أتر

النازحون إلى ولاية نهر النيل: شَقّ الدِّيار عِلِم

خلال سنوات الحرب الثلاث هذه، لم تكن رحلات النزوح محض مسارات إجبارية لمئات الآلاف، من الخرطوم وأم درمان والجزيرة إلى ولاية نهر النيل، وتحديداً إلى مدينتي الدامر وعطبرة؛ فمن النازحين من عادوا إلى مواطن عائلاتهم المُمتدَّة، ومن هؤلاء مَن رأوا مدن الولاية وقراها للمرة الأولى، بعد رحيل جيل آبائهم وأجدادهم إلى العاصمة الخرطوم في أزمان مُتفرِّقة وأسباب مُتعدِّدة.

أفضى هذا الحضور الاجتماعي الجديد بمدن ولاية نهر النيل، بعد ثلاث سنوات من النزوح، إلى تغيّرات اجتماعية واقتصادية. نقل النازحون إلى ضفاف النيل شمالاً نبضاً جديداً وثقافات وتجارب وأعمالاً مُختلفة وتبادل أهل المنطقة معهم معارف ما كانت لتتحقّق أو تُدركَ دونَ هذا اللقاء الذي خلَقَتْه ظروف الحرب والنزوح.

لقاء بعد فراق

عند وصولنا إلى قريتنا العالياب، جنوبي مدينة الدامر، هتفَت إحدى شقيقات والدي المُسنَّات، وسط دموعها، ولم تلتقِ به لسنوات طويلة: (يعيش حميدتي).

عندما بدأت الحرب في 15 أبريل، كان محمد علي حسن يعيش في منطقة آمنة نسبياً، بدار السلام غرب أم درمان. وحتى نهاية الشهر الأول من نشوب الحرب لم تحدث اشتباكات في الحي كما يقول: «كنا نخرج لإفطار رمضان خارج البيوت كما هو معتاد، ونرى في السماء من بعيد أضواء القذائف، ونتناقش حول ما يحدث، وكانت أغلب ظنون أهل الحي تنحو إلى أنها مناوشات ستنتهي عاجلاً، وآخرون يُقسمون صادقين بأن اتفاقاً سريعاً سوف يُنهي ذلك الصراع الطارئ».

حتى قدوم عيد الفطر ذلك العام كانت الأوضاع محتملة نسبياً، لكنها تدهورت بعد ذلك بشدة، ولم يعد السكّان بمعزل عن الرصاص حتى حدث اشتباك مسلّح في الشارع الذي يقطن فيه حسن وأسرته: «شاهدنا جثتين من أفراد الدعم السريع أمام منزل أحد الجيران، وخوفاً من تعرُّض أهل الحي لانتقام جماعي قرَّر أغلب السكّان الخروج بأقلِّ متاع».

غادر محمد رفقة أسرته إلى ولاية نهر النيل في يونيو 2023، ومعه والده الذي يبلغ حوالي 86 عاماً ولم يسبق له السفر إلى مسقط رأسه منذ سنوات بسبب ظروفه الصحية. يقول محمد في حديثه لـ«أتَـر»: «عند وصولنا إلى قريتنا العالياب، جنوبي مدينة الدامر، هتفَت إحدى شقيقات والدي المُسنَّات، وسط دموعها، ولم تلتقِ به لسنوات طويلة: (يعيش حميدتي)». يقول محمد إنها قطعاً لم تعنِ بهذا الهتاف تأييداً سياسياً، بقدر ما كان تعبيراً عفوياً عن فرحتها برؤية شقيقها الذي غيّبه المرض وحياة العاصمة لسنوات طويلة. إنها الحرب التي فرَّقَت الناس في الخرطوم، فأعادت وصل أرحام انقطعت لسنوات في نهر النيل!

وفي يناير من هذا العام، عاد محمد إلى أم درمان من جديد بعد إقامة مع عائلته الممتدّة لـ 32 شهراً في منزل أحد أقاربه بالقرية.

الهندسة البيئية في الدكّان

عاد المهندس البيئي بكري محمد علي الشيخ، من أمبدّة الحارة الرابعة إلى أهله في ولاية نهر النيل بقرية الحصايا التابعة لريفي الدامر، بعد مضيّ شهر وستة أيام من اندلاع الحرب في الخرطوم وتفاقم الأوضاع في حيِّه.

ولندرة تخصّصه العلميّ وضيق فرص الوظائف، عمل بكري سابقاً في مهن مختلفة بالعاصمة. بعد أيام قليلة من وصوله إلى القرية، وأثناء تجواله، وجد بقالة لابن عمه المُغترب كانت مغلقة منذ وقت طويل، ففكر في افتتاحها من جديد. يقول بكري في حديثه لـ«أتَـر»: «أملك خبرة في عمل (الكناتين)، وأعرف صناعة الزبادي والفول والطعمية، ولعائلتي تاريخ من الهجرة والتجارة في نواحي دارفور». نجحَت البقالة بنحوٍ لم يكن يتوقّعه بكري، فازدادت عوائدها وكثر زبائنها، وأصبح أبوه وإخوته يعملون معه، لدرجة أن البقالة نافست المحلات القديمة في كل شيء. يقول: «لا تواجهني مشكلات كبيرة في القرية عدا مسألة الديون، فالمال هنا مرتبط بمواسم الحصاد لأن الغالبية العظمى مزارعون».

لكنّ الأجمل في تجربة العمل بالقرية، أنّ بكري تعرَّف إلى أهله بنحوٍ أفضل، كما تعرّفوا إليه أيضاً، لكنه بعد قضاء زهاء ثلاث سنوات، يُفكِّرُ في العودة إلى أم درمان حالياً، وسيترك محله التجاري بالقرية مستمراً في العمل: «الأمور جيدة هنا والحمد لله».

لا يزال بكري بالقرية وقد أكمل سنتين وأحد عشر شهراً.

من القلم إلى الطوريّة

بعد شهرين من إقامتي في الجباراب، طلبتُ من أهل المنطقة أن يوفروا لي فرصة للعمل، فاقترحوا عليَّ الزراعة، وقدّموا لي مشكورين مساحة فدان كاملة، زرعتُها بالبامية والرِّجلة والنعناع. لم أكن أذهب إلى السوق، بل أوزّعها في الدكاكين داخل الحي، وقد يأتي تاجر من السوق ويشتري جميع الأحواض مباشرة.

في شهر ديسمبر 2023، وصل مجاهد علي سليمان، من جبل أولياء جنوبي الخرطوم إلى ولاية نهر النيل بسبب الحرب، حيث يقطن أهل زوجته. كان مجاهد محاضراً جامعياً يُدرّس اللغة الإنقليزية بجامعة الأحفاد، ثمّ انتقل إلى المملكة العربية السعودية وعاد منها في 2022.

لقد فرض واقع ما بعد الحرب على مجاهد، إضافة إلى ظروفه الصحية، أن ينتقل إلى العمل الزراعي أثناء نزوحه إلى قرية الجباراب جنوبيّ الدامر. وفي حديثه لـ«أتَـر» يشرح مجاهد كيفية انتقاله من مجال إلى آخر: «لم تكن لديَّ نظرة مختلفة عن كثير من المزارعين التقليديين، ولم أمارس الزراعة أساساً من قبل، لكن لدي ثقافة في زراعة الخضروات. لم أستسلم، وكانت لدي إرادة. بعد شهرين من إقامتي في الجباراب، طلبتُ من أهل المنطقة أن يوفروا لي فرصة للعمل، فاقترحوا عليَّ الزراعة، وقدّموا لي مشكورين مساحة فدان كاملة، زرعتُها بالبامية والرِّجلة والنعناع. لم أكن أذهب إلى السوق، بل أوزّعها في الدكاكين داخل الحي، وقد يأتي تاجر من السوق ويشتري جميع الأحواض مباشرة، والتجّار هم من يحددون السعر ولا يمكنني مجادلتهم كثيراً. وهذا هو حال جميع صغار المزارعين».

ويضيف: «لم تكن هناك مشكلة في التقاوي أو السماد، لأن المساحات بالأصل صغيرة؛ لكن التسويق دائماً هو الإشكال الحقيقي، لذلك كنت أضطر إلى تجفيف البامية لتقليل الخسارة وبيعها لاحقاً».

لا أظن أنني سأظلّ هنا إلى الأبد، فالحياة في القرية جميلة ومستوى الأمن فيها عالٍ، فضلاً عن كرم أهلها معي، لكنني أفكر في أطفالي؛ فالمدينة وعاء كبير، ويمكنهم فيها الاحتكاك مع ثقافات مختلفة أخرى تفيدهم مستقبلاً، إضافة إلى فرص التعليم الأفضل.

ولا يَنسى مجاهد العون الذي قدمه له صلاح عبد الله الدرملي، أحد شباب القرية الخريجين ويعمل مزارعاً، وهو متخصّص في اللغة العربية. يقول مجاهد: «نجلس أحياناً وسط العمل للراحة قليلاً، وننتقل من كتاب الأرض إلى حوار اللغات».

إذا توقفَت الحرب، يؤكّد مجاهد أنه سيعود إلى عمله القديم أستاذاً جامعياً تاركاً الطورية، لأنه يُعاني من مشكلة في الشبكية سافر من أجلها إلى الهند في يوليو 2025 رغم الوضع المادي الضاغط، ولم يستطع استكمال علاجه. يقول مجاهد عن الأسباب الأخرى التي تدفعه للعودة: «لا أظن أنني سأظلّ هنا إلى الأبد، فالحياة في القرية جميلة ومستوى الأمن فيها عالٍ، فضلاً عن كرم أهلها معي، لكنني أفكر في أطفالي؛ فالمدينة وعاء كبير، ويمكنهم فيها الاحتكاك مع ثقافات مختلفة أخرى تفيدهم مستقبلاً، إضافة إلى فرص التعليم الأفضل».

تسجيلات موسيقية جديدة

وصل عبد العليم سيد، صاحب شركة «إفِّيكت» للإنتاج الفني إلى مدينة عطبرة في مايو 2023 في رحلة نزوح بعد الحرب، ناقلاً ومُطوّراً نشاطه الإبداعي من العاصمة الخرطوم إلى ولاية نهر النيل. استقر في عطبرة لتوفر الأمان والهدوء كما قال، ثم انتقل مباشرة ليبدأ عمله من جديد وسط المدينة. تغلّب عبد العليم على مشكلات الكهرباء وانقطاع الإنترنت في بعض الفترات، واستأجر شقة صغيرة في وسط المدينة، وكان قد فقد معظم مُعدَّاته في الخرطوم، ولم يستطع أن يُنقذ إلا بعضها، وشملت الخسارة كاميرات احترافية وأثاث مكتب وأجهزة تقنية. لكن رغم ذلك لم يتوقَّف، فقد سافر إلى مصر في يوليو 2023 وقضى 8 أشهر لتجهيز نفسه بمُعدَّات وأجهزة كاملة وجديدة، وعاد ليبدأ العمل في استوديو فني متخصّص في عطبرة، مُعتمداً في انتشاره على قوة الإعلانات في فيسبوك وسُمعة بناها سريعاً وسط المجتمع الفني بعطبرة. وأحدث الاستوديو نقلةً نوعيةً في جودة تسجيل أغاني الطنبور، وقد لاحظ الفنانون فرقاً كبيراً في نقاء وجودة الصوت مقارنة بالسابق، كما يقول عبد العليم في حديثه لـ«أتَـر»: «عندما يستمع الفنان إلى صوته في الاستوديو بجودة احترافية يُحسّ بفرق كبير جداً، لأن الوضع لم يكن مُهيأ تقنياً لتسجيلات احترافية من قبل في الولاية».

أدخل عبد العليم أجهزة الساملبر والكيبورد إلى العزف على الطمبور، للحصول على صوت واضح وقادر على منافسة الأغاني السائدة في أنحاء السودان.

ويصف عبد العليم جمهور عطبرة والدامر بأنهم «سِمِّيعين شديد» ومتذوّقون للفن، ولديهم ولاء كبير للمبدعين المحليين من الفنانين، والفرق بينهم وجمهور الخرطوم أن الناس في عطبرة يعرفون بعضهم أكثر، ولكلّ حفلة طابع عائلي حتى لو كانت كبيرة.

أدخل عبد العليم أجهزة الساملبر والكيبورد إلى العزف على الطمبور، للحصول على صوت واضح وقادر على منافسة الأغاني السائدة في أنحاء السودان. يقول: «في البداية تخوَّف الفنانون من التغيير، وكانوا يقولون: (ده كلام شباب الخرطوم)، لكن عندما استمعوا إلى النتيجة النهائية انبهروا. وأصبح الفنان يصل إلى الأستوديو وهو واثق أنّ صوته سيخرج على النحو الذي كان يحلم به، وليس محض تسجيل فقط».

تحوّلات في الأسواق

تقارن سمية التيجاني، وهي مواطنة من مدينة الدامر، وتعمل في المجال الطبي، بين حالَي السوق القديم قبل موجات النزوح وبعدها، قائلة إنه كان يُغلِقُ أبوابه منذ وقت مبكر، لكنه أصبح يعجّ بحركة نشطة حالياً. تقول في حديثها لـ«أتَـر»: «قبل الحرب والنزوح، لم نكن ندري ما بداخل المحل التجاري إلا عند سؤال صاحبه أو الدخول للنظر إلى البضائع، أما الآن فقد انتهى عصر الندرة»، بحسب تعبيرها.

وتلحظ سمية زيادةَ مُطّردةً في عدد المحالّ التجارية والمطاعم بأسماء جديدة شبيهة بأسماء المحلات في الخرطوم، وتذكر عدداً من الأسماء: «مطاعم النيلين للأسماك، فوال فريد، وشاركلز بيرقر، وكافتريا ثلج مشوي التي ارتبطت بجامعة الأحفاد بأم درمان، وحلويات الباشا الشهيرة التي افتتحت أفرعاً جديدة»، وتشير إلى اللافتات المضيئة التي تحمل تلك الأسماء، وتطوُّر وسائل الإعلان وطرق العرض والمظهر العام للمحلات التجارية التي افتتحها نازحو الخرطوم، ما زاد من سبل المنافسة في السوق. وتضيف: «حتى المطاعم في الدامر كان أغلبها يقدم الفول والطعمية فقط، لكن شباب الخرطوم ومدني أنشأوا مشاريع كافتيريات صغيرة أو كبيرة وبخدمات توصيل (ديليفري) وعربات طعام متنقلة، ورأينا الفطائر والبيتزا والمشروبات والسندوتشات بنكهات جديدة وأشياء كنت شخصياً أحسبها من وجبات الخيال العلمي».

وتقول سمية إنّ المنطقة تقبَّلت النازحين بصدر رحب، وقد استغلّوا للسكن بيوتاً مهجورة رحل منها أهلها قبل عشرات السنين لأسباب مختلفة إلى مدن بعيدة كالخرطوم ومدني طلباً لحياة ذات جودة أفضل. «كان جزء من هذه المنازل مُهدَّماً ومهملاً لسنوات، وحين عودتهم من جديد بسبب الحرب، عرف كلّ شخص منهم قيمة الأرض والورثة، فنُظفت ورُمِّمت من جديد، وكأنما أعادوا أرواح الأجداد التي كانت تسكن بها»، تقول سمية. أما في ما يخصّ الأراضي الزراعية، فتُشير إلى ظهور بعض النزاعات حول الحقوق، لكن غالباً ما يجري حلُّها على نحو ودّي داخل إطار العائلات نفسها.

في مجال الرياضة

متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول اللاعب السابق بنادي (الدار) مصطفى بابكر هاشم مدرب كرة السلة في عطبرة، إنّ النازحين من الخرطوم ساهموا في تنشيط الرياضة عموماً، فما إن وصلوا إلى عطبرة حتى بدأوا يسألون عن أماكن ممارسة الرياضات المختلفة (سلة، قدم).

شجّع ذلك كوتش مصطفى على استئناف التمارين، وقد بدأت بساحة نادي الخريجين، حتى عاد بعض الهواة واللاعبين القدامى، إضافة إلى النازحين الذين انضمّوا إليهم: «اشتريتُ كرةً وبدأتُ التمرين وحدي داخل ساحة النادي، ثم انضمّت إليّ مجموعة من 20 لاعباً ناشئاً أغلبهم من ولاية الخرطوم، ثم انضمّ قدامى اللاعبين».

بعدها بدأ تدريب الأطفال من الخرطوم. يقول: «كانت هناك استجابة كبيرة جداً، ولاحقاً انضمّ إليهم جزء من أبناء عطبرة، وكانت هناك رسوم تدريب مبسّطة بمثابة اشتراكات تُدفع أسبوعياً من قِبل اللاعبين، وتُستخدم في توفير الخدمات الاجتماعية للفريق، مثل شراء الشِّبَاك أو تنظيم جلسات اجتماعية بسيطة (شاي وزلابية) للاعبين الصغار بعد التمارين، وكنتُ مع هذه التمارين أقدّم نصائح حول النظام الغذائي والبدائل المُتاحة في ظل ظروف الحرب الحالية». ويقول مصطفى إنه لاحظ أنّ أطفال الخرطوم، أكثر حرصاً على حضور التمرين ويأتون منذ الثالثة عصراً.

الخرطوم بالليل

تعود سمية التجاني، لتقول إنّ الشوارع في مدينتها الدامر باتت ضاجّةً بالبشر ونابضةً بالحياة حتى الليل. تضيف: «بحكم أننا نساء في مجتمع محلي مُحافظ، وجدنا أخيراً مساحات أكبر؛ كنا نخرج في وقت معيّن ونعود في وقت معيّن. أما الآن فيُمكنني الزيارات والذهاب إلى التسوُّق في أيِّ وقتٍ من غير أيّ نظرات مُريبة أو فضولية».

وبحسب سمية، كانت هناك خبيرة تجميل واحدة ومحلات كوافير لا تتعدّى الثلاثة، وبوتيكات معينة تقدّم منتجات محدودة ومتواضعة، لكن ظهر منافسون جدد ومحلات بتجهيزات عالية في عطبرة والدامر بعد الحرب. وتقول: «الشباب والشابات من الخرطوم والجزيرة لم يستسلموا للظروف وتخلّصوا سريعاً من صدمة الحرب والشتات وفقدان الممتلكات والوظائف، وكانت لديهم أفكار سريعة للعمل وإيجاد مصادر دخل، بداية من العمل متجوّلين في بيع الرصيد وحتى صاجات الطعمية؛ وهنا بعض المهن يرى شبابنا أنها بسيطة وقد يفضّلون الجلوس في المنزل بدلاً عن مزاولتها، لكن أولاد الخرطوم والجزيرة وأم درمان وبناتها يعرفون قيمة العمل».

وفي ما يتعلق بالخدمة الطبية، مجال عملها، تقول سمية إنها التقت بنماذج ذات كفاءة عالية من الكوادر الطبية التي نزحت إلى الولاية، فضلاً عن تزايد أعداد الصيدليات التي وفَّرت جميع أنواع الأدوية، وافتُتحت عيادات ومعامل جديدة في شارع المستشفى. وتضيف: «على غير العادة أصبحت ورديّات المستشفيات تعمل لمُدَّة أربع وعشرين ساعة؛ وسابقاً كانت الصيدليات تُغلق أبوابها في وقت مبكّر، لكنها تعمل حتى في أيام الجُمع والأعياد».

معلّمون وطلاب جدد

متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول معتصم الخير أحمد، وهو معلّم بالمدارس الثانوية، إنّ الطلاب النازحين أحدثوا أثراً إيجابياً كبيراً في المدارس وتفوّقوا في العديد من المدارس الحكومية والخاصة. ووصف سلوكهم بـ«الحضاري»، مشيراً إلى انضباطهم العالي واستجابتهم السريعة لتوجيهات المعلّمين بمجرد الإشارة فقط. «لم ينقلوا أي عادات سلبية أو «دخيلة»، بل عكسوا صورة طيبة عن مجتمعهم، وخلَق وجودهم نوعاً من المنافسة الأكاديمية الحميدة بين الطلاب المحليين، وأثروا المشاركة داخل الفصول الدراسية»، يضيف معتصم.

وقد انضمّ عددٌ من المعلمين والكوادر التعليمية، ومنهم معلّمون بدرجة موجّهين، من الخرطوم إلى مدارس الدامر، ما اعتبره معتصم إضافة قوية للعملية التعليمية. وأوضح أن وزارة التربية والتعليم بالولاية وزّعتهم على المدارس، ومع أنّ رواتبهم كانت تصلهم إلا أنها لم تكن تكفي المتطلبات الجديدة وسط النزوح، «لكنّ مجتمع نهر النيل المضياف كان حريصاً على أن يَجري التعامل معهم على نحو مُميَّز، فلقَوا التقدير من قِبل مديري المدارس والمجتمع المحلي، الذي لم ينقطع عنهم عبر توفير الوجبات والمساهمة في تكاليف المواصلات لتعويض نقص الرواتب».

ستتوقَّف الحرب، وسيعود كثيرٌ من النازحين إلى ديارهم، لكن ولاية نهر النيل لن تعود كما كانت قبل 15 أبريل. لقد تركت تجربة النازحين وإقامتهم تجارب كبيرة لن تُنسى، وأولها قدرة الإنسان السوداني على التكيُّف والحياة في جميع الظروف.

Scroll to Top