في ظل التحوُّلات الكبيرة التي يشهدها السودان، تبرُزُ أهميّةُ فهم تاريخ الحركة النسوية وتطوُّراتها. أجرت «أتر»، هذه المقابلة، مع الكاتبة والباحثة النسوية فاطمة بابكر محمود، حول كتابها «الاتجاهات الفكرية في الحركة النسوية السودانية»، الصادر في العام 2008، لتُناقش مسار الحركة، وتحدياتها، وأدوارها في الحاضر.
وُلدت فاطمة بابكر في أغسطس 1946م، وتخرّجت في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية قسم الاقتصاد والعلوم السياسية، بجامعة الخرطوم عام 1971، وحازت على درجة الدكتوراة من جامعة «هَلْ» بإنجلترا عام 1978. مبكراً في الستينيات، انضمّت إلى فريق تحرير مجلة «صوت المرأة»، وتقلَّدت رئاسة مؤسسة منظمة تحرير المرأة الأفريقية (PAWLO) التي تأسست في العام 1994، وكانت عضوة بالمجلس الاستشاري التحريري لمجلَّة «الدراسات الجنسانية».
لها من الكتب المنشورة «المرأة الأفريقية بين الإرث والحداثة» (2002)، و«الرأسمالية السودانية: أطليعة للتنمية؟» (رسالة الدكتوراة وصدرت في كتاب عام 2006 عن معهد البديل الأفريقي -لندن)، و«الجنس والجنسانية واستغلال المرأة السودانية» (2012)، وغيرها من الدراسات. تعيش فاطمة بلندن منذ عام 1987.
ما الدافع وراء اهتمامك بالقضايا النسوية وتاريخ الحراك النسوي؟
كان والدي رجلاً ليبراليَّاً، وكذلك والدتي، رغم أنها لم تكن تقرأ أو تكتب، لكنها كانت ذكية جداً. لم أتعرَّض شخصياً لأيِّ قهر داخل أسرتي، لكن كان لديَّ انحيازٌ طبيعيٌّ للفقراء. عندما اندلعت ثورة أكتوبر 1964 كنتُ في المرحلة الثانوية، وشاركتُ في التظاهرات، ولاحظتُ أن النساء كُنّ يشكلن أغلبية، وهو ما لفت انتباهي بشدَّة. منذ ذلك الوقت بدأ اهتمامي بقضية المرأة. في تلك المرحلة كنّا نستمع إلى محاضرات وتسجيلات فاطمة أحمد إبراهيم، وكان خطابها تقدميَّاً جداً، وقد أُعجبنا بها كثيراً. انضمَمْتُ إلى «الاتحاد النسائي» منذ ذلك الوقت، وأصبحتُ عضوة في أسرة تحرير مجلة «صوت المرأة»، التي أُسِّست عام 1955 وكنت أكتب صفحة بعنوان «الطالبات» عام 1963. استمرّ اهتمامي بقضايا المرأة والجندر منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. لقد عاصرتُ فترات طويلة مرَّت بها الحركة النسوية بظروف مُتعدِّدة، وكنتُ شاهدةً على الإنجازات التي حقَّقتها المرأة السودانية، خاصة بعد ثورة مايو، التي تحقَّقت فيها كثيرٌ من مطالب الاتحاد النسائي السوداني، ومن أبرزها: الأجر المُتساوي للعمل المُتساوي، وحقّ الطلاق أمام القاضي، ومطالب أخرى. وهدف جعفر نميري من تحقيق هذه المطالب بعد الثورة، إلى جذب مجموعة كبيرة من النساء إلى حكومته، حتى جاء بقوانين سبتمبر 1983 التي بلغ بها قمع النساء أَوْجَه، وكانت تلك القوانين صارمة جداً على المرأة، وغالبيتها مأخوذة من الشريعة الإسلامية. في كتابي «الاتجاهات الفكرية في الحركة النسائية السودانية»، بحثتُ في تاريخ ما قبل تكوّن الطبقات والأديان، لأنني أرى أنّ الأديان ساهمت في تعميق اضطهاد المرأة، لكنها لم تكن السبب الوحيد، فهناك عوامل أخرى، منها ارتباط المرأة بدَور الإنجاب، ما حدَّ من مُشاركتها الكاملة في مجالات مثل الزراعة والرعي. لذلك، فإنّ اضطهاد المرأة نتج عن تداخُل عوامل دينية وطبقية معاً. ووثّق الكتاب لمسار الحركة النسوية في السودان منذ أواخر الأربعينيات حتى بداية القرن الحادي والعشرين.
ما هي الفترات التي شهدت ازدهاراً حقيقياً للحركة النسوية السودانية؟
لفتت الحركة النسوية في السودان الانتباه مع تكوين الاتحاد النسائي السوداني في 1952، وكان المجتمع في تلك الفترة يميل إلى الحداثة والانفتاح الليبرالي في التفكير، قبل صعود التيارات الإسلامية المُنظَّمة، مثل جماعة الإخوان المسلمين. في تلك الفترة، كان الحزب الشيوعي السوداني، من أبرز القوى السياسية تأثيراً، وأصبح من أكبر الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية وأفريقيا. وارتبط تأسيس الاتحاد النسائي إلى حدٍّ ما بهذا المناخ السياسي والفكري، فقد أسهم الحزب الشيوعي في تشجيع بعض النساء على التنظيم والعمل العام. ومن بين أبرز هؤلاء النساء خالدة زاهر الساداتي، وكانت في طليعة من انضمَمْنَ تنظيمياً إلى الحزب، وأوّل امرأة خرجت ضد الاستعمار والجمعية التشريعية عام 1948، وهي كذلك أول امرأة اعتُقلت لأسباب سياسية، بعد مبادرتها بتأسيس «جمعية المثقّفات»، وأنشأت مع فاطمة طالب عام 1947م «رابطة الفتاة الثقافية»، وهي أول تنظيم نسائي مهَّد لاحقاً لقيام الاتحاد النسائي. لقد لعبت رغبة خالدة زاهر في التنظيم دَوراً مهماً في ريادتها لهذا المشروع. وإلى جانبها، برزت فاطمة طالب شخصيةً رائدةً، رغم انتمائها لاحقاً إلى التيار الإسلامي، وهو ما لا ينتقص من دَورها التاريخي في تأسيس الاتحاد النسائي. وقد شاركَتْ في هذا الجهد كوكبة من النساء مثل نفيسة المليك.
أقيم أول اجتماع مُوسَّع للاتحاد النسائي في 31 يناير 1952 بمدرسة البنات الأهلية بأم درمان (مدرسة المليك) بشارع الهجرة. وأُعلن عن تكوين الاتحاد في ذلك الاجتماع. هؤلاء النساء وغيرهن من اللائي ذكرتُهُنَّ في كتابي شكّلْنَ معاً نواة هذا التنظيم الذي حَظي بدعم قطاعات من النخبة المثقفة من الرجال والنساء، خاصة مع تنامي الوعي في تلك الفترة بأهمية دَور المرأة في النضال ضد الاستعمار باعتبارها تمثل نصف المجتمع. وعندما كُوِّن الاتحاد النسائي وبدأ نشاطه أصبح جزءاً من الحركة المُعادية للاستعمار. لذلك قلتُ إنّ النسوية المُناهضة للاستعمار بدأت في إفريقيا وبنحوٍ خاصٍّ في السودان، لأن الاتحاد كان أكبر تنظيم نسائي في أفريقيا.
يُلاحَظ تأثر الحركة النسوية في السودان بالتحوّلات السياسية التي كانت تحدث في البلاد. ليتكِ حدَّثتنا عن أثر هذه التحولات السياسية على الحراك النسوي؟
في مرحلة ما قبل الاستقلال، كانت الحركة النسوية هي الاتحاد النسائي تقريباً، لأنه لم يكن هناك تنظيم مُوازٍ له، وكان جزءاً من الحركة المُعادية للاستعمار التي ضمّت الحزب الشيوعي وبعض الوطنيين والوطنيات من صفوة المجتمع المُتعلِّم. وكان الاتحاد النسائي يتقاطع مع هذه الجبهة في الأهداف المُتعلّقة بالنضال ضد الاستعمار. وبسبب وجود الشيوعيين داخل الاتحاد، ظهر رأي يقول إنّ الاتحاد النسائي كان أحد روافد الحزب الشيوعي، لكنّ هذا غير صحيح؛ فالنساء اللواتي أسَّسْنَ الاتحاد انطلقن من إيمانهنّ بقضية المرأة والجندر. وعندما تداخَل النضال ضد الاستعمار مع قضايا عدم المساواة بين الجنسين، استمرَّ هذا النضال. إنّ النضال من أجل قضايا المرأة كان أصيلاً، وليس تابعاً لأيِّ حزب.
في رأيك، ما هي الفرص التي قدّمَتها ثورة أكتوبر 1964 من أجل ازدهار العمل النسوي وتقدّمه؟
فلنبدأ مما قبل ثورة أكتوبر. في فترة معارضة حكم عبود العسكري، كان الحزب الشيوعي يعمل تحت الأرض، بينما كان الاتحاد النسائي الصوت العلني الأبرز في مُواجهة الحكم العسكري، خاصة عبر مجلة «صوت المرأة». وقد ناضَل الاتحاد ضد النظام على نحو مُباشر. وعندما تنظرين إلى الصور التي توثّق لأكتوبر، ستجدين أن النساء شاركن بنسبة كبيرة، لذلك كانت ثورة أكتوبر قفزة كبيرة، وحقَّقت مكاسب مُهمَّة للمرأة، تَحقق بعضها خلالها، واستُكمِل بعضها في فترة مايو في عهد النميري. لكنها للأسف انحسرت سريعاً بسبب استقالة سر الختم الخليفة، وضغوط الأحزاب الرجعية والإسلامية، بما فيها الإخوان المسلمون. كما شهدت تلك الفترة حملات ضد الحزب الشيوعي واتُّهِمَ بالإساءة إلى الإسلام خلال ندوة، وقالوا إنّ الحزب يدّعي أن الإسلام هو السبب في قمع المرأة، وذلك لم يحدث. الغريب أنني أنا من كتبتُ ذلك، لكن في جميع زياراتي للسودان في ذلك الوقت لم أتعرَّض لأي مضايقات من قبل النظام.
لم تَسْلَم العلاقة بين أجيال الحركة النسوية في السودان من صراعات كنت شاهدة على بعضها، كيف كانت تبدو لك؟
نعم، كانت هناك صراعات داخل الحركة النسوية، صراعات بين الأجيال وصراعات في طرق العمل والأولويات. في عام 1968م كنتُ طالبةً جامعيةً ومن أسرة تحرير مجلة «صوت المرأة»، ومعي الأستاذة سلمى زاهر شقيقة خالدة زاهرة. في ذلك الوقت ظهرت تياب سودانية مُلوَّنة صُنِعَتْ في مصانع الغزل والنسيج التابعة لرجل الأعمال خليل عثمان فاشتريناها، وكان التوب الأبيض هو الشائع بين نساء المدن المتمكّنات اقتصادياً (بيقدروا يغسّلوا ويكووا). أما النساء الفقيرات في الريف فيلبسن ثوباً أزرق اللون يُغسَل كل أسبوع أو أسبوعين. وفي أحد اجتماعات التحرير ذهبنا بالثياب المُلوَّنة، فاعترضت فاطمة أحمد إبراهيم على ذلك بصرامة، لكننا بقينا على موقفنا. وبعد مُدَّة أصبحت هي أيضاً ترتدي مثل هذه التياب. وفي حادثة أخرى بجامعة الخرطوم كنتُ أنا وسلمى بابكر قياديات في الحزب الشيوعي السوداني، ومرشّحات لانتخابات اتحاد الطلاب. في ذلك الوقت كان خالد المبارك رئيس الاتحاد. قرَّرْنا أنا وسلمى ذات يوم احتساء الشاي في حائط قصير بالقرب من قهوة النشاط في الجامعة، وعندما جلسنا اعترض خالد المبارك على ذلك، وقال لنا: «ماذا سيقول الإخوان المسلمون عن هذا التصرّف؟»، وطلب منا النزول ورفضنا الانصياع له، ونتيجةً لذلك استطاعت كثيرٌ من الطالبات الجلوس على الحائط. لذلك، كي تكون رائداً يجب أن تكون شجاعاً وأن لا تتنازل عن الفكرة التي تُؤمن بها، ويجب أن تنتصر لرأيك. قد تبدو هذه الأشياء صغيرة، لكن المهم هنا أنها محاولة لتغيير سلوك الأفراد ليتماشى مع التقدّم، فالتخلّف لا يحدث من فراغ.
كيف تنظرين إلى الحراك النسوي في سياق العادات والتقاليد السودانية؟
في ما يخصّ العادات والتقاليد، كانت هناك قضية كبيرة جداً، وهي قضية بتر وتشويه الأعضاء الجنسية للمرأة، وأنا لا أستخدم مصطلح «ختان» أو«خفاض»، وأُفضّل استخدام مصطلح «بتر» لأنه يعكس مدى فظاعة هذا الفعل. وكانت هذه القضية هاجساً كبيراً للاتحاد النسائي السوداني، وكثير من عضواته ناهضن هذه العادة، لكن بعض الجهود تعثّرت. ومثالاً على ذلك، أنّ فاطمة أحمد إبراهيم قالت في مقابلة صحفية، إنّ الختان ليس مشكلة وإنه لم يُعِقْها في نضالها وعملها العام. وحاول الإخوان المسلمون إحياء هذه العادة باعتبارها سُنة في الإسلام. ومن وجهة نظري أنّ أيّ حراك نسوي غير علماني مصيره الفشل. الاتحاد النسائي السوداني كان علمانياً، لكن بعد ذلك تقهقرت أدواره وأصبحت قياداته تتماهى مع بعض التقاليد وتتمسَّكُ بها. مثلاً، عقب ثورة أكتوبر، قدَّم عبد الخالق محجوب ورقة للجنة المركزية طالب فيها بدمج فروع النساء والرجال الحزبية. وقبل الثورة كان للنساء فرع وللرجال فرع آخر، وطالب بذلك بسبب انعطاف النساء إلى الثورة واختلاطهنّ مع الرجال في الشارع. اعترضت على ذلك فاطمة أحمد إبراهيم، وقدّمت ورقة مُناوِئة للفكرة، وقالت إنّ العادات والتقاليد تفرض علينا إبقاء الفروع منفصلة. صوَّتْنا لقرار عبد الخالق، وسقط قرار فاطمة أحمد إبراهيم، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الفروع مُختَلطة.
كيف ترَين تأثير الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات على السودانيات؟
النساء هنّ من يدفعن ثمن الحروب. منذ نشوب الحرب في 15 أبريل 2023 استُهدفت النساء بالعنف الجنسي والتحرُّش. ورأينا جيشين يُحاول كلٌّ منهما فرض هيبته على الثاني عن طريق اغتصاب النساء. وعلى صعيد آخر، يُعَدُّ الاغتصاب والتحرُّش الجنسي في أوقات النزاع جزءاً من الأيديولوجية الذكورية التي ترى الاغتصاب انتصاراً على العدو، لذلك يُعدّ إخضاع النساء جزءاً من أيديولوجيا الحرب، إضافة إلى ذلك يقع على النساء العبء الأكبر، فهن اللائي يوفرن لقمة العيش، وإنْ كان الأمباز هو الذي سينقذ أطفالهنّ فليكن، ويبحثن لهم عن أماكن لقضاء حاجتهم، ويحملنهم إذا مرضوا إلى أن يجدن لهم علاجاً أو يموتون في أيديهن، وهنّ أكثر من يحزن عليهم. أما في التكايا فإنّ النساء موجودات في الكواليس يصنعن الطعام، لذلك أقول باختصار إنّ العبء أثناء الحرب وبعدها يقع على النساء.
ماذا يتعيّن على الحركة النسوية أن تفعل مع الحرب الدائرة حالياً؟
في السياق الحالي، ومع الحروب التي يشهدها السودان ودول أخرى، ظهر انقسام داخل الحركات النسوية، بين من يرى هذه الحروب شكلاً من أشكال الاستعمار الحديث، ويدعو إلى مقاومته حتى لو كان ذلك عبر دعم أطراف مُسلَّحة، ومن يرى أن النسوية لا يمكن أن تتقاطع مع العنف أو تدعم أيَّ شكلٍ من أشكال الاقتتال. عندما جاء الإنقليز إلى السودان لم تكن لديهم أيُّ اتجاهات لإحداث تغيير اجتماعي، وهدفهم الوحيد كان تمديد رأس المال وتغذية المصانع في مانشستر بالقطن عن طريق مشروع الجزيرة وتعبيد الطرق لخدمة ذلك؛ لذا عمل الاستعمار على منع تعليم النساء، فمثلاً القابلات جرى تعليمهنّ من دون إزالة أميَّتهن، والغريب في الأمر أن الاستعمار البريطاني كان يستخدم الدين الإسلامي على أساس أنه العادات والتقاليد لمنع تقدّم النساء.
لقد بدأت الحرب الحالية من الفضاء الداخلي في السودان، وللقادة في الجيشين طموح في الحكم وتطوير استثماراتهم الشخصية. ومع تصاعد وتيرة الحرب تدخّلت فيها أيادٍ إقليمية، واصطفّت دول مع هذا الطرف وأخرى مع ذاك. وليس صحيحاً بالنسبة لي توصيف الحرب بأنها يمكن أن تكون مفيدة. وأرى أنّ النسويات يجب أن ينظرن إلى الحرب على أساس أنها صناعة ذكورية، والحروب تستهدف النساء أثناء النزاع، وهذا ضرر كبير جداً، لذلك أنا ضد الحرب ومع السلام في جميع الأحوال.
ما هي أبرز الإخفاقات التي شابت نضال النساء عبر الأجيال، وما الأسباب التي أدّت إليها؟
أعتقد أن لكلّ جيل اختلافات وأدوات نضال مغايرة، لكن في رأيي أن النساء بوصفهن فئة اجتماعية على مرّ التاريخ «ما قصَّرَن». لقد كُنَّ من أكثر الفئات الاجتماعية في السودان والعالم التي تناضل بجد واجتهاد. الحركة النسائية على الدوام جادة ومُندفعة نحو التقدم. وستأتي ثورة قادمة ربما لن أكون موجودة فيها، وعندها سترين النساء والنسويات السودانيات مرة ثانية في مقدمة الصفوف ونوّارة المدينة، وعندها نتمنى أن لا تتراجع الثورة إلى الوراء مرة أخرى.
كيف تقيّمين تغطية الإعلام لقضايا النساء في السودان اليوم، مقارنة بتجارب رائدة مثل مجلة «صوت المرأة»؟ وما هي القضايا التي أهملتها المجلة؟
كانت «صوت المرأة» المجلة الوحيدة في ذلك الزمن على نطاق السودان كله، وكانت رائدة، لكن من إخفاقاتها أنها كانت تركّز أغلب أعمالها على السياسة والاجتماع في الخرطوم وشمال السودان. ولم تكن هناك تغطية كافية لأحوال النساء في جنوب السودان. وأنا أيضاً أخفقتُ في ذلك؛ فمن قبل ذهبت إلى جنوب السودان وألَّفْتُ كتاب «الرأسمالية السودانية: أطليعة للتنمية؟»، وكنت أُريد الذهاب مرة أخرى للكتابة عن النساء هناك، لكن أصبحت في المنفى ولم أستطع العودة.
لو أعدتِ تحرير هذا الكتاب اليوم، ماذا ستضيفين؟ ما الشيء الذي تتمنين أن يُفهم بنحوٍ أفضل عن الحركة النسوية؟
سوف أُعيد تعريفي لأشكال النضال المُرتبطة بالنساء، العنيفة وغير العنيفة، في جبال النوبة والنيل الأزرق والشمالية، في مناطق مثل مروي دنقلا وحلفا. ويتطلَّب ذلك الذهاب إلى هذه المناطق لإجراء بحث ميداني للوصول إلى خلاصة حول ماهية هذه الأشكال. في أحد كتبي أشرتُ إلى هذه الأشكال وأضفت منظوراً في الاقتصاد السياسي مفاده أن تطوّر رأس المال، منذ بداياته القائمة على النقود، كان أوّل أشكال التراكم الرأسمالي فيه قائماً على استعباد المرأة وجرّها إلى البغاء لمصلحة التجّار، وأنّ العنف الجنسي كان سبباً في نشوء رأس المال في السلطنات السنارية في السودان، وفي الممالك القبَلية.
أخيراً، ماذا تفعلين الآن؟ وفيم تفكّرين؟
أنا مُتزوّجة من محمد سليمان محمد، مؤلف كتاب «السودان حروب الموارد والهوية»، ولنا ابنةٌ وحيدةٌ اسمها عزة، وحفيد يبلغ من العمر عاماً ونيفاً، وبعد أن انتهيت من كتابة مذكراتي، تفرّغتُ له. أقضي وقتي في اللعب معه ورعايته. أعيش في المنفى بلندن حتى الآن. وعندما جاء انقلاب الإنقاذ 30 يونيو 1989 كنت في لندن. أُحبُّ الرسم وأذهب إلى المرسم كلّ يوم خميس.

