عرضٌ لكتاب: Feminist Theory: From Margin to Center: Bell Hooks, Boston: South End Press, 1984.
«إنَّ هذه النوازع الثورية يجب أن ترفد نظريتنا وممارستنا بحرّية، إذا ما أريد للحركة النسوية الرامية لإنهاء الاضطهاد القائم أن تتقدّم، وإذا ما أردنا تحويل واقعنا الراهن».
ــ بيل هوكس (1952-2021)
بعد أن أصدرت بيل هوكس كتابها الأول ain’t I a woman: black women feminism «ألستُ أنا امرأة؟: نسوية النساء السود» في 1981، ألحقته في 1984 بكتابها الثاني هذا Feminist Theory: From Margin to Center «النظرية النسوية من المركز إلى الهامش»؛ الذي جاء تعزيزاً لفلسفتها حول النظرية النسوية من وجهة نظر النساء السود. تكتب في افتتاحيته إنها كانت في التاسعة عشرة من عمرها عندما كتبت كتابها الأول، ونُشر بعدها بعشر سنوات تقريباً، كانت خلالها أكثر انخراطاً في بناء النظرية النسوية، وهو ما شجّعها على تأليف هذا الكتاب.
بيل هوكس هو الاسم الأدبي للكاتبة والمفكّرة والناشطة النسوية الأمريكية غلوريا جين واتكينز التي اختارت اسم «بيل هوكس» تيمّناً بجدَّتها الكبرى. تُعرَف هوكس بدافعها المستمَدّ من نضال النساء السود وشرح تقاطعات الطبقة والجندر والعِرق والهُوية. في كتاب «النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز» الذي ينقسم إلى 12 فصلاً، تتناول هوكس كيف تؤثر تلك التقاطعات في بناء حركة نسوية تتحدّث إلى جميع النساء، بالأخص النساء السود، الفقيرات والمهمّشات.
تقودنا هوكس في الفصل الأول «النساء السود: تشكيل النظرية النسوية» إلى سرد تاريخي حول الحركة النسوية وكيف حوّلتها النساء البرجوازيات البيض إلى وظيفة أو وصف لهنّ يتمحور حول حياتهن ومَطالبهنّ التي كانت بعيدة كلّ البعد عن مَطالب النساء الفقيرات والنساء السود والملونات عموماً. تنتقد هوكس كتابات مثل بيتي فريدان Betty Friedan في كتابها The Feminine Mystique (1963) الذي تتحدث فيه بسذاجة حول كونهنّ، بوصفهن نساء بيضاً، قد تعبن من الروتين في حياتهنّ، وأنهنّ يُردن أن يَنلن ما هو أكثر من أطفالهنّ وأزواجهن، وأنهنّ في حاجة إلى وظائف. تجادل هوكس هذه النظرة لحاجات النساء بأنها نظرة لا يبدر في بالها من الذي سيهتم بهؤلاء الأطفال وبالمنزل عندما تخرج النساء البيض إلى العمل، من الذي سوف يأخذ عبء العمل المنزلي عن عاتق النساء البيض. وترى هوكس أنّ أشدّ ما يميّز عنصرية بيتي فريدان وتعالي نظرتها هو حقيقة أنّ النساء في ذلك الوقت كنّ حاضرات بوضوح ضمن القوى العاملة؛ النساء السود، والنساء الملونات، والنساء الفقيرات، يَتُقن إلى البقاء في المنزل بين أسرهن بدلاً من قضاء ساعات في أعمال مرهقة ومتعبة بأجر بخس. لكنّ فريدان لم تكن ترى هؤلاء النساء؛ تقول هوكس، لذلك أقصتهنّ عن كتابها. ومع ذلك، ترى هوكس أنه من الضروري قراءة مثل هذه الكتابات حتى نعرف وندرك الخلل في بنية الحركة النسوية في الولايات المتحدة التي بنيت على فانتازيات النساء البيض.
تقتبس هوكس من كارول إرليش: «على النساء أن يدركن (وهن يُمنعن على نحو متزايد من المعرفة) أن النسوية لا تعني ارتداء ملابس تضمن النجاح، أو أن تصيري مديرة تنفيذية في شركة، أو أن تتولَّيْ منصباً انتخابياً؛ كما أنها لا تعني القدرة على العيش في زواج يعمل فيه الزوجان معاً، والذهاب في إجازات للتزلج، وقضاء وقت طويل مع زوجك وطفليك اللطيفين، لأنّ لديك خادمة منزلية تجعل كلّ هذا ممكناً لك».
تنتقد هوكس مصطلح «القمع المشترك common oppression» بشدّة، وتجده سبباً رئيساً في عدم رغبة انخراط كثير من النساء في الحراك، وذلك لأن المعاناة ليست واحدة. تقحم النساء البيض هذا المفهوم حتى لا يضطررن لمناقشة قضايا عالقة وحقيقية، مثل العنصرية والفقر، وتَقاطعها مع ما تعيشه النساء في مناطق مختلفة. تؤكّد هوكس أنّ الحركة النسوية هي حركة لإنهاء الاضطهاد والتمييز الجنسي، ومع ذلك يجب أن يجري تفكيك أشكال الاضطهاد التي تقع على النساء والرجال معاً بسبب المفاهيم الاجتماعية والنظام الذكوري والرأسمالي، وأنّ محاولة صناعة عدوّ واحد مشترك مثل «الرجل» تعيق من تقدّم الحركة وتمنع جزءاً كبيراً من النساء من الانخراط فيها بسبب تقاطع ما يتعرّضن له في حياتهن اليومية. وترى أنّ النساء البيض خلقن هذا العدوّ المشترك «الرجل» لأنهنّ يُرِدْنَ أن يتساوَين مع الرجل الأبيض في السلطة والقوة، ولم تكن تهمّهن بقية القضايا التي تخصّ النساء اللائي لسن بيضاً أو برجوازيات.
تكتب هوكس: «إنّ الأفراد الذين يناضلون للقضاء على التمييز الجنسي بدون دعم النضالات التي تهدف إلى إنهاء العنصرية أو التمييز الطبقي يضعفون جهودهم الخاصة. والأفراد الذين يناضلون للقضاء على العنصرية أو التمييز الطبقي، بينما يدعمون الاضطهاد الجنسي، يساعدون في الحفاظ على الأساس الثقافي لجميع أشكال القمع الجماعي».
يتدرّج نقد هوكس للنساء البرجوازيات البيض إلى آخر فصل في الكتاب، وهو نقد ينبع من اعتقادها بأنّ الحركة النسوية في الولايات المتحدة خرجت من مركزية بعيدة عن النساء اللائي يتعرّضن حقاً للاضطهاد والظلم والضرب والقهر والتمييز الجنسي والطبقي والعِرقي. لذلك تحاول خلق مركزية موازية لمركزية النساء البيض البرجوازيات، عبر الحديث عن النساء السود، والنساء الملونات، والنساء الفقيرات، بعامة، والرجال السود الذين تعرّضوا أيضاً للاضطهاد من قِبل النظام في الدولة.
تطرح هوكس فكرة أكثر جرأة، وهي كيفية تعريف النساء السود في ذهن النسويات البيض. تقول إننا كنساء ونسويات سود لم نطرح تساؤلات جادّة حول الدَّور الذي وُضع لنا داخل الحركة النسوية: أن نروي تجاربنا لتكون وثائق تستخدمها النساء البيض لتعزيز وإثبات حقيقة أنّ هنالك تمييزاً وعنفاً موجَّهاً ضد النساء في أطروحاتهنّ، لكن لا يؤخذ بنا كصانعات لتلك المعرفة ومنتجات لها، بل لا تنظر النساء البيض إلى السود رفيقاتٍ في النضال، إنما كان هناك إصرار مستمرّ على إثبات أنهنّ من مَنَحْنَ النساء السود حقّ المشاركة في الحركة. تتطرّق هوكس أيضاً إلى التنميطات المتعلّقة بتركيبة المرأة السوداء مثل وصفهنّ بأنهنّ «غاضبات» دوماً أو أنهنّ «قويات». ومثل تلك الأوصاف، غير أنها تنبع من تنميط عنصري وطبقي، فإنها محاولة لإظهار النساء البيض لأنفسهنّ بأنهن «أكثر رقّة»، «ضعيفات ومضطهدات» أي أنهنّ أكثر حاجة إلى حراك يدافع عنهنّ وعن قضاياهن.
في فلسفة هوكس، أعلى من لديه السلطة للاضطهاد هو الرجل الأبيض. وتشرح كيف أنّ نظام الهيمنة والتسلّط والسّلطة هو أساسُ ما قامت عليه المجتمعات الغربية، وقد أثّرت هذه على بقية الأنظمة والمجتمعات الموجودة في العالم. تقول إنّ معظم النساء السود والرجال السود يتحدّثون عن «دائرة العنف» في حياتهم اليومية، وتشرح ذلك بأنّ الرجل الأسود الذي يضطهد زوجته وأطفاله هو بالأصل مُضطَّهَد في مكان عمله وفي حياته خارج المنزل من قِبل الرجل الأبيض الذي يفوقه في السلطة، لذلك يجد الرجل الأسود في المنزل مساحة لـ«تنفيس غضبه» عن طريق إعادة ممارسة العنف، وهكذا هو الحال حتى في تكوين الأسرة بين الأب والأم والأبناء. تُجادِل هوكس ضدَّ تقديس النساء أو الأم، لأنه يُزيح عنهنّ مسؤولية امتلاك السلطة أحياناً وممارسة العنف أحياناً أخرى، وإن كان لا يضاهي ممارسة الرجال لنفس السلوك. ومن ثمّ تتعّمق في مفهوم العسكرة، وتشرح كيف ترى النساء أنّ الحروب والعنف أفعال تمثّل «الرجال»، منبّهةً إلى أنّ النساء قد حاربن جنباً إلى جنب الرجال، وشجّعت النساء البيض السياسات الإمبريالية في أمريكا، وتشجع النساء أطفالهنّ على العنف كنوع من الشجاعة، ويمارسن العنف على أطفالهنّ كنوع من «المحبة والرعاية»، أي أنّ الأسرة هي أول من تُعلّم الأطفال مفاهيم مثل التراتبية والسلطة. تشجّع هوكس الحركة النسوية على العمل في إصلاح هذا الخلل الموجود داخل الأسر، وتقول إن النسوية لم تأتِ لتهدم الأسرة إنما كي تعيد توزيع علاقات القوة والأدوار داخل تلك الأسر.
تشير في فصل «الرجال: شركاء في النضال» إلى أهمية الإشارة إلى الدَّور الذي أدّاه الرجال السود في حركات التحرّر والمقاومة بجانب النساء السود. لا تُنكر هوكس حقيقة ما تتعرَّضُ له المرأة السوداء من قِبل سلطة الرجل الأسود، لكنها تريد أن تثبت أنّ ما مَرَرْنَ به مختلف تماماً عن علاقة المرأة البيضاء مع الرجل الأبيض. وفي سياقات كثيرة تُسيطر المرأة البيضاء على الرجل الأسود، وتنعدم سلطة المرأة البيضاء في حال وجود رجل أبيض أو إذا كانت فقيرة. يُمكن أن نفهم ذلك أكثر في حديثها عن علاقة المرأة السوداء بالمجتمع والأسرة، إذ إنها تصفها بأنها علاقة حميمة وآمنة، لأن المجتمعات السوداء ظلّت تتحرّك لوقت طويل كجماعات وأسر، لذلك تتفهّم هوكس عدم رغبة النساء السود أو انزعاجهنَّ من طرح النسويات الذي يتعلّق بعلاقتهنّ مع الرجال والأسرة والعمل داخل المنازل، وأنّ النساء السود كنّ ليَخترن العمل المنزلي بدلاً من العمل في الحقول أو المصانع، وإن كان العمل المنزلي غير مدفوع الأجر فإنه يُعيد إليهنّ الدفء والإحساس بالانتماء إلى شيء يخصهنّ، وهو المنزل.
ناقشت هوكس مواضيع كثيرة ومهمّة، ولا يمكن بأي حال تناوُلها جميعاً في هذه القراءة، ولعلّ أبرزها أهمية العمل بالنسبة للنساء كفعل تقدير للذات، وأهميّة الأُختيّة بعيداً عن تربّصات النساء البيض البرجوازيات، لأنها أداة تضامُن نسويّ ضروريّ لتقدّم الحركة النسوية. وناقشت ضرورة التعليم للنساء، وشرح وتبسيط المصطلحات للنساء غير المتعلمات، حتى يَستطعن فهم ما تقوله النسويات، واقترحت استخدام وسائل تعليمية أخرى غير مكتوبة. كما تحدّثت عن ضرورة الثورة النسوية، وأنّ النساء ما زلن في مرحلة «الانتفاضة rebellion» وهي مختلفة تماماً عن الثورة التي تقوم على أسس ومطالب واضحة وتسبقها عملية تعليمية وصناعة للمعرفة.
في يوم 15 ديسمبر 2021 رحلت بيل هوكس وبقيت أحرفها وأطروحاتها، وستبقى أساساً مرجعياً للحركة النسوية السوداء واعترافاً بنضال النساء السود وتقاطع قضاياهنّ. تكتب في افتتاحية هذا الكتاب: «الثورة النسوية أمرٌ ضروريّ إذا أردنا أن نعيش في عالم خال من التمييز الجنسي؛ عالم يسوده السلام والحرية والعدالة؛ عالم خال من الهيمنة. وإذا سلكنا طريق النسوية فهذا هو ما سيُؤدّي إليه. وسيبقى «النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز» دليلاً يرشدنا».

