هذه الورقة مجتزأة من فصل بعنوان «الاقتصاد المؤسسي والتنمية»، في الطبعة الثانية، الموسّعة والمنقحة، من كتاب «حوكمة التنمية»، قيد الإعداد.
شكّلت حقبة السطوة الكبرى للإمبراطورية الأمريكية حاضرَ الكوكب ومستقبله على وتائر فلكية، على الرغم من أنها لم تكن حقبة طويلة زمنياً، إنما كانت من أقصر أعمار الإمبراطوريات في التاريخ البشري، فهي لم تبدأ منذ زمن طويل وها هي الآن قد انتهت فعلياً. نقصد «الإمبراطورية الأمريكية» لا دولة الولايات المتحدة الأمريكية، أي ظهور حقبة الإمبراطورية الأمريكية العالمية في تاريخ تشكّل دولة الولايات المتحدة الأمريكية.
لنفسّر ذلك الصعود والانحسار، ونستوعب منه دروساً قيّمة، يمكننا إعمال مقاربة الاقتصاد المؤسَّسي ومنهجيّته التركيبية في فهم التاريخ الاقتصادي. نبدأ ذلك عبر تقسيم صعود الولايات المتحدة وتحوّلها إلى «الإمبراطورية الأمريكية»؛ إلى أربع حقب تاريخية رئيسة، وفق التفاعل بين عناصر نموّها وتراجُعها الذاتي وعناصر تراجُع وتقدّم القوى المنافسة لها.
الحقبة الأولى: بداية بروز الولايات المتحدة ضمن سياق الهيمنة البريطانية (1800 – 1914). خلال ما سُمّيتْ حقبة «السلام البريطاني» (Pax Britannica)، وحينها كانت بريطانيا هي القوة العظمى التي تدير البحار والتجارة العالمية، ومعها جاراتها الأوروبيات، أي أنّ أوروبا كانت هي مركز الإمبراطورية العالمية. في تلك الظروف، بدأت الولايات المتحدة، باعتبارها مستعمرة استيطانية بريطانية سابقة، بناء أسُس «إمبراطورية قارّية» جديدة. فعلت ذلك بعد حربها الأهلية (1865) مستعينةً بعدة عوامل، أوّلها وأهمّها عامل النمو الاقتصادي، إذ تحوّلت أمريكا بحلول عام 1890 إلى أكبر اقتصاد صناعيّ في العالم عبر تركيزها على السياسات الصناعية التي وفرت البيئة القانونية والتمويلية والتسويقية المحفّزة للصناعة، مع وفرة الموارد الطبيعية محلياً (بفعل سعة الأراضي الأمريكية وثرواتها المتعدّدة، وتدفّق القوى العاملة، والقدرة على التوسّع في الإنتاج وفرص الابتكار). العامل الثاني هو ما يُسمَّى «عقيدة مونرو»، إذ بدأت أمريكا بفرض نفوذها في نصف الكرة الغربي، معلنةً انتهاء عصر الاستعمار الأوروبي في الأمريكتين واستبدال السطوة هناك بالسطوة الأمريكية، حيث باشرت أمريكا تأكيد هيمنتها تلك على أمريكا الجنوبية على نحو واضح وعنيف. وقد تجسّدت عقيدة مونرو تجسّداً كاملاً في حرب 1898، أو الحرب الإسبانية-الأمريكية، عندما استحوذت أمريكا على مستعمرات إسبانية (الفلبين، بورتوريكو، غوام) وبدأت تظهر قوةً بحريةً صاعدةً وقادرةً على منافسة القوى الأوروبية في المحيط الهادئ.
الحقبة الثانية: التحوّل الهيكلي، والاستفادة من الانتحار الأوروبي (1914 – 1945). حينما استنزفت الحربان العالميتان الأولى والثانية مواردَ أوروبا المادية والبشرية (إذ كانتا في الأصل حربا قارّة واحدة)، كانت الجغرافيا حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة: بينما كانت بعيدة جُغرافيَّاً من مرمى الحربين ومركزهما، كانت ضالعة فيهما في جميع الجوانب المفيدة. في تلك الحقبة، بدأت الولايات المُتّحدة تصعد لتكون مركزاً صناعياً ومالياً جديداً، وتحوّلت من دولة مثقلة بالديون إلى أكبر دائن للعالم. وبسبب بُعدها من دمار المعارك، ظلّت بنيتها التحتية الصناعية سليمة بل وتطوّرت لخدمة المجهود الحربي. ويرجع جزء من تلك الفرصة التي وجدتها الولايات المتحدة إلى أنّ أوروبا إجمالاً كانت تنظر إلى أمريكا بوصفها امتداداً لها ولإرثها الرأسمالي التوسّعي تحت الراية الأوروبية الجامعة (باعتبار أنّ الولايات المتحدة مشروع استعماري استيطاني، أوروبي، ناجح وقديم، مثل أستراليا وكندا ونيوزيلندا). وكانت أمريكا خياراً سلساً أمام أوروبا لانتقال مركزيتها الصناعية وقوتها المالية، فلم تقاوم ذلك الانتقال كثيراً، إنْ لم تُعِنْه عملياً. شهدت هذه الحقبة ذاتها نهاية الاستعمار التقليدي، حين أدّت الحروب إلى تفكّك الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية تدريجياً، ما خلق فراغاً سياسياً واقتصادياً كانت الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على مَلئه.
الحقبة الثالثة: التنافس مع القطب السوڤييتي (1945 – 1970). لم تحرز الولايات المتحدة موقع السطوة العالمية الشاملة عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة، إذ برز الاتحاد السوڤييتي قطباً ثانياً في الوقت ذاته، وبذلك كانت أمريكا أحد قطبين عالميين. كانت الحرب الباردة هي سمة هذه الحقبة الثالثة إجمالاً، وشهدت صراعاً أيديولوجياً وعسكرياً بين القطبين، وسباقاً في التسلّح، وسباقاً في التطور التكنولوجي تَجسّد بوضوح في السباق نحو الفضاء. في هذه الحقبة، وعلى الرغم من التفوّق الاقتصادي الأمريكي العام، حالَ وجود حلف وارسو والقوة النووية السوڤييتية بين الولايات المتحدة والانفراد التامّ بالقرار الدولي، الأمر الذي أورَثَ العالم حالة توازن نسبي.
الحقبة الرابعة: سطوة الإمبراطورية الأمريكية (1970 – 2025). وهي الحقبة التي سمّاها البعض حقبة «السلام الأمريكي» (Pax Americana)، على وزن حقبة «السلام البريطاني» آنفة الذكر. هذه هي المقصودة بحقبة حياة الإمبراطورية الأمريكية. بدأت ملامح هذه الحقبة بالتشكّل منذ السبعينيّات مع «صدمة نيكسون» (فكّ ارتباط الدولار بالذهب) التي جعلت العملة الأمريكية أساس النظام المالي العالمي بلا منازع، وأُبرِمَت اتفاقيات البترودولار في الوقت ذاته (بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية)، وأدّت إلى ترسيخ مبيعات النفط حصرياً بالدولار الأمريكي، ما فرَض طلباً عالمياً على الدولار وجعله العملة الاحتياطية المُهيمنة. ثم كُرِّست حقبة الإمبراطورية الأمريكية كلياً مع انهيار الاتحاد السوڤييتي (1991). هذه هي الحقبة التي صرنا نعيش فيها تحت سطوة القطب الواحد، إذ وصلت السطوة الأمريكية فيها إلى ذروتها عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً وثقافياً. وعلى الرغم من صعود قوى جديدة كالصين، إلا أنّ الهياكل المؤسسية الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي) والقوة العسكرية المنتشرة عالمياً جعلت هذه الحقبة تحت النفوذ الأمريكي بلا منازع.
بَيد أن هذا الوضع صار يتزعزع، كما نشاهد الآن، على نحو يصحّ معه القول إنّ حقبة الإمبراطورية الأمريكية انتهت فعلياً، وإننا نعيش بقاياها الآن، إذ إنّ الحقب التاريخية لا تتبدّل فجأة، وتقضي سُنن التاريخ بأن تحمل الحقبة نقائضها في داخلها (ديالكتيك هيقلي-ماركسي بامتياز) وتنمّيها مع نمائها. في نفس هذه الحقبة الرابعة التي شهدت بروز أمريكا قطباً أوحد، راكمت دول شرق آسيا والدول المصدّرة للنفط ثروة أجنبية من خلال الفوائض التجارية، بينما بدأت العجوزات التجارية للولايات المتحدة ترتفع (أي ارتفاع واردات سوقها المحلي على صادراتها)، ذلك برغم استفادتها من «الامتياز الباهظ» للدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية رئيسة في هذه الحقبة [1].
إذا نظرنا إلى الأمر بهذا المنظور التاريخي، فإنّ المدّة التي يمكن فيها وصف الولايات المتحدة بأنها «الإمبراطورية المسيطرة بلا منازع»، قد بدأت فعلياً مع تفكّك الكتلة الشرقية وزوال القطبية الثنائية (1990/1991)، وانتهت فعلياً في 2025. ذلك يجعل عمر الإمبراطورية الأمريكية لا يتجاوز 35 عاماً؛ ثلاثة عقود ونصف من الهيمنة الكاملة والقطبية الواحدة التي لم تواجه فيها أمريكا قوة إمبراطورية موازية قادرة على توفير مظلة لنظام عالمي بديل. أما إذا تساهلنا قليلاً واعتبرنا أن الهيمنة بدأت تتشكل اقتصادياً منذ السبعينيات (بعد تراجع المنافسة الأوروبية والسوفيتية اقتصادياً)، يمكن رفع الحسبة إلى 55 عاما، لكن عسكرياً وسياسياً، تظل العقود الثلاثة الأخيرة هي الأبرز في التفرُّد بالقمة.
توقّعات قديمة
ليس هذا الاستنتاج جديداً، إنما تعجّ به فضاءات التحليل الاقتصادي-سياسي اليوم. وعندما نقول إنه ليس جديداً فنحن لا نتحدث عن السنتين الأخيرتين فحسب. في الواقع، الأمريكيون أنفسهم توقّعوا نهاية حقبة القطبية الأمريكية الواحدة منذ الفترة الثانية لحكومة أوباما. في ديسمبر 2012 صدر تقرير «الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة»، عن مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي [2]. يقدم التقرير استشرافات حول المستقبل المنظور، وفق دراسة الأنماط الحالية ومآلاتها المنطقية، باستخدام المتاح من سبل الاستقراء العلمي (كعلم البينات)، ليقدّم صورة عامة لأهم الاتجاهات العالمية، بغرض أن تتهيّأ لها الولايات المتحدة استباقاً.
أبرز ما جاء في التقرير المذكور – ولعلّه الأمر الذي جعله الأكثر مقروئية ونقاشاً من بين تقارير المجلس – توقّعه لتحول جذري في النظام الدولي، مؤكّداً أن «لحظة القطب الواحد» التي هيمنت عليها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة قد شارفت على الأفول. تحديداً، يُشير التقرير إلى أنه، بحلول عام 2030، لن تكون هناك قوة كبرى مهيمنة بمفردها، إنما ستنتقل السلطة العالمية عبر «توزّع القوة»، وتتراجع حصة الولايات المتحدة وأوروبا من الاقتصاد العالمي لمصلحة آسيا. ليس هذا التحوّل محض تراجُع أمريكي، بل هو صعود لبقية العالم. وهو صعود أكّدته دراسات وشواهد أخرى سابقة ولاحقة، وصار اليوم واقعاً. قال التقرير إنّ مؤشرات نهاية حقبة القطب الواحد ثلاثة: 1) انتقال الثقل الاقتصادي، وتوقع التقرير أن يتجاوز اقتصاد الصين اقتصاد الولايات المتحدة قبل عام 2030، ما يُنهي قرناً من التفوق الاقتصادي الأمريكي؛ 2) تمكين الأفراد، وفي هذا الشأن يقول التقرير إنّ تطور التكنولوجيا والتعليم سيزيد من نفوذ الأفراد والجهات غير الحكومية لتقلّ قدرة الدول الكبرى على إملاء سياساتها على باقي العالم عبر الضغط على الحكومات؛ و3) العجز المالي، إذ إنّ الضغوط الاقتصادية الداخلية في الشمال العالمي عموماً ستحدّ من قدرة أمريكا على ممارسة دَور «بوليس العالم». وقد خصّ التقرير الصين بالحديث، بحسبانها أبرز المنافسين القادمين للولايات المتحدة، وأنها ستنهي لحظة القطب الواحد. بعد الصين تأتي الهند والبرازيل، مع الإشارة إلى دَور متزايد في الاقتصاد العالمي لدول مثل كولومبيا وإندونيسيا وتركيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا. يصف التقرير هذا المشهد بأنه عالم متعدّد الأقطاب، تعتمد فيه القيادة الأمريكية على قدرتها على تكوين تحالفات مرنة بدلاً من السطوة المنفردة، ويَخْلُص إلى أنّ الولايات المتحدة ستظلّ وقتها «الأولى بين أنداد» بفضل قوتها العسكرية والتكنولوجية، لكنها لن تعود القوة الإمبراطورية التي تتحكّم في المسارات العالمية بلا منازع كما كانت سابقاً، وأنّ ذلك التغيير الكبير سيمهّد الطريق لنظام عالمي أكثر تعقيداً وتشرذماً.
عمُر صغير ورصيد كبير
رغم أنها إحدى أصغر الإمبراطوريات العالمية عمراً في التاريخ، إنْ لم تكن الأصغر، أثّرت الإمبراطورية الأمريكية في العالم على نحو غير مسبوق. وذلك التأثير في مجمله ممتلئ بالتناقضات العالية، لكن يمكن القول إجمالاً إنّ سماته الأساسية هي العنف المفرط والإتخام التكنولوجي والاجتياح الثقافي.
بياناً لسمة العنف المفرط، كانت الولايات المتحدة منذ بداياتها مشروعاً استعمارياً استيطانياً عنيفاً، أُسِّس على تجريد الشعوب الأصلية في أمريكا من أراضيها ومن ارتباطهم بها. وهناك تراكم واسع من الدراسات القانونية والتاريخية التي تكيّف الجرائم المرتكبة ضدّ الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية كـ«إبادة جماعية»، سواء أكانت بموجب القانون الدولي المعاصر أم من خلال التحليل القانوني بأثر رجعي. كذلك أُسِّس ذلك المشروع مادياً على استجلاب الرقيق وامتصاص قوة عملهم على نحو بالغ العنف. أخيراً، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 25 مارس 2026، قراراً تاريخياً يُصنِّف تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي والاتجار بالأفارقة المُستعبَدين على أنها «أفظع جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية» و«أشدّ أشكال الظلم اللاإنساني وأطوله أمداً». وفضلاً عن سهمها المادي الأكبر في تأسيس أمريكا، ارتُكبت تلك الجرائم وفق منظور استعلائي عرقيّ نادر. لئن كانت العنصرية مرضاً بشريّاً قديماً، فإن أستاذ التاريخ السياسي الأمريكي، هوارد زِن، يقول في كتابه «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة»: «لا يوجد بلد في تاريخ العالم كانت فيه العنصرية بذلك القدر من الأهمية، ولزمن مديد، مثل الولايات المتحدة» [3]. وبجانب الجرائم الداخلية، فالجرائم الخارجية جزءٌ لا يتجزأ من شخصية الولايات المتحدة وحقبة سيطرتها: منذ تدمير هيروشيما وناقازاكي بالقنبلتين الذريتين (في ما يُعتَبر لدى كثيرين أكبر جريمة حرب في التاريخ، باعتبار عدد المدنيين المقتولين دفعة واحدة، وباعتبار التأثير العابر للأجيال، وباعتبار طبيعة السلاح)، مروراً بحرب ڤييتنام (التي ألقت فيها الولايات المتحدة 7 ملايين طن من القنابل على ذلك البلد صغير الرقعة، بمعدّل 500 رطل من القنابل لكلّ مواطن ڤييتناميّ، وبما يصل إلى أكثر من 3 آلاف قنبلة وصاروخ لكلّ كيلومتر مربع في ڤييتنام؛ وذلك أكبر من جملة القنابل التي ألقيَت على أوروبا وآسيا في الحرب العالمية الثانية)، وسُنّة اغتيال وإزالة رؤوس الدول بالقوة (من تشيلي وحتى فنزويلا وإيران)، إلى جرائم الحرب «المألوفة» مثل التي ارتكبتها في ظرف أسابيع في حربها العدوانية التي شنّتها على إيران أخيراً، مثل شنّ الهجمات التدميرية على المرافق الصحية والتعليمية، خاصة تلك المأهولة بالأطفال. كذلك وثّقت دراسة محكّمة نُشرت عام 2025 أنّ العقوبات الأحادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا سيما بين عامي 1970 و2021، ترتبط بمعدل وفيات مرتفع، إذ تشير بعض التقارير إلى 38 مليون حالة وفاة، أثّرت على نحو غير متكافئ على الأطفال وكبار السنّ نتيجة للاضطرابات الاقتصادية [4]. ويُضاف إلى ذلك دعم الولايات المتحدة، المستمر والسافر، لأنظمة حكم قاهرة ومعادية لشعوبها أو ذوات رصيد متراكم في جرائم الحرب وغيرها، مثل إسرائيل.
في شهادته أمام لجنةٍ كوّنها بعض أعضاء الكونقرس الأمريكي [5]، في 1971، للتحقيق بشأن حرب ڤييتنام، كان الضابط الصغير حينها، جون كيري، شجاعاً وفصيحاً، فأدهش الإعلام الأمريكي وقتها وحقّق نقاط نصر كبيرة لحركة مقاومة الحرب داخل أمريكا. من أهم مقاطع شهادة كيري، وأبلغها وَقعاً، حديثه عن جرائم الحرب التي ارتكبها الجنود الأمريكان في ڤييتنام. وبطبيعة الحال، فهذه الممارسات لم تكن مقصورة على ڤييتنام ولم تنتهِ عندها، لأننا شهدنا توثيقات لمثلها في السنوات والعقود اللاحقة، في معتقلات مثل أبو غريب (العراق) وخليج قوانتانامو (في الأرض المسلوبة قسراً من كوبا). واللافت للنظر في أمر تلك اللحظات المهمة في تاريخ النزاع الداخلي الأمريكي حول حرب ڤييتنام هو أن هناك إرثاً قديماً، وليس ظاهرة جديدة، في السلوك الأمريكي: عنجهية إمبراطورية تجاه بقية العالم (بخاصة شعوبه الأضعف) مع تناقض رهيب بين خطابها الأخلاقي الذي تبيعه للعالم وممارساتها على أرض الواقع.
ومن مفارقات ذلك أنّ الإمبراطورية التي جسّدت ترهيباً نادراً للشعوب في حقبة تاريخية مهمّة، حتى صارت أحد أكبر أسباب ظهور حركات مقاومة ذات قواعد دينية متطرّفة في الجنوب العالمي، هي نفسها الإمبراطورية التي نصّبت نفسها صاحبة راية حرب القضاء على تلك الحركات المتطرّفة والمارقة على المجتمع الدولي، ذلك بينما ظلّ يتصاعد تأثير بعض التيارات الدينية المتطرّفة، اليهودو-مسيحية، على كواليس السلطة داخل الإمبراطورية نفسها. إنّ الرصيد الأمريكي الموثّق في العنف المفرط، داخلياً وخارجياً، عبر رحلة صعودها وهيمنتها، يُحْرِج كلّ من يحاول أن يدافع عنها ويلوّنها بلون دولة المؤسسات وجنة الديمقراطية واحترام القانون وبوليس العالم الراشد.
وفي شأن الإتخام التكنولوجي، صاحبت حقبة الهيمنة الأمريكية أكبر حقبة تسارع تكنولوجي جرى في التاريخ البشري، وبطبيعة كونها حقبة الإمبراطورية الأمريكية فإنّ قدراً كبيراً من ذلك التسارع جرى داخل أمريكا ذاتها أو عبر سلاسل القيمة العالمية ونظم البحوث والابتكار التي تتربّع أمريكا على قمتها، الأمر الذي جعل الربط بين أمريكا وذلك التسارع التكنولوجي يبدو بديهياً. وعلى رغم من أنّ نصيباً كبيراً من ذلك التسارع وقع ضمن حدود الولايات المتحدة، وضمن شبكات ونظم العلوم والابتكار المرتبطة بها، لكنّ تلك المتوالية الهندسية يصعب نسبها إلى الولايات المتحدة وكأنها إنجاز لها، فالتطور التكنولوجي إنجاز بشري إجمالاً ولا يكاد يخلو يوماً من تعدّدية مراكز الابتكار؛ بدليل تفوق الاتحاد السوڤييتي على الولايات المتحدة في الستينيات في منجزات تكنولوجيا الفضاء، وبدليل تفوّق الصين عليها في عدة قطاعات تكنولوجية مع بداية 2020 (وفق مؤشرات عالمية قوية كتقرير اليونسكو للعلوم 2021) [6]، وكذلك بدليل تفوق اليابان على الولايات المتحدة في قطاعات تكنولوجية مهمة، بين منتصف الثمانينيات ونهاية التسعينيات في القرن العشرين (رغم أنّ اليابان كانت وقتها تحت سطوة أمريكا اقتصادياً وسياسياً بوضوح، وهو أحد مخرجات الحرب العالمية الثانية). يضاف إلى ذلك أنّ النمو الأسّي للتكنولوجيا هو خاصية من خصائص التطوّر التكنولوجي عبر التاريخ. يشير النمو الأسّي (exponential growth) إلى النموّ الذي يصبح معدَّله أسرع فأسرع بما يتناسب مع العدد الإجمالي المتزايد أو الحجم، أي أنّ الشيء كلما زاد عدده/ حجمه الإجمالي فإنّ تسارعه يتضاعف مع تزايد ذلك العدد/ الحجم، الأمر الذي يقود إلى خلاصة مستمرّة: أن الزيادة اللاحقة ستبدو دوماً مُتسارعة بحدّة أعلى من الزيادة السابقة (والتسارع هنا يعني معدّل تغيّر سرعة التغيير بالنسبة للزمن)، وهكذا دواليك.
بَيد أنّ مشكلة هذا الإتخام التكنولوجي، الذي برز في حقبة الإمبراطورية الأمريكية، أنه إتخام يفوق الإشباع في سياقه الزمني ويفرض أعباء وتحديات ناجمة عن الزيادة غير المتكافئة مع السعة. وعلى الرغم من أنّ التطور التكنولوجي في مجمله مرتبط بالفائدة العامة، إلا أن استمراره وتسارعه يصعّب المواكبة الإدارية والاجتماعية له. على سبيل المثال، من الناحية التنموية، يرشّح هذا الإتخام التكنولوجي المجتمعات المتقدمة تكنولوجيّاً لأنْ تصبح هي المتقدّمة تكنولوجياً في المستقبل (إلا بعمل كبير من قِبل المجتمعات التي لم تكن متقدّمة تكنولوجيّاً لكسر هذه الحلقة، مثلما فعلت الصين وغيرها في العقود السابقة). ومع استخدام القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى قدراتها في حرمان الآخرين من الاستقلال التكنولوجي، فإنّ هذا الإتخام قد عمّق التبعية التكنولوجية والاقتصادية والسياسية في جملة الجنوب العالمي. وهو تحدٍّ يمكن تجاوزه، لكنه يحتاج إلى عمل كبير على المستويات المحلية في الجنوب العالمي [7]، بَيد أن علاقات القوى والإنتاج التي رسّختها الإمبراطورية الأمريكية مع مجتمعات الجنوب العالمي لم تكن مساعدة على تجاوز تلك التحديات؛ وربما يكون انحسار تلك الإمبراطورية فرصة لتلك المجتمعات لتغيير هذا المشهد.
أما الاجتياح الثقافي، فقد كان سهم العولمة فيه كبيراً. إذا عرّفنا «العولمة»، باختصار، بأنها عملية تداخل واعتماد متبادل بين شعوب العالم، مدفوعة بتدفّق رؤوس الأموال والبضائع التجارية عبر الحدود، ما جعل العالم يبدو أحياناً «قرية صغيرة» (في بعض الجوانب، كأنماط الاستهلاك والخدمات، لكنه ليس قرية صغيرة في توزيع السلطات والقدرات والحقوق)، فإنّ دَور الولايات المتحدة كان المحرّك والمهندس الرئيس لها، وذلك بوصفها إمبراطورية الحقبة؛ إذ إنها صَمَّمت المؤسّسات المالية والتجارية الدولية (كصندوق النقد والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية)، وفرَضت نموذجها الرأسمالي النيوليبرالي، وقادت التقدّم التكنولوجي الرقمي فيها (الذي أدّى دَوراً مركزياً في تعزيز العولمة منذ تسعينيات القرن الماضي). كذلك ساهمت سطوة الدولار في صياغة عولمة ذات طابع أمريكي بامتياز. كل ذلك جعل استقبال العولمة، والانخراط فيها، يتطلب غالباً التوافق مع المعايير والقيم الاقتصادية والسياسية الأمريكية. مع هذا، كانت أهم منتجات أمريكا الاستهلاكية هي الإنتاج الإعلامي الغزير، وانتشاره الواسع، وتضمين ذلك الإنتاج في سلاسل قيمتها وسوق منتجاتها العالمي. ساهم ذلك في جعل التأثير الثقافي الأمريكي حول العالم غير مسبوق في التاريخ. وبوصفها وريثةً لأوروبا استفادت أمريكا من حقبة التوسّع الاستعماري الرأسمالي الأوروبي لتكون امتداداً لتلك الهيمنة الثقافية الاستعمارية، فأفضى ذلك إلى عالم يعرف الناس في أقاصيه من تفاصيل الثقافة الأمريكية ما قد لا يعرفونه عن الثقافات والمجتمعات المجاورة لهم؛ بل تولّدت جيوب ثقافية داخل بلدان العالم المتنوّعة تعرف وتتابع مجريات المجتمع الأمريكي وإعلامه بينما تغترب أو تكاد عن مجتمعاتها المحلية. كذلك صار التأثّر بأنماط الاستهلاك الأمريكية صرعة عالمية طويلة الأمد.
ومن أثر ذلك الاجتياح الثقافي، القبول الواسع في المجتمعات حول العالم لمزاعم أمريكا عن نفسها، مثل أنها نموذج كبير، النموذج الأكبر، في حرية التعبير والحركة وفي الديمقراطية، وما إلى ذلك. ذلك بينما يقول عدد من ناقدي التاريخ الأمريكي إنّ مَن يطّلع على ذلك التاريخ، وتجلّياته في الواقع، بما يتجاوز السطح، يستطيع أن يرى أنّ للحرية والحركة سقوفاً صارمة في الولايات المتحدة؛ وهي سقوف تُجسّد نفسها بفصاحة في واقعها. مثلاً، تؤكِّد هذه الخلاصةَ دراسةٌ من جامعة برنستون، نُشِرت في 2014، موضحة أنّ التأثير على السياسات العامة في الولايات المتحدة منحصر لدى الصفوة الاقتصادية ومجموعات المصالح التابعة للأعمال (وهؤلاء يمثّلون حوالي 10% من مجمل المواطنين)، أما بقية المواطنين (90%) فليس لهم تأثير يُذكر، ويسري الأمر على قضايا السياسات العامة ومستوى شعبيتها (أو نسبة الدعم لها بين المواطنين)، أي أنّ مستوى الدعم الشعبي للقضية ليس له أيّ أثر ملحوظ على احتمالية أن تمرِّر السلطات التشريعية القضايا إلى قوانين أو أحكام رسمية [8]. ما تَخْلُص إليه الدراسة، باختصار هو دعم الخلاصة القائلة إنّ الولايات المتحدة ليست ديمقراطية، وفق التعريف العام للديمقراطية (حكم الشعب بواسطة الشعب لأجل الشعب)، وإنما هي نظام سياسي تتركّز السلطة الملموسة فيه بأيدي الصفوة الاقتصادية التي تشكّل أقلية إحصائية واضحة. المُسمَّى الآخر لهذا النظام هو الأوليغاركية أو حكم الأقلية.
لكنّ رصيد أمريكا، كما ذكرنا، مُمتلئ بالتناقضات، وذلك يعني أن هناك رصيداً إيجابياً ومهمّاً وديناميكيّاً إلى جانب ما جاء آنفاً: لكلّ سمة من السمات الثلاث المذكورة آنفاً نقيضها في أحشاء الإمبراطورية وفي تجلياتها. هناك توازنٌ وَلّدته تفاعلات الليبرالية الاجتماعسياسية مع الرأسمالية في أوروبا وأمريكا؛ فمساحات البحث العلمي والدراسات الموضوعية في الولايات المتحدة كبيرة ومتشعّبة، ووفق ذلك خرج منها إنتاج مهمّ ومفيد للبشرية جمعاء. ورغم أنّ الإنتاج البحثي الأمريكي لا يحظى بالانتشار العالمي لمواد الاستهلاك الثقافي التي يبثّها الإعلام الأمريكي المهيمن، إلا أنّ من يتسنّى لهم أن يتابعوا وينهلوا من هذا الإنتاج البحثي يحظون بفائدة عامة ملموسة. من تلك الفائدة أنّ لدى الدوائر البحثية والنقدية الأمريكية رصيداً مُحترماً في النقد الذاتي لسيرة الولايات المتحدة، داخلياً وخارجياً، يمكن أن نتعلّم منه كثيراً (نتعلّم منه عن أمريكا ونتعلم منه عن النقد الذاتي أيضاً). كما ينبغي أن نتذكّر أن ذلك العنف المفرط، المُوْدَع في تركيبة الإمبراطورية الأمريكية وأسلوب السلطة فيها، لم يمنع كثيراً من منسوبي الشعب الأمريكي ذوي الضمير الحيّ من تحدي السقوف التي فرَضَتها، ومواجهة النتائج. وحين نراهم يتحدّون تلك السقوف، يجدر بنا أن نتذكّر أنّ هؤلاء المقاومين الأمريكيين، وإرث المقاومة الذي بنوه ويبنونه، قد تولّدوا من تحدي السلطات الأمريكية كما تتحدّى بقية الشعوب الثائرة حول العالم سقوف التعبير المفروضة عليها من حكوماتها. ويمكن أن نفهم أنّ الولايات المتحدة تتصرّف مع معارضيها الداخليين بطرق متعدّدة تليق بإمبراطورية كبيرة وأخطبوطية القدرات مثلها، وليس بالضرورة كما تتصرّف السلطات الغاشمة الأخرى في البلدان الأخرى. على سبيل المثال لا الحصر، يكفي أن نعرف أنّ لهذا البلد أكبر معدّل مساجين بين مواطنيه في العالم قاطبة – أكثر من جميع الدول الأخرى غير الديمقراطية – وأنّ نظامه العدلي ممتلئ بحالات الظلم والعنصرية وتقييد الذين يهدّدون للنظام بطرق شتى.
لأجل كلّ ذلك، وغيره، بدَت الحقبة الأمريكية الإمبراطورية، القصيرة نسبياً، طويلة جداً بمعايير مَن عاشوها، إلى درجة أنّ بعض الناس صاروا عاجزين عن تخيّل عالم لا تكون فيه أمريكا هي القوة الرهيبة المهيمنة التي ترسم لمساراته.
كيف يبدو المستقبل ما بعد حقبة «السلام الأمريكي»؟
تحدّث المفكر الاقتصادي ومحلّل السياسات العامة والأستاذ الجامعي الأمريكي، جيفري ساكس، في محاضرة عن التحولّات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى ونهاية الهيمنة الغربية (يُقصَد بالغرب هنا أمريكا الشمالية وأوروبا تحديداً، مع الهيمنة الكبرى للولايات المتحدة) [9]. عُقِدت المحاضرة في يناير 2026، بمعهد الصين بجامعة فودان، بعنوان «بروز آسيا: الماضي والحاضر والمستقبل»، ورسم فيها ساكس خريطة طريق لفهم التحوّلات الجيوسياسية الكبرى، مؤكّداً أنّ الهيمنة الغربية قد بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة منذ ربع قرن، رغم إنكار دوائر صنع القرار في واشنطن هذا الواقع (وهذا يشير إلى الديالكتيك التاريخي الذي ذكرناه آنفاً، ففي الفترة ذاتها التي بلغت فيها الإمبراطورية الأمريكية أوج هيمنتها كانت عناصر انحسارها قد بدأت تتشكّل بموجة قوية). يرى ساكس أنّ وهم التفوق التكنولوجي الأمريكي لم يعد قائماً في أي مجال تقريباً، وأنّ صعود آسيا يمثل العودة الطبيعية للمسار التاريخي الذي انقطع خلال «قرن المهانة» (كما تسمّيه الأدبيات السياسية والتاريخية الصينية)؛ فبعد أن كانت آسيا تمثّل 60% من حجم الاقتصاد العالمي عام 1820 (مثلما كانت تمثل النسبة ذاتها من تعداد سكان الكوكب)، تراجعت بفعل الاستعمار والحروب لتصل إلى 18% فقط بحلول منتصف القرن العشرين، حين جاءت الفترة التي شهدَت ما وصفه بـ«الانتحار الأوروبي» عبر حربين عالميتين، الأمر الذي مهّد الطريق لبروز الولايات المتحدة قُوّةً مُهيمنةً وحيدة. إلا أنّ نقطة التحوّل الحقيقية بدأت كذلك في منتصف القرن العشرين مع استقلال الصين والهند، ليتصاعد المؤشّر البياني الآسيوي بقوة، مُحقّقاً توقّعات ساكس في كتابه «آسيا الناشئة» الذي صدر عن بنك التنمية الآسيوي في 1997 [10]، حين قفزت حصّة القارة من الناتج الإجمالي العالمي لتشكّل نصفه بحلول عام 2025، بل إنّ الصين تجاوزت الاقتصاد الأمريكي بمعيار القدرة الشرائية منذ عام 2018 وبفارق يصل إلى 30% حالياً، ما يجعل الإصرار الأمريكي على اعتبار الاقتصاد «لعبة صفرية» صراعاً عبثياً مع الواقع، إذ إنّ تحسُّن مستويات المعيشة في الصين بفضل التطور التكنولوجي يمثل مكسباً للعالم أجمع، والتراجع الاقتصادي الداخلي في المجتمع الأمريكي، في السنوات الماضية، يعود إلى فشل السياسات الأمريكية التوزيعية وليس إلى النمو الاقتصادي للآخرين.
يرفق ساكس رؤيته المستقبلية المستبشرة تلك بتحذير شديد اللهجة ومهمّ جداً، ويتعلّق بالفجوة العميقة بين العقلية السياسية في واشنطن والواقع العالمي الجديد؛ فبينما يظنّ القادة الأمريكيون أنهم لا يزالون يمسكون بزمام الأمور وأنهم قادرون على فرض الشروط وشدّ «قبضة خانقة» على التكنولوجيا، يُثبت الواقع أنّ هذه القبضة قد تراخت تماماً. يقول ساكس إنّ الخطر الأكبر الذي يتهدّد البشرية اليوم ليس صعود قوة على حساب أخرى، إنما هو «الغباء السياسي» الذي قد يجرّ العالم إلى حروب كارثية نتيجة عدم قبول النخب الغربية لانتهاء زمان هيمنتهم.
وينتقل ساكس إلى تحليل المستقبل الديموغرافي الذي سيعيد تشكيل وجه البسيطة بحلول عام 2100، إذ يَتوقّع انفجاراً سكّانياً في أفريقيا ليصل تعدادها إلى 3.7 مليار نسمة، اعتماداً على إحصائيات واستطلاعات الأمم المتحدة. ذلك في مقابل انكماش سكّاني في الصين وتراجُع حادّ في الثقل البشري للغرب الذي لن يمثل سوى 10% من سكّان العالم، بينما تسيطر آسيا وأفريقيا على 80% من التركيبة السكّانية الدولية، ما يفتح الباب أمام شراكة استراتيجية كبرى بين «العملاقين الصيني والأفريقي» لرفع حصة الأخير من الاقتصاد العالمي إلى 30%.
ما أشار إليه ساكس بخصوص النموّ السكّاني الأفريقي مهمّ، إذ إنّ تعداد سكّان أفريقيا يشهد نمواً سريعاً؛ وتشير التوقّعات العالمية إلى أنهم سيشكّلون ما يقارب 25% إلى 26% من تعداد سكاّن العالم بحلول عام 2050، وأكثر من ذلك بحلول عام 2100. وبناءً على ذلك، فمن المتوقّع أن تستحوذ أفريقيا على 85% من الزيادة في عدد السكّان في سنّ العمل (15-64 عاماً) بحلول عام 2050 [11]، بينما تواجه معظم الأقاليم الصناعية حول العالم، التي يقصدها المهاجرون حالياً، انخفاضاً في عدد السكان. هذه التوجّهات تُهيّئ أفريقيا لتحوّلات اقتصادية مهمة، وتُشير إلى ديناميكيات ناشئة في المستقبل القريب تُبرز أهمية حلول سياسات الاحتفاظ بالكفاءات الأفريقية، أي توفير أسباب بقاء العمالة الماهرة في شتى القطاعات الإنتاجية والابتكارية، من متلقي التعليم والتدريب العالي من سكّان القارة، ترياقاً لمشكلة هجرة العقول الأفريقية في العقود الماضية. إذا نجحت هذه السياسات، ومع زيادة النموّ السكّاني الأفريقي كما جاء آنفاً، يُمكنها أن تُعيد تزويد أفريقيا بالكفاءات المحلية المتميزة والمطلوبة لرفع معدلات النمو الاقتصادي وتفجير الطاقة الكامنة لأفريقيا بقدرات أهلها.
عندما نجمع الأنماط والحقائق المذكورة آنفاً، تظهر لنا ديناميكا مستقبلية مختلفة جداً عن الحاضر وعن الماضي القريب. إنّ الديناميكا الماثلة أمامنا لا تخلو من تحديات، خاصةً أمام أفريقيا. منها تحدّيات داخلية (كصراعات التحوّل السياسي والأولويات التنموية)، ومنها تحديات خارجية (وأهمّها مطامع القوى العالمية في أفريقيا ومصالحها في بقاء شعوب القارة على حالة من الاتكالية وفقدان البوصلة)، ومنها التحديات المختلطة. ووفق ما يحصل مع هذه التحديات، وكيف نتصدّى لها، فإن أفريقيا موعودة إما بمستقبل يستحقّ كلّ ما نبذله من أجله الآن، أو بمستقبل يستحقّ كلّ ما نبذله في محاولة تفاديه الآن. في كلا الحالين، أفريقيا في غاية الأهمية، بما يبرر ويحفّز الاستثمار فيها.
وداعا أمريكا؟
ليس بعد. ليس تماماً. لا تعني نهاية الإمبراطورية الأمريكية، القطب الأوحد، خروج أمريكا تماماً من المشهد العالمي. بل ربما، ولبعض الوقت، يكون حضورها أكبر وأخطر. من أسباب ذلك أنّ ميراث العنجهية الأمريكية وعنفها الإمبريالي يجعلانها شديدة الخطورة وهي تواجه سيناريو خسارتها للعرش، حتى لو كانت تعلم سلفاً بقرب حدوث ذلك السيناريو، وحتى لو تركت العرش فارغاً (إذ لا نتوقع أن تكون هناك إمبراطورية عالمية جديدة بديلة لأمريكا، إنما عالم جديد يتشكّل بتعدّد أقطاب جديد). إلى جانب ذلك، ستبقى الولايات المتحدة مزيداً من الزمن مؤثرة في المشهد العالمي، وبكلّ تناقضاتها، وستبقى مركز ثقل تكنولوجي واقتصادي وسياسي. لكنها لن تشكّل المشهد العالمي وفق إرادتها المفردة بعد الآن. وربما تكون كذلك مقبلة على فترة من الانشغال عن المشهد العالمي بتناقضاتها الداخلية، إذ إنّ للشعب الأمريكي حسابات لتصفيتها مع حكومته ومع نخبه الحاكمة. وربما يأتي ذلك الانشغال الداخلي بخير، على الشعب الأمريكي وعلى العالم… إذا لم تُرتكَب حماقة كبرى قبل حدوث ذلك.
في عموم الأحوال، من الخطورة بمكان اتخاذ الولايات المتحدة معياراً للمجتمعات التي نَصْبو لها في بلداننا، في الجنوب العالمي. لأنّ اتخاذها معياراً يشير إلى عجزٍ كبير في الخيال والبوصلة الأخلاقية معاً. ليس هناك معيار إنساني وعقلاني يُفضي إلى أن تقف الطموحات البشرية عند عتبة «الحلم الأمريكي». من يقول بهذا، ولو بخجل، يتورّط في ابتذال الأمور وسوء التقدير، وضعف المعلومة، على نحو ينبغي ألا يؤهّله للتبشير بعالم جديد لشعوب الجنوب.
لزمن طويل، شهدنا أفواجاً من روّاد قضايا حقوق الإنسان والتحوّلات الديمقراطية في الجنوب العالمي يَستلهمون نموذج الإمبراطورية الأمريكية، علناً أو ضمناً، وكنّا نجد لكثير منهم بعض العذر، في المستوى الشخصي، ففي عهود البلبلة تختلط الموازين، رغم كثرة المعلومات وإمكانات الحصول عليها، من مصادر متنوّعة، على نحو لا سابق له في التاريخ. لكنّ أسباب العذر صارت تتناقص بوضوح في الآونة الأخيرة، بتأثير أفعال وأقوال أمريكا نفسها أكثر من غيرها، حتى أوشكت الأعذار أن تتلاشى.
مراجع
[1] قصي همرور، 2026، «كيف اغتنى الشمال العالمي بموارد الجنوب؟ بحث اقتصادي جديد ينصف الأدبيات الأفريقية والجنوبية السابقة»، مجلة أتر، العدد 112 (فبراير)، صفحات 47-56. http://atarnetwork.com/?p=21604
[2] National Intelligence Council. 2012. Global trends 2030: Alternative worlds. U.S. Government Printing Office. https://www.dni.gov/files/documents/GlobalTrends_2030.pdf
[3] Howard Zinn. 1980. A People’s History of the United States: 1492 – Present. HarperCollins Publishers.
[4] Francisco Rodríguez, Silvio Rendón, and Mark Weisbrot, 2025. ‘Effects of international sanctions on age-specific mortality: a cross-national panel data analysis.’ The Lancet Global Health, 13, e1358-66.
[5] John F. Kerry, “Vietnam Veterans Against the War,” Speech before the U.S. Senate Committee on Foreign Relations, 22 April 1971.
[6] Sudan Schneegans, Jake Lewis, and Tiffany Straza. 2021. “The Race against Time for Smarter Development.” In UNESCO Science Report: The Race against Time for Smarter Development. UNESCO Science Report 2021.
[7] قصي همرور، 2021، السلطة الخامسة: نحو توطين التكنولوجيا. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم.
[8] M. Gilens and B. Page. 2014. ‘Testing Theories of American Politics: Elites, Interest Groups, and Average Citizens.’ Perspectives on Politics, 12(3), 564-581.
[9] Jeffrey D. Sachs, ‘The Rise of Asia: Past, Present, and Future.’ Keynote lecture at The China Institute at Fudan University, 19 January 2026.
[10] Asian Development Bank. 1997. Emerging Asia: Changes and challenges. Asian Development Bank Manila, Philippines.
[11] United Nations. 2022. World Population Prospects 2022: Summary of Results. United Nations.



