أتر

نوتة من علم الكونكا 37

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.

جرَت العادةُ الفكريةُ أن تَقبَل القارئةُ لتبويبِ «السياسة» ما تَقبَله السياسةُ على نفسها من أصناف أيديولوجية، فهي في «شارع المين» إسلامية وديمقراطية وليبرالية، مركز وهامش، وهلمّجرا. أما الدكتور مبيبمي فقد جاء من حَرْثه الذكيّ بتبويبٍ للسياسة من «المعمار»، وقال إن في المعمار خصلةً سياسيةً، فهو سياسة المواد، ساكنة وغير ساكنة، «المادة التي لا تَفنى ولا تُستحدَث» في تقريب رائج، فَرْزٌ لمكوّنات البناء وترتيبٌ لديالكتيك الهَدْم والإنشاء. والسياسة كذلك قبضٌ للعناصر من كُلِّ صنف، حيّة وميتة، وسعيٌ لإخضاعها لهيئةٍ ما، بما في ذلك قسراً، «مشروع حضاري»، ومُمارسة حرجة في تنظيم وتدوير وتوزيع الأجساد الحية والجثث، الأحياء والشهداء والجرحى والمفقودين والمختفين قسراً، كما في التبويب الساري، وكذلك المفاهيم والصور، ففيها تلتقي العناصر المادية وغير المادية والجسمانية تحت قبض القوة.

لذلك زكَّى الدكتور مبيبمي مفهومَ «الوحشية» من المعمار، للتعبير عن تدبير سياسيّ لتنظيم العالم والجسوم والمفاهيم والصور، قانونُه الأوّل، كما في المعمار، امتيازُ المُعامل الرأسي، التراتب، على سواه. وقال الدكتور مبيمبي إن هذه «الوحشية» هي صيغة السياسة المعاصرة، السياسة التي تُخضِع الكوكب كلّه لعمليات «عبثية» من الهدم والتدمير، إنتاج الظلام، ومعه أجناس من الفائض والكَرُور، بشري وغير بشري، كَرُور كالذي يجتمع في موقع بناء مستدام. وما الخرطوم المهدَّمة بالحرب والشفشفة، والفاشر الصامتة بالقتل الجماعي، وغزة التي هدمتها الآلة الحربية الصهيونية على أجساد أهلها العارية، سوى من قَبيل السترة والصبر في هذا التقدير، فضلاً عن كونها جغرافيا لهذا الركام، «كونكا» طائلة، كما الطوفان القرآني.

وقال الدكتور مبيمبي، تعمل ثلاث مفاعلات لإنتاج هذه «الكونكا» الكوكبية. المفاعل الأول: الحساب الرقميّ وتقنياته الجديدة التي تُتيح لمُسيّرة أن تقوم من خلاءٍ في جهة نيالا البحير لتطلق نيرانها بدقّة مَلَك الموت على مستشفى في جهة جبل أولياء، تمسح عيونُها الإلكترونية الأرضَ مسحاً، وتُبحلق في الشجر والحجر والبشر حتى تبلُغ مبتغاها. وترتبط هذه الأعين الإلكترونية بدماغ كونيّ من الألياف الضوئية الصامتة خلا من زَنَّةٍ، كأنّها الهَمّ. والمفاعل الثاني: الاقتصاد السياسي الذي صار، بتحرِّره من كلِّ ذائقة لمصير جماعة البشر، حِسَّ «الاشتراكية» ذاك، خوارزميات عصبية/ إحيائية للبقاء والاستهلاك لا تَستثني في قسرها لثغةَ طفل أو خاطرةَ شعر أو بهرةَ جمال، غَصِبْ كي. والمفاعل الثالث: حساب كتلة «الكربون» في الأجساد الحيّة التي صارت بطلاق «الروح» البشري في دِين كلوتيلده مادةَ هدمٍ وبناءٍ عضوية وبس، تقييمُها في ما تحتاج من سُعرات حرارية للتشغيل، 3 ملايين نازح، يعني مَلوة عيش لكل واحد في الأسبوع، يعني كم شوال في الأسبوع، يعني كم طن في الشهر، يا مؤتمر برلين؟ ولا ما بتْخَارج؟ أقول ليكم حاجة: يفتح الله!

عقدة «الوحشية» في السياسة، كما في المعمار، هي تحوُّل الإدارة السياسية إلى قوة وظيفية صرفة تعيد تكوين الجغرافيا، طبيعية وبشرية. الخرائط تلك، من كتاب الجغرافيا الطبيعية، خضراء تكشف المرتفعات والأنهار والبحيرات والغابات؛ والبشرية غبشاء ترسم خطوط النقل ومواقع الصناعة والموانئ والمراكز الحضرية. وعين السياسة «الوحشية» المُسلّطة على هذه الخرائط كعين المُسيَّرة، لا لغة لها إذا صحّ التعبير، أي لا ثقافة، هي حسابٌ محض، فلا يشغلها في قليل أو كثير أنّ ما بين الناس والجغرافيا عهود ووشائج ومواثيق، كعهد التَّرْبَال مع أرضه، أو كالوشيجة التي يصبح بها النِّيل سليل الفراديس، أو الميثاق الذي يتحوّل به سكّان أتْبَرا من كَيْل «شراد»، كَبَّتْهم المقادير في مرجل العمل المأجور، إلى أهل وأحباب. وشُغْل «الوحشيّة» كسياسة هو الشقّ والانشطار، نَزْع هذه الجلود التي يصير بها البشر ناساً وقد ألهمَتْهم خطيئة ابن آدم قابيل الذي قتَل أخاه هابيل بغياً وعدواناً تقى الاجتماع.

قال تعالى: «اتْلُ عليهم نبأَ ابنَيْ آدمَ بالحقِّ إذ قرَّبا قربَاناً فتُقُبِّلَ من أحدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ من الآخَرِ قال لأقتُلنَّكَ قال إنّما يتقبَّلُ اللَّهُ من المتَّقين» (قرآن كريم، المائدة: 27). «قال السدِّي – في ما ذكر – عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس – وعن مرة عن ابن مسعود – وعن ناسٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان لا يُولَد لآدم مولودٌ إلا وُلد معه جارية، فكان يزوِّج غلامَ هذا البطن جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوِّج جاريةَ هذا البطن غلامَ هذا البطن الآخر، حتى وُلِدَ له ابنان يقال لهما: قابيل وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أختٌ أحسن من أخت هابيل، وإنّ هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال: هي أختي، وُلدَت معي، وهي أحسَن من أختك، وأنا أحقّ أن أتزوّج بها. فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل فأبى، وأنهما قرَّبا قرباناً إلى الله عز وجل أيُّهما أحَقّ بالجارية، وكان آدم عليه السلام قد غاب عنهما، أتى مكّة ينظر إليها، قال الله عز وجل: هل تعلم أنّ لي بيتاً في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إنَّ لي بيتاً في مكة فأْتِه. فقال آدم للسماء: احفظي ولَدَيَّ بالأمانة، فأبَت. وقال للأرض، فأبَت. وقال للجبال، فأبَت. فقال لقابيل فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرّك. فلما انطلق آدم قرَّباً قرباناً، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحَقّ بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدَيّ. فلما قرَّبا، قرَّب هابيل جذعة سمنة، وقرَّب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب، وقال: لأقتلنّك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل: إنما يَتقبّل الله من المتّقين. رواه ابن جرير».

وروى ابن كثير عن بعض أهل الكتاب أنّه قتَله خنقاً وعضّاً كما تَقتُل السّباع، وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابّةً ووضع رأسها على حجر، ثم أخذ حجراً آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. وفصَّل ابن كثير فيها تفصيلاً كثيراً. «وقال عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: أخذ برأسه ليقتله، فاضطجع له، وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه. قال: فأخذها، فألقاها عليه، فشدخ رأسه. ثم جاء إبليس إلى حواء مُسرعاً، فقال: يا حواء، إنّ قابيل قتل هابيل. فقالت له: وَيْحَك. أيّ شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرّك. قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت. فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: مالك؟ فلم تكلّمه، فرجع إليها مرتين، فلم تكلّمه. فقال: عليكِ الصيحة وعلى بناتك، أنا وبَنيّ منها بُرَاء. رواه ابن أبي حاتم» (ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، م 3، دار طيبة، الرياض، 1999، ص 82-88).

وللقارئة أن تتأمَّل في كثافة الحواجز القائمة بين نيّة القاتل وفعله؛ حواجز تهدمها التكنولوجيا الصناعية بضغط الزناد، ثمّ التكنولوجيا الرقمية بكبسة زر أو لمس شاشة أو مسحة كود من سترٍ قصيٍّ فيُمطِر اللظى على تلميذات مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب الإيرانية أول نهار 28 فبراير الماضي، ذنبُهنّ أنّ المدرسة لمؤسّسة غير ربحية تقدّم خدمات التعليم لذرّية منتسبي القوة البحرية للحرس الثوري، فما الإرهاب؟

شيَّعَ أهلُهن 165 منهن، جنازةً تلو الأخرى، ما بين عمر السابعة والثانية عشرة، وأصيبت 96 أخريات، ذلك من جملة 264 تلميذة في المدرسة، من بينهن: هناء دهقاني (8 سنوات)، رضا حباشيان (7 سنوات)، أريا باهادوري (9 سنوات)، على أسغار زائري (8 سنوات)، زهرة بهرامي (7 سنوات)، أحمد سلطاني (8 سنوات)، حامد بار-أشيغ-نجاد (7 سنوات)، فاطمة يزدان، مهدي نازاري (8 سنوات)، أثينا شاماني-نجاد (6 سنوات)، أمير غاشم زائري (7 سنوات)، فاطمة دورزيهي (10 سنوات)، آراد أحمديزادة (8 سنوات)، سامان كريمزاده (7 سنوات)، فاطمة شهداي (-)، نادية شاهميري (9 سنوات)، بارهم رانجباري (9 سنوات)، فاطمة رضدار (10 سنوات)، أمير حسن رسولي (8 سنوات)، زهرة برهومي (8 سنوات)، محمد حاتم رايسي (10 سنوات)، أسنا رايسي (12 سنة)، محمد سدرا زاري (8 سنوات)، مريم بازارك (10 سنوات)، لينا محمدي (7 سنوات)، سارة شايسته (5 سنوات)، زهرة باند (8 سنوات)، إسرا زاكري (9 سنوات)، فاطمة زهرة أنصاري (7 سنوات)، فاطمة فادافي (10 سنوات)، مهنا زاري (شهان)، أتارة زاري (10 سنوات)، علي رضا زاري (9 سنوات)، محمد رضا شاه سفاري (10 سنوات)، إحسان سليمينيا (6 سنوات)، فاطمة زهرة كريمي (7 سنوات)، زينب بهرومي (10 سنوات)، محمد شادوستي (8 سنوات)، رضا باراني (7 سنوات)، أتينا أحمدزاده (10 سنوات)، خديجة درويشي (9 سنوات)، رضا رانجبار (6 سنوات)، محمد مهدي شيغيني (10 سنوات)، علي أكبر كرياني باك (8 سنوات)، حنان مهدخا (7 سنوات)، محمد علي كرياني باك (7 سنوات)، برسا مختاري-نجاد (12 سنة)، أرينا عرب-كيش (8 سنوات)، ماكان نصيري (12 سنة)، إسرا فرحي زاده، فتاة صغيرة).

يا لها من قائمة مملّة، تصعب كتابتها وتصعب قراءتها! فربّما فَطّتها القارئة واكتفت باسم أو اسمين صَدَّتها العجمة وربما أرهقت المُحرِّرةَ أيضاً فقالت ما الداعي لها. فالموتى مُملّون. قالت جريدة نيويورك تايمز (عدد 5 مارس) تنطق بما اجتمع لديها من الأدلة أنّ المدرسة أصابتها قذائف دقيقة التصويب، كما أصابت موقعاً عسكرياً للحرس الثوري بالقرب منها. جاءت التايمز بقرينة أنّ موقع المدرسة كان حتى العام 2013 جزءاً من قاعدة بحرية للحرس الثوري. اعتمدت الاستخبارات العسكرية الأمريكية، أو عقلها الإلكتروني أبو ذكاء صناعي، على ما اجتمع عندها من معلومات لتحديد الأهداف وتصويب الأسلحة، أوتوماتيك. هذا، وقد أظهرت صورٌ للأقمار الصناعية؛ عيون الاستخبارات العسكرية المعلقّة في الفضاء، أنّ الطرف الذي تقع فيه المدرسة من هذا الموقع العسكري انفصل عنه منذ العام 2016، كما يظهر من الفضاء القصيّ ملعب للكرة وفسحة لهو، بحيث يدرك كلّ منصف أنّ الموقع صار مدرسة وليس منصّة لإطلاق الصواريخ، لكنْ سبَق سيفُ الخوارزميات عَذْلَ اللهو واللثغ الطفولي، «فادخُلي في عبادي وادخُلي جنّتي».

يا بنات ميناب: «سَبَق السيفُ العَذْل»، وقاله ضّبة بن أدّ لمَّا لامَهُ الناس على قتله قاتل ابنه في الحرم. وجاء في «مجمع الأمثال» لأبي الفضل الميداني (م 1، دار المعرفة، بيروت، 2004، ص 197-198): «وكان له ابنان يُقال لأحدهما سَعْد وللآخر سعيد، فنقرت إبلٌ لضَبّة تحت الليل، فَوَجَّه ابنيه في طَلَبها، فتفرَّقا فوجَدَها سَعْد، فردَّها، ومضى سعيد في طلبها فلقيه الحارث بن كعب، وكان على الغلام بُرْدَانِ فسأله الحارث إيّاهما، فأبى عليه، فقتله وأخذ بُرْدَيْه، فكان ضبّة إذا أمسى فرأى تحت الليل سَوَاداً قال: أسَعْد أم سعيد؟ فذهب قوله مثلاً يُضرَب في النجاح والخيبة، فمكث ضبّة بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم إنّه حجَّ فوافى عُكَاظ فلقي بها الحارث بن كعب ورأى عليه بُرْدَيْ ابنه سعيد، فعرفهما، فقال له: هل أنت مُخْبِرِي ما هذان البردان اللذان عليك؟ قال: بلى لقيتُ غلاماً وهما عليه فسألتهُ إياهما فأبى عليّ فقتلتُه وأخذتُ بُرْدَيه هذين، فقال ضبّة: بسيفك هذا؟ قال: نعم، فقال: فأعْطِنِيه أنظر إليه فإني أظنّه صارماً، فأعطاه الحارث سيفه، فلما أخَذَه من يده هَزَّهُ، وقال: الحديثُ ذو شجون، ثم ضرَبه بِهِ حتى قتله، فقيل له: يا ضبّة أفي الشهر الحرام؟ فقال: سَبَقَ السيفُ العذل»! فهل بَلَغْنا، بذكاء الاستخبارات العسكرية الأمريكية الصناعيّ، أفضلَ من بَغْي قابيل، أم أبعدَ من ظنِّ ضبّة، أم هي «الوحشيّة» التي قال بها الدكتور مبيمبي؟

يتبع…

Scroll to Top