أتر

طلاب السودان بكرياندنقو: تكبّدوا مشاقّ الرحلة وجلسوا لامتحان الشهادة السودانية

في مقر الجامعة الإسلامية بضاحية «كابوجا»، حوالي 10 كيلومترات جنوب غربي العاصمة اليوغندية كمبالا، قُرع جرس امتحانات الشهادة السودانية يوم الاثنين الموافق 13 أبريل 2026. هنا في كابوجا، انصهرت إرادة الجهات الرسمية السودانية واليوغندية بعزيمة مجتمع اللاجئين، ليرسم آلاف الطلاب السودانيين بجلوسهم للامتحانات أروع صور المُقاومة.

وقبيل انطلاقها أعلنت وزارة التعليم والتربية الوطنية السودانية، اكتمال الترتيبات الفنية والإدارية لامتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026، في جميع المراكز الخارجية والداخلية. وجلس للامتحانات هذا العام نحو 564 ألف طالبٍ وطالبة، متوزّعين على 3,333 مركزاً داخلياً وخارجياً. وأكّدت وزارة الخارجية السودانية استعداد سفاراتها وقنصلياتها في 14 دولة لاستقبال ما يقارب 60 ألف طالب وطالبة. وقال السفير أونور أحمد، مدير عام القنصليات والتعاون الثقافي بوزارة الخارجية وعضو اللجنة العليا لغرف الطوارئ للامتحانات، إنّ امتحانات الشهادة السودانية ستُجرى في 21 مركزاً خارجياً تشمل دولاً عربية وأفريقية وآسيوية، من بينها: مصر، والسعودية، وقطر، وسلطنة عمان، والبحرين، وليبيا، وجنوب السودان، وإثيوبيا، ويوغندا، وكينيا، ورواندا، وتشاد، وماليزيا، وتركيا. وبحسب معلومات تحصّلت عليها «أتَـر»، جلس لامتحانات الشهادة السودانية هذا العام في يوغندا 2700 طالبة وطالب، بينهم أكثر من 400 طالبة وطالب من معسكر كرياندنقو للاجئين الذي يضم ضمن لاجئين من دول أخرى نحو 60 إلى 65 ألف لاجئ سوداني معظمهم وصلوا بعد الحرب التي نشبت في أبريل 2023. وبلغ ​إجمالي عدد السودانيين في يوغندا 93,991 شخصاً حتى مارس 2026.

ومن بين المراكز الخارجية لامتحانات الشهادة السودانية، كان للطلاب السودانيين القادمين من معسكر كرياندنقو للاجئين، بالقرب من مدينة بيالي شمال شرقي يوغندا، قصة ملؤها العزم والتضامن رغم المصاعب التي واجهتهم.

اختيار المقرّ

قالت زمزم إنّ رئيس لجنة الامتحانات شرح لهم في المبادرة الأسباب الموضوعية لاختيار هذا المقر تحديداً؛ مبيّناً أن المؤسسات التعليمية في يوغندا تعمل حالياً بكامل طاقتها، ولم تتوفر مؤسسة قادرة على استيعاب هذا العدد الضخم من الطلاب سوى الجامعة الإسلامية.

مُتحدّثةً لـ«أتَـر»، وصفت الأستاذة زمزم خاطر، مسؤولة اللجنة الإعلامية لمبادرة إسناد طلاب الشهادة الثانوية والمتوسطة والابتدائية القادمين من معسكر كرياندنقو إلى كمبالا، المركزَ المُخصَّص لامتحانات هذا العام بأنه مُهيَّأ جيداً، وقالت إنّ ترتيبات «الإجلاس» جرت بكفاءة عالية، ما يوفر مناخاً ملائماً للطلاب.

وأوضحت أن المركز يضمّ وحدتين طبّيتين، الأولى ثابتة وتتبع للجامعة الإسلامية، وهي مُجهَّزة لتقديم الرعاية الطبية وحالات «التنويم» عند الضرورة، والثانية خيمة طبية إضافية وفَّرتها مدرسة الصداقة السودانية اليوغندية في محيط المركز. وأشارت إلى التأمين الدقيق للامتحانات من قبل الشرطة اليوغندية والشرطة الجامعية، مع إشراف ورقابة إدارية مستمرة؛ إضافةً إلى مداومة رئيس اللجنة إلى الحضور لمتابعة سير الامتحانات.

لكن رغم ما ذكرته زمزم، عبَّر بعض أولياء الأمور القاطنين في عدة مناطق من كمبالا عن شكواهم من بُعد المسافة، بينما أشار أولياء أمور آخرون يقطنون في مناطق أخرى من العاصمة اليوغندية إلى أن الموقع مناسب وقريب من مقارّ سكنهم.

وقالت زمزم إنّ رئيس لجنة الامتحانات شرح لهم في المبادرة الأسباب الموضوعية لاختيار هذا المقر تحديداً؛ مبيّناً أن المؤسسات التعليمية في يوغندا تعمل حالياً بكامل طاقتها، ولم تتوفر مؤسسة قادرة على استيعاب هذا العدد الضخم من الطلاب سوى الجامعة الإسلامية، التي أبدت تعاوناً كبيراً؛ إذ أخلت قاعاتها وحوّلت طلابها إلى نظام التعليم الإلكتروني طوال فترة الامتحانات لإفساح المجال لمُمتَحني الشهادة السودانية. ونظراً للعدد الكبير من الطلاب المُمتَحنين، أكّدت أن لجنة الامتحانات لم تكتفِ بالقاعات المُتاحة، بل استأجرت أربع خيام كبيرة مجهزة بمقاعد إضافية لتغطية احتياجات الإجلاس وضمان راحة الطلاب جميعاً.

من كرياندنقو إلى قاعات الامتحان

فور وصولنا واجهنا معاناة كبيرة في تأمين السكن، نظراً لضخامة عدد طلابنا هذا العام، وبلغ أكثر من 400 طالبة وطالب، موزّعين على أربعة مواقع. في اليوم الأول، جرى تجهيز موقعين للطالبات، بينما اضطر الطلاب (البنين) إلى المبيت على الأرض وفي العراء لمدة يومين. وبصفتنا مشرفين، شاركناهم هذه الظروف القاسية.

متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول دكتور نصر الدين النور، مُشرف بعثة طلاب الشهادة السودانية القادمين من معسكر كرياندنغو، إنّ رحلتهم من المعسكر إلى مقر الامتحانات كانت شاقَّة للغاية؛ وقد بدأت عمليات الترحيل منذ صباح الخميس 9 أبريل، على 27 مركبة.

«واجهنا صعوبات بالغة في توفير وسائل النقل بمدينة بيالي، وقد وصلت آخر رحلة كُنتُ على متنها في تمام الساعة الرابعة من فجر يوم السبت الموافق 11 أبريل»، يقول النور ومن ثم يضيف: «فور وصولنا واجهنا معاناة كبيرة في تأمين السكن، نظراً لضخامة عدد طلابنا هذا العام، وبلغ أكثر من 400 طالبة وطالب، موزّعين على أربعة مواقع. في اليوم الأول، جرى تجهيز موقعين للطالبات، بينما اضطر الطلاب (البنين) إلى المبيت على الأرض وفي العراء لمدة يومين. وبصفتنا مشرفين، شاركناهم هذه الظروف القاسية. كُنَّا نضطرُّ إلى نقل أمتعتنا وحمايتها عند هطول الأمطار كل صباح، لكن بدأت أزمة السكن في الانفراج تدريجياً، وحتى يوم الاثنين 13 أبريل تمكنَّا من إيواء جميع الطلاب».

لم تكن تلك آخر التحديات، فقد واجه الطلاب نقصاً في الإعاشة. يقول النور: «واجهنا نقصاً حاداً في اليوم الأول، لكن سرعان ما تداعت المبادرات الطوعية من السودانيين في كمبالا. أكثر من 18 مبادرة (كبيرة وصغيرة) قدمت الدعم الغذائي والمادي، منها مبادرة مناصرة اللاجئين بيوغندا، التي التزمت بتوفير اللحوم لمدة ستة أيام متواصلة؛ إضافة إلى مبادرات فردية مثل السيدين (مجاهد وطارق) اللذين تبرَّعا بستة خراف على مدار ثلاثة أيام. ومبادرات أخرى نوعية مثل المعلمة التي تبرعت بـعصير «آبري» للطلاب فور خروجهم من جلسات الامتحانات».

إسناد أكاديمي

بينما كانت تنتظر ابنتها «رؤية» أمام البوابة، حكت السيدة آيات من معسكر كرياندنقو لمراسل «أتَـر» تجربتها وابنتها وزملائها في التحضير لامتحانات الشهادة السودانية: «مررنا بظروف قاسية للغاية قبل الوصول إلى قاعات الامتحانات. كانت العقبة الأولى هي العجز المادي؛ إذ لم تكن لتتوفر لنا الرسوم الدراسية اللازمة لإلحاق أبنائنا بالمدارس بانتظام. اضطرَّنا هذا الوضع إلى الاعتماد على الجهد الذاتي وبعض مبادرات الإسناد الأكاديمي؛ فبعد أن كانت ابنتي تَدرُس وحيدة في المنزل، وتستخرج الكتب والمقرّرات من الإنترنت، وتتابع الحصص المسجّلة عبر اليوتيوب والوسائط الرقمية، التحقت ببعض حصص الإسناد حتى تمكّنت بفضل الله من الإلمام بالمقرّر والوصول إلى مرحلة الجلوس للامتحان».

متحدّثاً لـ«أتَـر»، قال محمد النور موسى محمد، وهو أستاذ مشارك في مبادرة الإسناد الأكاديمي بالمعسكر، إنّ الفكرة كانت نتيجة إيمان عميق بأنّ التعليم حقٌّ أصيلٌ لا يَسقط باللجوء أو الحرب: «لقد رأينا في عيون طلابنا تمسّكاً منقطع النظير بأحلامهم رغم قسوة الظروف، فقرّرنا أن نضع اللبنات الأولى لتسهيل مسيرتهم التعليمية ومساعدتهم على نيل استحقاقهم في الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية وبقية المراحل».

كانت عزيمة الطلاب هي المُحرّك الأساسي. اضطررنا للتدريس داخل خيام المعسكر نظراً لغياب مقار مخصّصة. واعتمدنا على تبرّعات بسيطة من خيّرين وفروا لنا «الطباشير» والكرّاسات، بينما كنا نُدرّس المنهج السوداني الذي يُستخرَجُ من الإنترنت لعدم توفر الكتب الورقية.

وبحسب موسى، فقد بدأت المبادرة منذ العام الماضي بإمكاناتٍ وصفها بالبسيطة، في بيئة كان الاهتمام فيها منصبّاً على التعليم اليوغندي، مع غياب شبه تامّ لدعم المناهج السودانية من قِبل المنظمات العاملة في المعسكر. وبسبب هذا النمط، واجَه الطلاب ضغوطاً نفسية هائلة جراء الحرب والنزوح. يضيف موسى: «كانت عزيمة الطلاب هي المُحرّك الأساسي. اضطررنا للتدريس داخل خيام المعسكر نظراً لغياب مقار مخصّصة. واعتمدنا على تبرّعات بسيطة من خيّرين وفروا لنا «الطباشير» والكرّاسات، بينما كنا نُدرّس المنهج السوداني الذي يُستخرَجُ من الإنترنت لعدم توفر الكتب الورقية».

يواصل موسى: «رغم بُعد الطريق من مدينة بيالي إلى مراكز الامتحانات في كمبالا، وما يتطلَّبه ذلك من تكاليف ترحيل وإعاشة ورعاية صحية، حقّقت الدفعة السابقة دفعة (2024) نتائج مشرّفة، كان من أبرزها حصول إحدى طالباتنا على المركز الأول بنسبة 79%، وهو إنجاز وُلد في ظروف قاسية».

وتوسّع نطاق المبادرة هذا العام لاستيعاب دفعة كبيرة تجاوزت 400 طالب وطالبة، وفقاً لما أخبر موسى. «لكن على الرغم من تقسيم الطلاب داخل المعسكر إلى مجموعات (بحسب الكلاسترات) لتسهيل العملية التعليمية، لا تزال التحديات اللوجستية قائمة؛ فالمقرّرات التي تُستخرَج من الإنترنت غير كافية، والوصول إلى مراكز الإسناد يتطلَّب من بعض الطلاب قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام، ومع ذلك، لم يتخلَّ أحد منهم عن طموحه»، يضيف موسى.

أحلام ورسائل

قابل مراسل «أتَـر» الطالبة مزن النصر القادمة من معسكر كرياندنقو لأداء الامتحان، وهي خارجة لتوّها من امتحان الفيزياء. قالت وهي تحبس أنفاسها: «اليوم امتُحنت في مادة الفيزياء، الامتحان كان متوسط الصعوبة، لم أكن أتوقع ذلك، وقد وُفِّقتُ في الإجابات».

أما عن سير الامتحانات بصفة عامة، فتقول إنها كانت جيدة وفي تحسّن مستمر. وتقول: «أتمنى أن تمضي الامتحانات على ما يرام. وأحصل على درجات عالية لدخول كلية الهندسة، حلمي الذي أتمنى أن يتحقق». ووصفت مزن بيئة السكن والظروف المحيطة بها بأنها مناسبة، لكنها اضطرّت إلى مغادرة السكن الجماعي بسبب الزحام، لتذهب إلى أقارب لها يعيشون بكمبالا بحثاً عن بيئة تساعدها على التركيز.

عَبَرَ الطالب معاذ عيسى، القادم من «برام» بجنوب دارفور، آلافَ الأميال حتى استقرّ بكمبالا. ويرى أن جلوسه للامتحان بمثابة «استعادة لحقّ مسلوب». يقول في حديثه لـ«أتَـر»: «وصولي إلى يوغندا لم يكن سهلاً، بل كان سباقاً مع الزمن وتحدّياً لواقع النزوح المرير. لقد عبرتُ الحدود من السودان إلى دولة جنوب السودان ومنها إلى يوغندا، وسط ظروف أمنية وإنسانية خطيرة، سعياً وراء استعادة حقي في التعليم وبناء مستقبلي الذي كادت أن تبتلعه الحرب».

بعد مرور أيام على بداية الامتحانات، شعر معاذ بغاية السعادة لأنه حقق حلمه في مواصلة التعليم رغم الظروف. وبالنظر إلى الانقطاع الطويل والضغوط النفسية التي تُواجه المُمتَحنين، يرى معاذ، أنّ الامتحانات في مجملها تسير على نحو مُمتاز، فبعض الامتحانات – بحسب قوله – كانت على درجة من الصعوبة وتتطلّب استعداداً ذهنياً عالياً، وهو ما اعتبره تحدياً إضافياً لطالب قادم من قلب النزاع.

أما عن نظام الرقابة، فيصفه معاذ بالدقة والصرامة: «التفتيش عند المداخل دقيق للغاية، وهناك منع تام وحاسم لأي وسائل غير قانونية، ويجري التعامل بصرامة مع أي مخالفة تُكتشف داخل القاعة حتى في الدقائق الأخيرة».

رحلة العودة

هؤلاء الطلاب قطعوا مسافات طويلة جدّاً، وتجاوزوا جميع الصعاب والحدود ليصلوا إلى هنا، مُصرّين على مواصلة تعليمهم، وهو أمر يثير الإعجاب ويملأ النفس طمأنينة.

في عودتهم إلى كرياندنقو، واجه طلاب المعسكر تحدّي تكلفة الرحلة، التي بلغت بحسب نصر الدين حوالي 8,500,000 شلن يوغندي (ما يعادل 2,600 دولار أمريكي) لمجمل الطلاب والطالبات. وحتى الأيام الأخيرة في الامتحانات، لم تستطع مبادرة الإسناد توفير أكثر مما يعادل ألف دولار من مجمل المبلغ، هذا فضلاً عن أن المبادرة تتكفل برحلة أخرى لطلاب امتحان الشهادة المتوسطة التي بدأت جلساتها الأحد 26 أبريل إلى مقر مركز الامتحانات بكابوجا، بالتزامن مع مغادرة طلاب الشهادة السودانية. يقول نصر الدين: «في الوقت الذي يتعين أن يعود فيه طلاب الشهادة السودانية، نستعد لاستقبال 187 طالباً من المُمتَحنين للمرحلة المتوسطة».

لكن بجهود ومبادرات شعبية، استطاع طلاب الشهادة السودانية العودة، بحسب الأستاذة زمزم خاطر التي أعلنت عن وصولهم، بجهود «المخلصين الذين سخّروا وقتهم وإمكاناتهم لخدمة هؤلاء الطلاب، الذين بلغ عددهم 412 طالباً وطالبة، إلى جانب المشرفين وبعض الأسر المرافقة». وأشارت إلى استقبال التلاميذ الجالسين للشهادة المتوسطة الأحد الماضي مُناشدةً الخيرين بطلب إسنادهم.

يقول الدكتور محمود آدم داؤود، مدير جامعة نيالا الأسبق، وهو من أعضاء مبادرة الإسناد، إنّ إرادة الطلاب أثبتت أن السودانيين شعب «عصيّ على الانكسار»، داعياً القادرين إلى مدّ يد العون للطلاب الذين سيعودون قريباً إلى معسكرات النزوح. ويضيف في حديثه لـ«أتَـر»: «رغم الأحزان التي تسكن القلوب، ورغم الألم والمرارة، إلا أنّ ما رأيته في وجوه هؤلاء الطلاب من تصميم وإرادة يبعث على الفخر. هؤلاء الطلاب قطعوا مسافات طويلة جدّاً، وتجاوزوا جميع الصعاب والحدود ليصلوا إلى هنا، مُصرّين على مواصلة تعليمهم، وهو أمر يثير الإعجاب ويملأ النفس طمأنينة».

Scroll to Top