أتر

انقطاع الإنترنت أثناء جلسات الامتحان: كيف يؤثر على حياة الناس؟

في يوم الاثنين 13 أبريل، الساعة 1:45 ظهراً بتوقيت الخرطوم، في الذروة التي يشتدُّ فيها إيقاع الحياة اليومية في السودان، انطفأ فجأة ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط السودانيين ببعضهم البعض والعالم من حولهم، ليشع مرةً أخرى في الساعة 5:15 عصراً. وتستمر هذه الدورة حتى انتهاء أيام امتحانات الشهادة السودانية.  

قطع الإنترنت إجراء مُتكرِّر يتزامن مع امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام 2026، وقد بدأ هذا الإجراء منذ امتحانات الشهادة السودانية 2020. وجلس هذا العام 564 ألف طالب وطالبة لامتحاناتهم داخل البلاد وخارجها. وبينما يَظهر الغرض الرئيس من هذا القطع، والذي يتمثَّل في حماية نزاهة الامتحانات وعدم تسرُّبها والتقليل من حالات الغش، فإن آثاره تمتدُّ لتصل إلى تفاصيل حياة أشخاص آخرين وينتج عنها ارتباك واسع في قطاعات مُتعدِّدة. 

«في السودان ليس لدينا إحصائيات واضحة نقيس بها حجم تأثير انقطاع الإنترنت، لكن من الواضح أن رواد الأعمال وأصحاب المشاريع يتأثرون بانقطاع الإنترنت خلال هذه الفترة»؛ يقول المهندس محمد التاج، رائد الأعمال وصانع المحتوى الرقمي في حديثه لـ«أتر». 

ويرى التاج أن انقطاع الإنترنت له تأثيرات عدَّة على رواد الأعمال في السودان، سواء كانت الخدمات المُقدَّمة مُنتجات أم خدمات كالبرمجة والاستشارات، أم غيرهما من الخدمات مثل التصميم والتدريب وكتابة المُحتوى، إضافة إلى درجة الاعتماد على الإنترنت في التسويق والبيع والتوصيل. ويُضيف أن المشاريع التي تعتمد على الإنترنت، سواء في التسويق أم البيع أم تقديم الخدمات، تخرج عن الخدمة. ويشير إلى أن التأثير الأكبر يقع على أصحاب المشاريع الناشئة بنسبة أكبر مقارنة بالشركات الكبيرة، لأن الأخيرة تمتلك مصادر تُمكِّنها من إيجاد بدائل وحلول للتعامل مع المرحلة على عكس الشركات الناشئة. 

ومن خلال ملاحظته في مواقع التواصل الاجتماعي، يجد التاج أن عدداً كبيراً من الناس يُعبِّرون عن عدم مقدرتهم على التأقلم مع فترة انقطاع الإنترنت، ولاحظ أن مُعدَّلات الوصول قد تدنَّتْ كثيراً خلال الأيام الأولى من الانقطاع، ويَرجع ذلك – بحسب قوله – إلى نظام عمل خوارزميات فيسبوك، لأنها تعرض المنشور لنسبة تتراوح ما بين 3 و5% من المتابعين فقط، وبناءً على التفاعل تتَّخذ الخوارزميات قرار ما إذا كان المحتوى سيصل إلى جمهور أوسع أم لا، وبما أن الجمهور نفسه غائب تنخفض معدلات الوصول كثيراً. وأوضح التاج أن نسبة التفاعل قبل الزمن المُحدَّد لقطع الإنترنت عالية جداً. والجدير بالذكر أن المستخدمين لا يعاودون استخدام الإنترنت مباشرة بعد رجوعه؛ ويُرجع التاج ذلك إلى عدَّة أسباب، منها انشغال البعض بأعمال أخرى مثل مشاهدة التلفاز أو القراءة أو أي زيارات اجتماعية أخرى. 

على الصعيد ذاته، يرى التاج أن انقطاع الإنترنت يُؤثّر على رواد الأعمال الذين يعتمدون على الإنترنت في مجالات أعمالهم، وأن إيجاد بدائل لهم مثل الإنترنت الأرضي أو الفضائي قد لا يكون مُجدياً، نسبةً لأن العملاء أنفسهم سيكونون دون إنترنت، ما يَنتج عنه خسائر بالغة وغير متوقعة. من جانب آخر، فإن كثيراً من الشركات أصبح نظام الإدارة فيها عبر الإنترنت، مثل إدارة الموظفين، والتوجيهات الإدارية، والاجتماعات الأسبوعية. يتوقف كلُّ ذلك أو تجري الاستعانة بطرق أخرى لحين استعادة الإنترنت. 

بينما يجد المستوردون الذين يطلبون بضاعةً من دول مثل الصين ومصر صعوبة في التواصل مع المُورِّدين، ومُتابعة بضائعهم أو تباين الأسعار حتى عودة الإنترنت. أما بالنسبة للذين يعملون في مجال العمل الحر عبر الإنترنت في مواقع عربية وعالمية شهيرة، ويبيعون مهاراتهم في التصميم والمونتاج، يُواجهون مشكلة إذا ما جرى التواصل معهم للتعاقد الفوري، أو إرسال نماذج أعمالهم خلال فترة الانقطاع، ما يَجعلهم يتأخَّرون، لأنَّ مُعظم العملاء يُريدون إنجاز الأعمال بنحو سريع وعاجل. 

يرى حامد أن الثانية ظهراً ليس وقتاً مناسباً لقطع الإنترنت، لأنه يَتزامن مع أوقات العمل الرسمية، كما أن إرسال رسائل البريد الإلكتروني وعقد الاجتماعات الافتراضية يعتمد عليه.

ويَعقد التاج في حديثه لـ«أتر» مقارنة مع تجربة الصين في الامتحانات، وتعتمد على تركيب أجهزة تشويش داخل المدارس أو مراكز الامتحانات، رغم أن الصين يصعب مقارنة وضعها بالسودان، نظراً لاختلاف مستوى البنى التحتية. وفي حالة السودان، يَقترح التاج توفير مساحات في مكتبات أو كافيهات مُحدَّدَة ومُصدَّقة من قبل الجهات الرسمية، يَجري تزويدُها بإنترنت أرضي أو فضائي وكاميرات مراقبة، وإتاحتها للمواطنين الذين يُريدون مُباشرةَ أعمالِهم من هذه النقاط إلى حين عودة الإنترنت، ما سيُسهم في حلِّ مشكلة الإنترنت لدى الكثيرين. 

«ذهبتُ إلى السوق في أول يوم قُطع فيه الإنترنت، وكنتُ على علمٍ مُسبقٍ بهذا الإجراء قبل يوم من تنفيذه، لكنَّني نسيت، فدخلت محطَّة الوقود، وعندما جرى تزويدي به علمت أن خدمة الإنترنت قد توقَّفت. وعلى الرغم من استثناء التطبيقات المصرفية إلا أن الخدمة كانت سيئة في اليوم الأول، ما تسبَّبَ لي في إحراج مع عامل المحطة، لكننا تمكنَّا من إيجاد حل. أخذتُ رقم هاتفه وتواصلتُ معه بعد عودة الإنترنت وأنجزت مُعاملتي البنكية»؛ هكذا يروي حامد الأمين أحد العاملين في إحدى المنظمات غير الحكومية بكسلا تجربته مع انقطاع الإنترنت في اليوم الأول. 

ويرى حامد أن الثانية ظهراً ليس وقتاً مناسباً لقطع الإنترنت، لأنه يَتزامن مع أوقات العمل الرسمية، كما أن إرسال رسائل البريد الإلكتروني وعقد الاجتماعات الافتراضية يعتمد عليه، ما يضطره إلى تعديل جدوله وتحويل الاجتماعات المُهمَّة إلى أوقات مُتأخِّرة بسبب قطع الإنترنت واختلاف التوقيت، لأن معظم المانحين الذين يتعامل معهم عبر منظمته يُقيمون في دولٍ بتوقيت مختلف عن توقيت السودان. 

ويصف حامد أن ساعات عمله أصبحت أطول من المعتاد، لأن فترة انقطاع الإنترنت تكون جامدة، ففي الوضع الطبيعي يجد نفسه ينجز بعض المهام المُتعلّقة بعمله. ومن جانب آخر يتابع أخبار السودان والعالم، لكنه أصبح مُضطَّراً لإنجاز عمله بعد عودة الخدمة، فأصبح عمله يمتد لما بعد الساعة السابعة والنصف مساءً، كما أنه لا يَملك أيَّ حلول بديلة، بل ينتظر عودة خدمة الإنترنت واستئناف عمله. 

ويرى حامد أن «هنالك خللاً كبيراً وواضحاً في كثير من القطاعات، والتي يُشكِّل قطاع التعليم أهمها، فقطع الإنترنت كلَّ سنة خلال امتحانات الشهادة السودانية ليس حلاًّ، بل من الجيد التفكير في نماذج مُبتَكرة في تأمين الامتحان، ولا داعٍ لربط قيام امتحانات الشهادة السودانية بتعطيل مصالح مواطنين آخرين».

في حديثها لـ«أتر»، تقول تقوى محمود، وهي طالبة دراسات عليا تدرس من بُعد، إنها تجد نفسها عاجزة عن حضور محاضراتها المُباشِرة خلال فترة امتحانات الشهادة السودانية، لأن توقيتها يتزامن مع ساعات قطع الإنترنت. وتضيف: «صحيح أنني أستطيع مشاهدة التسجيل لاحقاً، لكن التجربة التعليمية لا تكتمل دون التفاعل المباشر، أو سؤال يُطرح في لحظته، أو فكرة تُناقش مع الآخرين». وتضيف بقلق واضح: «ماذا لو تزامن الانقطاع مع امتحاناتها أو مواعيد تسليم مشاريعها؟»، سؤال يتجاوز حالتها الفردية، ليطرح إشكالية أوسع حول كيفية التوفيق بين حماية الامتحانات وحق فئات أخرى في الاستمرار في تعليمها وأعمالها.

Scroll to Top