «سابقاً ساعدت المصفاة على مواجهة تقلُّبات الأسعار العالمية، وضبط السوق المحلي، والحدِّ من هيمنة المُستوردين، وتقليل الطلب على النقد الأجنبي، وهو التوازن الذي فُقد تماماً بعد توقف المصفاة».
متحدثاً لـ«أتَر»، يقول مالك محطة وقود بولاية نهر النيل، ويعمل في مجال نقل وتوزيع المواد النفطية منذ عام 1998، «إنّ المصدر الرئيس لتوفير البنزين والجازولين، هو الاستيراد الخاص عبر مستثمرين، والشركات الحكومية، وإن ارتفاع الأسعار أثر على المبيعات سلباً، إذ تراجعت المبيعات اليومية إلى نحو 50%، أي أنّها انخفضت إلى النصف، الأمر الذي ضاعف من مُعاناة السكان؛ ومع تضاعف التزاماتهم تجاه أسرهم الصغيرة والكبيرة، أصبح لزاماً عليه مُواصلة العمل دون توقُّف».
ويُضيف مالك محطّة الوقود أنّ العديد من الشركات الرائدة في توزيع الوقود، والتي كانت تمتلك مستودعاتٍ ضخمةً داخل المصفاة، اضطُرَّت إلى التوقف عن العمل. وتسبَّبَ هذا الوضعُ في حصر العمل على عددٍ محدودٍ جداً من الشركات، ما وضعَ القطاعَ الخاصَّ أمام تحدِّيات جسيمة. ويقول: «واجهت عمليات تخزين الوقود صعوباتٍ بالغة عقب سلسلة الهجمات التي استهدفت المستودعات في بورتسودان ومختلف الولايات، ما رفع نسبة المخاطر على ناقلات الوقود بنحوٍ بالغ. ونتيجة لذلك، انخفض حجم التخزين في البلاد عما كان عليه قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل، وبات المستوردون أكثر حذراً من استيراد كميات ضخمة». أما بالنسبة للتوزيع – يقول مالك المحطة – فتتولَّاه شركات التوزيع التي تتسلَّم الوقود من المستودعات وتنقله إلى المحطات، وهي عملية تُواجه تحديات تتعلَّق بترحيل الوقود وتوفُّره في المستودعات أحياناً، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى شُحِّ الإمداد.
سياسات مُتخبِّطة
يقول المهندس أحمد الطيب، إنّ تسارع ارتفاع أسعار الوقود، يَعود إلى التحوُّل من نظام الدعم إلى تحرير الأسعار خلال الفترة الانتقالية في العام 2021، حيث جرى اعتماد آلية تسعير جديدة تقوم على أسعار النفط العالمية، وتكاليف الشحن والتأمين، وتقلُّبات سعر الصرف، إضافةً إلى الضرائب والرسوم الاتحادية والولائية، وتكاليف التشغيل والنقل داخل البلاد. وبحسب الطيب، كان الوقود سابقاً يصل إلى ميناء الخير في بورتسودان، ثم يُخزَّن في المستودعات المُختلفة قبل توزيعه إلى الولايات، وهو ما يُفسِّر التفاوت السعري بحسب تكلفة النقل والتشغيل، «وأي خلل في هذه العوامل، خاصة سعر الصرف، ينعكس مباشرة على السعر النهائي للمستهلك». وبرأي الطيب، فإن الدولة تفتقر في الظروف الحالية إلى الأدوات اللازمة لامتصاص هذه الصَّدمات، ما يجعل أيَّ تعديلات في الأسعار تظهر على نحوٍ حادٍّ ومُفاجئ بدلاً من أن تكون تدريجية. كما تسبَّبت التوترات في الشرق الأوسط في صدمة إضافية يصعب على الاقتصاد السوداني تحمُّلها.
«شهدنا مؤخراً تصاعداً لافتاً في أسعار الوقود، وبات يرتفع مرتين شهرياً»؛ يقول مالك محطة الوقود ويعزو ذلك، إلى تقلبات سعر الصرف في السوق الموازية وتوفر النقد الأجنبي للشركات الخاصة المُستورِدة، ومن ثم يُضيف: «أدَّت هذه الزيادات إلى حصر عملية الاستيراد في عددٍ محدودٍ جداً من الشركات، مُقارنةً بما كان عليه الوضع قبل الحرب، حين كان الاستيراد مُتاحاً للأفراد عبر الحصول على الاعتمادات والتصاريح اللازمة من وزارة الطاقة. أما اليوم، فقد أصبح الاستيراد مُقتصراً على بضع شركات، معظمها حكومية تابعة لوزارة الطاقة أو مؤسسات أخرى، وهي الجهات التي لا تزال تتولى تزويدنا بالوقود حالياً».
وكانت وزارة الطاقة السودانية، قد أعلنت في 7 مارس الماضي، عن دمج 30 شركةً خاصةً في خمس مجموعات مُتضامنة ضمن برنامج استيراد الوقود، مع استمرار شركات القطاع العام في سدِّ أيِّ فجوات مُحتمَلة، مُؤكِّدةً تأمين الإمدادات البترولية وضمان استقرار وتوفر الوقود في الأسواق بنحوٍ مُنتظم.
بين السعر الرسمي والسوق الموازي
يُفسِّر أحمد الطيب الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق الموازي اقتصادياً بوجود نقص في العرض، إذ تؤدي محدودية الإمدادات، سواء على المستوى القومي أم الجغرافي أم نتيجة قيود تنظيمية تعوق حركة السلع؛ إلى ظهور أسواق موازية تستهدف سدَّ هذا النقص وتُحقِّقُ أرباحاً، ما يُفضي بالتالي إلى ارتفاع الأسعار فيها مُقارنة بالسعر الرسمي. وفي الحالة السودانية، يرتبط هذا النقص بعدم انتظام الإمدادات، وضعف التوزيع، وعدم انعكاس الأسعار الرسمية للتكلفة الحقيقية أو للمخاطر المُرتبطة بعمليات الاستيراد والنقل، وهذا ما يضمن استمرار نشاط السوق الموازي. وعن ما إذا كانت الأسعار الحالية تعكس التكلفة الحقيقية، يقول الطيب إنها تعكس جزءاً كبيراً من التكاليف الفعلية، مثل تكلفة الاستيراد المرتبطة بالنقد الأجنبي، والشحن، والتأمين، والترحيل الداخلي، إضافةً إلى الضرائب والجبايات. ومع ذلك، توجد تشوهات ناتجة عن تركّز السوق في أيدي شركات مُحدَّدة، وقد رفعت تداعياتُ الحرب في السودان من مستوى المخاطر، إلى جانب الجبايات غير القانونية، وهو ما يمكن وصفه بـ«علاوة مخاطر» إلى السعر النهائي.
ويُضيف الطيب: «ترتبط أسعار الوقود في السودان بنحو وثيق بسعر الصرف عبر ما يُعرف بحلقة ردود الفعل (Feedback Loop)، وهي آليات جوهرية لتنظيم الأسواق للحفاظ على التوازن؛ وهي بمثابة الخيوط الخفية التي تَنسج الأنظمة الاقتصادية، وتربط الأفعال بردود الفعل في دورة مستمرة من الأسباب والنتائج؛ إذ يؤدي تدهور الجنيه السوداني إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد، ما يَزيد الطلبَ على العملات الأجنبية، وبالتالي يُفاقم تراجع قيمة العملة المحلية». ورغم أهمية أسعار النفط العالمية، بيد أن الطيب يرى أن أثر سعر الصرف غالباً ما يكون أسرع وأكثر مُباشرةً، إذ يُمرِّرُ المستوردون أيَّ تغيُّر في سعر الدولار فوراً إلى تكلفة الوقود، والضغط باتجاه تعديل الأسعار.
يقول مالك محطة الوقود إنّ العاملين في قطاع توزيع المُشتقَّات النفطية يُواجهون تحديات جوهرية، منها تآكل رأس المال الذي يؤثّر سلباً على استمرارية العمل؛ إذ تضاعفت تكاليف شراء الوقود ونقله وترحيله، في حين ظلّت هوامش الربح ثابتة دون مواكبة لهذا الارتفاع، لا سيما في ظلّ الرقابة الحكومية على الأسعار، التي تحرم أصحاب المحطات من عوائد مجزية تغطي نفقاتهم المُتزايدة.
على الرغم من تحديد الحكومة قيمة للدولار الجمركي، يظلُّ السوق الموازي هو المُحرِّك الأساسي للأسعار؛ فاستيراد الوقود بكميات ضخمة يؤدي إلى صعود سعر الدولار في السوق الموازي، ما يفاقم تقلبات الأسعار.
ويشرح موضحاً أن الأسعار ظلّت مُستقرَّة إلى حدٍّ كبيرٍ لفترة طويلة قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث كانت السلع متوفرة وأسعارها ثابتة، كما حافظ سعر الصرف والدولار الجمركي على استقرارهما دون زيادة. لكنْ بعدها، ارتفعت التكاليف ارتفاعاً حاداً؛ إذ قفزت تكلفة استجلاب تانكر حمولة 45 ألف لتر من الجازولين من 153 مليون جنيه إلى 293 مليون جنيه (حتى منتصف أبريل). وقد أفضى هذا الوضع إلى خروج العديد من المحطَّات عن الخدمة، أو تراجع طاقتها التشغيلية إلى النصف نتيجة نقص السيولة اللازمة للتوريد من المستودعات. ومع الارتفاع المُفاجئ والمُتكرِّر في أسعار الوقود، يَجد أصحاب المحطات أنفسهم بحاجة إلى سيولة إضافية لتأمين الكميات ذاتها، ما يُؤدِّي بمرور الوقت إلى استنزاف رؤوس أموالهم وعجزهم عن مجاراة تلك الزيادات المستمرة. وعلى الرغم من تحديد الحكومة قيمة للدولار الجمركي، يظلُّ السوق الموازي هو المُحرِّك الأساسي للأسعار؛ فاستيراد الوقود بكميات ضخمة يؤدي إلى صعود سعر الدولار في السوق الموازي، ما يفاقم تقلبات الأسعار. وبما أن الحكومة تُشارك الشركات الخاصة في عملية استيراد المُشتقَّات النفطية، باتت الشركات الخاصة تعتمد على السوق الموازي لتوفير العملة الصعبة للاستيراد، الأمر الذي يجعل من أيِّ ارتفاع في سعر الصرف انعكاساً مباشراً وفورياً على أسعار الوقود.
يقول مهندس البترول أحمد الطيب، إنه «عند النظر إلى سلسلة إمداد الوقود، نجد أنها لا تعاني من حلقة ضعف واحدة، إنما جميع مراحلها تواجه اختلالات هيكلية؛ فعمليات الاستيراد تصطدم بتحديات توفر النقد الأجنبي والتمويل، والنقل والتوزيع يتأثران بتهالك البنية التحتية والمخاطر الأمنية وارتفاع التكاليف، بينما تحول الفوارق الجغرافية دون توزيعٍ مُتوازن». ويضيف: «بما أنّ الوقود سلعة استراتيجية، فإن أي اضطراب في إمداداته أو أسعاره يُؤثّر بنحوٍ مباشر على الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، ويرفع تكاليف نقل الغذاء وتوزيعه، مما يزيد معدلات التضخم، ويُنهك دخل المواطن، ويضع الاستقرار الاقتصادي والسياسي في مهبِّ الريح».
سياسات التحرير وغياب الشفافية
ويرى الطيب أنّ سياسات تحرير أسعار الوقود أحدثت تحوُّلاً هيكلياً بربط الأسعار بآليات السوق. ومع ذلك، لا تزال الدولة تؤدي دوراً محورياً من خلال تحديد مواصفات الاستيراد ومنح التراخيص، إلى جانب إشراك وزارة الطاقة ووزارة المالية وبنك السودان والمستوردين في آلية التسعير. كما تُهيمن الشركات الحكومية على جزء كبير من البنية التحتية، حيث تُوزَّع حصص الاستيراد بالتساوي بنسبة 50% لكُلٍّ من القطاعين الحكومي والخاص. ورغم سلامة هذه السياسات من الناحية النظرية، بحسب ما يرى، إلا أن فاعليتها مرهونةٌ بوجود سوق مستقرة وتنافسية، وهو ما يَفتقده السودان حالياً نتيجة للنزاع والتشوهات الهيكلية.
تُواصل الحكومة دعم استيراد السلع الاستراتيجية، حيث خصّصت نسبة من صادرات الذهب لتوفير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد الوقود والقمح والأدوية. وعلى الرغم من تحرير الأسعار، تتدخَّل الدولة في عمليات الاستيراد، لضمان توافر السلع الأساسية.
يقول مالك محطة الوقود، إن السوق على العموم يتميَّزُ بالانفتاح وغياب القيود الصارمة على أسعار السلع، باستثناء الوقود الذي تُحدِّد الدولة أسعارَه؛ مما يَفرض نوعاً من الرقابة، التي تشتدُّ الحاجة إليها خلال الأزمات ونقص الإمدادات، بينما تستقر الأمور وتغيب الرقابة المُكثَّفة عند انتظام الاستيراد وتوفر السلع. وتضطلع وزارة الطاقة والتعدين بمهمة مراقبة محطات الوقود عبر فرق تفتيش دورية، تتولى تدقيق العدادات وحركة المبيعات ومطابقتها بالكميات المسحوبة لضمان الالتزام بالسعر الرسمي. وبذا فإنّ الحكومة، عبر وزارة الطاقة، هي المسؤولة عن تحديد أسعار الوقود للمستهلك بناءً على تكاليف الاستيراد والنقل وعمولات المحطات، بينما تتولى وزارة المالية مراجعة تكلفة البرميل اليومية وفقاً للأسعار العالمية. ومع ذلك، يؤكد المصدر غياب الشفافية في إيصال هذه المعلومات للمُوزِّعين وأصحاب المحطات والمواطنين، مما يَحولُ دون تقييم مدى دِقَّة انعكاس التقلبات العالمية على الأسعار المحلية.
ويرى الطيب أنّه من الصعب رسم مسار واضح في ظل استمرار الحرب؛ إذ من المُرجَّح أن تشهد الأسعار تقلُّبات وزيادات مُتتالية طالما استمرَّت الضغوط على الجنيه السوداني وتفاقمت تداعيات الحرب. ويرى أن الحل النهائي للأزمة لا يزال مرهوناً بإيقاف الحرب، واستعادة الاستقرار الاقتصادي، وضبط سعر الصرف؛ فجميع المعالجات الأخرى لن تتعدى كونها حلولاً مؤقتة ما لم تُعالج الأسباب الجوهرية. ويقول إنّ قطاع الوقود في السودان يعكس واقع الاقتصاد الكلي، فالتحديات التي يواجهها هي امتداد لمعاناة المواطنين مع التضخم، وتدهور قيمة العملة، وضعف البنية التحتية، كما أن التعامل السابق مع الوقود بوصفه سلعة سياسية أسهم في الوصول إلى هذه المرحلة من الهشاشة، بينما يتطلب الانتقال إلى اقتصاد سوق حقيقي وجود مؤسسات قوية ورقابة فعالة، وهو ما يفتقر إليه الواقع الراهن.
وبحسب صاحب محطة الوقود، فقد تأثر عمال المحطات بنحوٍ مُباشرٍ بزيادة أسعار الوقود، مع ارتفاع تكاليف المعيشة في ظل عجز الرواتب عن مواكبة وتيرة التضخُّم، وهو ما ضاعف معاناة العاملين والموظفين في هذا القطاع. ويكمن الحل من وجهة نظره، في تدخُّل الدولة لتوفير العملة الصعبة اللازمة للاستيراد وإحكام الرقابة عليه، بدلاً عن ترك الأمر للشركات الخاصة التي تلجأ إلى السوق الموازية وتتسبَّبُ في رفع الأسعار. ويتوقَّع أن يُؤدِّي استمرار الأوضاع الراهنة إلى إغلاق العديد من المحطَّات وانهيار القطاع بنحو وشيك؛ «فالتكاليف التشغيلية باتت باهظة مقابل ضعف العائد، يضاف إلى ذلك تراجع القدرة الشرائية للمواطنين».



