منذ اندلاع الحرب في الخرطوم وتمدّدها إلى ولاية النيل الأبيض، وَجَدَتْ مدينة القطينة نفسها أمام أزمة وقود غير مسبوقة؛ فبعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في 21 ديسمبر 2023 انقطع إمداد المحروقات وغاز الطهي، ما دفع السكّان للاعتماد على بدائل شاقة كالفحم والحطب لتسيير حياتهم اليومية. وحتى بعد استعادة القوات المسلحة السودانية سيطرتها على المدينة، بقيت الأزمة قائمة مع وصول سعر أسطوانة الغاز إلى نحو 88.700 جنيه سوداني، الأمر الذي أجبر المواطنين على مواصلة استخدام الفحم والحطب، متسبّبين في آثار بيئية وصحية واضحة باتت تُلقي بأدخنتها الثقيلة على المدينة وسكّانها.
وفي جولة ميدانية لمُراسلة «أتَـر» بمدينة القطينة، رصدت انتشار كماين الفحم داخل الأحياء السكنية، حيث يعمد أصحابها إلى قطع الأشجار من المناطق المُحيطة ذات الكثافة النباتية، ثمّ ينقلون الحطب على الدرداقات إلى داخل المنازل لإشعال الكماين، وهي عملية تستمر في الغالب لمدة يوم كامل.
كماين خانقة
يروي سكّان الأحياء التي تعمل فيها هذه الكماين كيف يحوّل الدخان المتصاعد منها حياتهم إلى معاناة يومية، خاصة خلال ساعات المساء، حين تنتشر الروائح الثقيلة داخل المنازل وتُجْبَرُ الأسر على إغلاق النوافذ بإحكام. وقد طالب السكان السلطات المحلية بالتدخّل ووضع ضوابط واضحة، إما بنقل الكماين خارج النطاق السكني أو إلزام أصحابها باتّباع اشتراطات تقلّل من أضرارها على السكان والبيئة.
وتقول خديجة عبد الرحمن، من سكّان مدينة القطينة، إنها أصبحت تعتمد اعتماداً كلياً على الفحم والحطب في معيشتها اليومية، بسبب ظروف الحرب وارتفاع أسعار الغاز وضعف الدخل لدى معظم الأسر. وتوضح في حديثها لـ«أتَـر»، أنّ استخدام الفحم يترك آثاراً صحية واضحة على السكان، نتيجة كثافة الدخان المتصاعد وتلوّث الهواء داخل المنازل، «ما يتسبّب في زيادة معدّلات الإصابة بالأزمة والحساسية بين الأطفال والنساء وكبار السنّ»، على حدّ قولها.
وتشير ريم الجيلي، وهي تسكن أيضاً بمدينة القطينة، إلى أنّ الحصول على الحطب أصبح عملية مرهقة وتستغرق وقتاً طويلاً، إضافة إلى ارتفاع أسعار جوال الفحم بدوره إلى مبلغ يتراوح بين 57 و65 ألف جنيه سوداني بحسب الجودة. وتحتاج الأسرة إلى أكثر من كيس واحد يومياً لتلبية احتياجات الطهي. وتقول في ريم حديثها لـ«أتَـر» إنّ استخدام الفحم يؤثر مباشرة على نظافة المنازل بسبب الدخان والرماد المتناثر، ما يفرض على النساء عبئاً إضافياً في التنظيف اليومي.
وتتفق ريم مع خديجة في رصد الأثر الصحي الدخان المتصاعد من الفحم، وأنه يسبّب أمراض الجهاز التنفّسي وتهيّج العيون، ويؤثر على كبار السن والأطفال ومرضى الأزمات الصدرية والحساسيات.
وفي ختام حديثها تؤكّد ريم أنّ الاعتماد على الفحم أصبح مكلفاً للغاية، وتصف الكماين المنتشرة داخل الأحياء بأنها «كعبة شديد» لما تسبّبه من أضرار صحية وبيئية متفاقمة.
فحم قاتل
قال منتصر إن شجر المِسْكيت يتسبب في إصابة الحيوانات بأمراض خطيرة، أبرزها ما يُعرف بالدوران، نتيجة امتلاء تجويف الرأس بالسوائل، ما يؤدّي إلى اختلال التوازن ومن ثم نفوق الحيوان بعد فترة وجيزة. ويشير منتصر في حديثه لـ«أتَـر» إلى أنّ شجر المِسْكيت يشكّل أيضاً بيئة خصبة لانتشار الثعابين السامة، وعند قطع الأشجار تتحرك الثعابين عشوائياً.
ويرى منتصر السر، من سكّان القطينة، وهو مدير شركة تأمينات، أنّ الاعتماد على الحطب والفحم، خصوصاً المصنوع من شجر المِسْكيت، يجرُّ على المنطقة أضراراً واسعة تمتدّ من الحيوان إلى الإنسان. ويوضح أن أشجار المِسْكيت تنتشر بكثافة في المناطق التي ترعى فيها الحيوانات، إذ تنقل الحيوانات بذورها خلال التغذية، ما ساعد على اتساع نطاق نموّها. وأضاف أن هذا الشجر يتسبب في إصابة الحيوانات بأمراض خطيرة، أبرزها ما يُعرف بالدوران، نتيجة امتلاء تجويف الرأس بالسوائل، ما يؤدّي إلى اختلال التوازن ومن ثم نفوق الحيوان بعد فترة وجيزة. ويشير منتصر في حديثه لـ«أتَـر» إلى أنّ شجر المِسْكيت يشكّل أيضاً بيئة خصبة لانتشار الثعابين السامة، وعند قطع الأشجار تتحرك الثعابين عشوائياً، ما يزيد من حالات اللدغ وسط الأهالي، بخاصة في المناطق الطرفية.
أما بشأن صحة الإنسان، فيقول إنّ الأدخنة الكثيفة المتصاعدة من حرق فحم المِسْكيت، خصوصاً عندما يكون الحطب غير مكتمل الاحتراق، تؤدّي إلى تراكم الدخان داخل الغرف المغلقة أثناء الطهي، مرجّحاً أن يكون له دَور مباشر في الإصابة بأمراض خطيرة كالحساسية الصدرية، وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان إلى درجة ملحوظة في الفترة الأخيرة بالقطينة.
ودعا منتصر الجهات المختصة، من موظفي الغابات ووزارة الزراعة، إلى تنظيم ندوات توعوية للمجتمع حول المخاطر الجسيمة الناتجة عن استخدام فحم المِسْكيت، مؤكّداً أن المدينة تفتقر إلى أيّ غطاء نباتي حقيقيّ سوى هذا النوع من الأشجار الضارة.
هجمة التصحّر
أما مدير الهيئة القومية للغابات فرع القطينة، خليل حسين، فيقول إنّ محلية القطينة – خصوصاً شمال المحلية – تُعدّ من المناطق الأكثر عرضة للتصحّر، نظراً لانتشار الكثبان الرملية التي تواصل زحفها بفعل الرياح. وأوضح أنّ الهيئة القومية للغابات تعمل منذ سنوات على مواجهة هذا الخطر عبر استزراع مساحات واسعة، وذلك من خلال نثر البذور في الكثبان والأراضي المنبسطة، إضافة إلى توزيع الشتول على المزارع والمنازل والمؤسّسات بمختلف أنواعها، مؤكّداً أنّ إنسان المنطقة كان وما زال حجر الأساس في إنجاح هذه الجهود.
تُظهر الصورة على اليسار القطينة ومحيطها في فبراير 2023، بينما تُظهر الصورة على اليمين القطينة ومحيطها في فبراير 2026، وفق بيانات القمر الصناعي Sentinel-2. ويشير اللون الأخضر إلى كثافة وصحة الغطاء النباتي وفق مؤشر (NDVI). وتُظهر الصورتان معاً نقصان الغطاء النباتي، خاصةً جنوبي المدينة، عن حاله في 2023.
وأشار حسين في حديثه لـ«أتَـر» إلى أنه خلال السنوات الثلاث الماضية، منذ اندلاع الحرب، تعرّضت الغابات في السودان لهجمة شرسة من القَطع الجائر، ما أدّى إلى تقلص كبير في المساحات الشجرية، وهو مؤشّر خطير ينذر بتغيّرات بيئية محتملة، تشمل اختلال التركيبة الشجرية وتدهور خصائص التربة، وانعكاسات ذلك على المراعي والحيوان والزراعة، إضافة إلى تأثيره المباشر على المناخ. ولفت إلى أنّ الأشجار كانت حاجزاً طبيعياً يمتصّ جزءاً من الغازات التي تسهم في ارتفاع درجات الحرارة والاحتباس الحراري. وختم مدير الغابات حديثه بالدعوة إلى ضرورة رفع الوعي البيئي لدى المواطنين، حفاظاً على بيئة سليمة واستدامة موارد المنطقة.



