في الاتجاه الجنوبي الغربي لمدينة الخرطوم، وعلى مقربة من الحدّ الفاصل بينها وولاية النيل الأبيض، يحتلّ سوق «المثلث» نطاقاً واسعاً يبدأ من شرق خزّان جبل أولياء على النيل الأبيض، ويمتدّ حتى تصل حدوده إلى الناحية الغربية من جسر الخزّان، بَيد أنّ نشاط السوق الأكبر يدور في الجزء الواقع شرق الخزّان. وهو سوق ريفي عريق، عزّز إنشاء خزان جبل أولياء في 1937 من أهميته الاقتصادية ليُصبح ملتقىً تجارياً تَفِدُ إليه البضائع من مُختلف أنحاء البلاد، وقد اشتُهِر بتجارة المواشي القادمة من غرب السودان، والمحاصيل الواردة من مناطق الإنتاج بالجزيرة والنيل الأبيض، فضلاً عن تجارة الحطب وسعف النخيل التي اكتسبت أهمية خاصة بفعل الحرب. وبعد أن عاد كثيرٌ من الناس إلى منازلهم فوجدوها خربة، منقوضة السقوف، وتحتاج إلى إعادة تعمير، ومع ارتفاع أسعار المواد اللازمة للبناء، بخاصة الأسمنت والسيخ؛ فإنّ البدائل المحلية التي يحتشد بها السوق، وصارت جزءاً أساسياً منه، كالحطب وسعف النخيل وغيرهما؛ تُبقيه واحداً من خيارات مُهمَّة لمن يريد تأسيس أو ترميم منزل.
يقول تجّار بالسوق لـ«أتَـر»، إنهم «يُكابدون» للحفاظ على تجارتهم، على الرغم من تقلّص هامش الربح، والانفلات الأمني، والجبايات والضرائب الباهظة، وحملات الإزالة، التي تَتَهدّدهم. ومع توسُّع النشاط التجاري بأسواق مركزية قديمة داخل الخرطوم وأم درمان، يَنسحبُ البساط شيئاً فشيئاً عن السوق الذي قال أحد التجار إنَّه سوق لم يُدرك الناس أهميّته بعد، داعياً لتطويره بدلاً عن تبديده.
على الرغم من أهميته الحيوية، يُواجه سوق المثلّث تحديات جسيمة. ويجعل ارتفاع تكاليف النقل ووعورة الطرق من وصول البضائع «مُعجزةً يومية». الأسعار تتأرجح، لكنّ «روح التكافل»، كما لمسها مراسل «أتَر» خلال جولته في السوق، تظلّ هي العملة الأكثر استقراراً؛ وكثيراً ما شاهد التجّار وهم يَتغاضون عن بقية مبلغ لامرأة نازحة أو شيخ مسنّ.
السوق الذي انتعش إبان وقوعه في نطاق الحرب، ضمن زمرة من الأسواق الريفية التي تحمّلت عبء تأمين الغذاء والخدمات للمدنيين في ظلّ تعطّل المراكز التجارية الرئيسة، رغم المخاطر الأمنية العالية المحيطة به؛ تحوّل حاليّاً إلى مركز عبور، تنتقل عبره البضائع إلى أسواق كبرى داخل الولاية.
وفي المقابل، يُعاني التجّار وأصحاب الشاحنات في سوق المثلث من تعدّد نقاط التفتيش والجبايات غير الرسمية المفروضة على البضائع العابرة من الخرطوم وإليها، ما انعكس طردياً على أسعار السلع الأساسية داخل السوق، والتي تفوق أحياناً أسعارها في الولايات المُجاوِرة.
كشفت جولة لمُراسل «أتَـر» عن نشاط عمليات تجارية تَعتمد على بيع السلع بأسعار مُتدنّية لتوفير السيولة النقدية، وهو ما يُعرف محلياً بـ«الكسر».
وبالنسبة للمزارعين في الريف الجنوبي، المُتاخم لشمال كردفان وشمال النيل الأبيض والجزيرة، وهي مناطق إنتاج زراعي مطري ومروي، يَظلّ سوق المثلث هو الرئة التي تتنفّس بها مصالحهم؛ فمنه يحصلون على التقاوي والوقود والعمَالة الموسمية، كما يقول المزارع بقرية «الغدّير»، جنوب جبل أولياء، عبد الله أحمد علي، وهو الذي كان يَعتمد في تمويل زراعته المطرية على السوق، وتسويق الفائض من إنتاجه عبره.
وكشفت جولة لمُراسل «أتَـر» عن نشاط عمليات تجارية تَعتمد على بيع السلع بأسعار مُتدنّية لتوفير السيولة النقدية، وهو ما يُعرف محلياً بـ«الكسر». والسوق الذي يُشكّل نقطة عبور لتفريغ وشحن البضائع القادمة من الولايات إلى العاصمة، يَضمُّ نشاطاً تجارياً آخر يقوم على المُبادلة، وهو تبديل سلعة بسلعة، لعدم توافر السيولة النقدية في كثيرٍ من الأحيان، ولأن جلّ الناس يعرفون بعضهم البعض، فـ«الطابع الريفي ما زال من سمات السوق»، كما يقول التاجر عوض حسن «القُلّة».
يُخبر قرشي «أتَـر» بأنّ الطرق المُسفلتة ملأى بارتكازات مسلّحة لا تُؤمن عقباها. يقول: «عندما نرى خطّاً أزرق على التطبيق نتجنَّبه، وهو ما كان في السابق طوق نجاة من مشقَّة الطرق الوعرة، لكنه تحوّل الآن إلى مخاطرة قد تكلفنا حياتنا».
يَقول عبد المُتعال قرشي، سائق شاحنة، يَعمل في نقل الماشية من بعض مناطق شمال كردفان إلى سوق المثلث، إن الحرب قد غيَّرَتْ من وسائله في تدبير مهنته. وقرشي «خبير بالدروب» كما يَصف نفسه، فهو يعرف أنّ شجرة مُعيَّنة تعني له الانحراف يساراً، وأنّ حجراً قد يدلّه على أنه أخطأ الطريق ويَتعيّن عليه أن يُغيّر مساره نحو اليمين مثلاً. لثلاثين عاماً، كان قرشي ينقل الماشية من كردفان نحو الخرطوم بهذه الخبرة. أما في جغرافيا الحرب، وانتشار الارتكازات على الطرق، فقد بات يصطحب معه ابناً له مُلمّاً بالتكنولوجيا الحديثة، فيُتابع معه حركته على الطريق عبر تطبيق إلكتروني مُخصَّص لذلك، ويُخبره أن أمامهم طريق مسفلت، ليتجنّبه. يُخبر قرشي «أتَـر» بأنّ الطرق المُسفلتة ملأى بارتكازات مسلّحة لا تُؤمن عقباها. يقول: «عندما نرى خطّاً أزرق على التطبيق نتجنَّبه، وهو ما كان في السابق طوق نجاة من مشقَّة الطرق الوعرة، لكنه تحوّل الآن إلى مخاطرة قد تكلفنا حياتنا». ويقول قرشي إنه ما إن تَلُوح له مآذن قرى الريف الجنوبي، ويَظهر له غبار سوق المثلث في الأفق، حتى يتنفّس الصعداء، ويُحسّ بأنه قد انتصر في رحلة أخرى ضد الموت والضياع.
أما مريم جادين، وتعمل بائعة شاي، فتقول إنّ هذا السوق هو بيتها الكبير. وتحكي عن التحوّل في السوق قائلة: «في البدء كنا نبيع لبعضنا البعض، والآن يأتينا الناس من كل مكان».
وبالنسبة لحامد جبارة الله، عضو الغرفة التجارية بمحلية جبل أولياء، والتاجر بسوق المثلث، فإنّ شُحّ تدفّق الماشية القادمة من كردفان إلى السوق يُمثّل ضربة موجعة لنشاط السوق ولقوته الشرائية، نظراً إلى أنّ هذا الطريق وريد يربط مناطق الإنتاج الرعوي بمناطق الاستهلاك في ريف أم درمان.
ويخبر جبارة الله «أتَـر» بأنّ السوق كان يعتمد بشدّة على الماشية والمحاصيل الكردفانية، وأنّ هذا الشحّ أدّى إلى قلة العرض مقابل الطلب المتزايد، ما جعل اللحوم سلعة يصعب منالها لكثير من الأسر النازحة والمقيمة. وأشار إلى اضطرار السكان للاعتماد على البقوليات والمنتجات الزراعية المحلية البسيطة بديلاً للبروتين الحيواني.
ويقول جبارة الله إنّ السوق مؤهل، بموقعه الجغرافي، ليتحوّل من سوق ريفي محليّ إلى منطقة تجميع وتوزيع كبرى، تربط الخرطوم بالولايات الغربية والجنوبية على نحو أكثر تنظيماً، لكنه يرهن ذلك بخطوات منها التوسع في إدخال وسائل الدفع الإلكتروني، وتنظيم المظلات والخدمات الأساسية للسوق ليتناسب مع حجم الطلب المتزايد. ويضيف قائلاً: «مستقبل السوق مرتبط بازدهار الزراعة والثروة الحيوانية بالأقاليم الجنوبية الغربية، وإذا عادت المشاريع الزراعية للعمل بكامل طاقتها، سيصبح المثلّث هو بورصة المحاصيل التي تغذّي العاصمة».
ويقول التاجر الهادي عبد الجليل، لـ«أتَـر»، إنّ الهاجس الأكبر للتجّار هو حالة «السيولة الأمنية» التي يعانيها السوق حالياً، إذ لا تزال هناك بلاغات عن نشاط للصوص مُسلّحين في المناطق الطرفية القريبة من السوق، ما يجعلهم يعتمدون على «الحراسات الخاصة» أو التكاتف الجماعي لحماية المخازن، والمتاجر.
الوضع الأمني الآن مستقرّ لكنه هشّ، ونحن نتحرّك في مساحة من الحذر؛ السوق يفتح أبوابه، والحياة تدبّ فيه، لكن الجميع يضعون خطط طوارئ في أذهانهم.
وينبّه إلى أنّ وجود السلاح في أيدٍ غير نظامية يظل مصدر قلق، حيث يمكن لأي مشاجرة عادية أن تتطوّر سريعاً إلى حادث جنائي، مُشيراً إلى أنّ السلطات الأمنية تشنّ أحياناً حملات لملاحقة من يسمّون بـ«المتعاونين» أو المتاجِرين بالسلع المسروقة، ما يَجعل التاجر النزيه دائماً في حالة حذر لضمان شرعية بضائعه ومصادرها.
ويزيد قائلاً: «الوضع الأمني الآن مستقرّ لكنه هشّ، ونحن نتحرّك في مساحة من الحذر؛ السوق يفتح أبوابه، والحياة تدبّ فيه، لكن الجميع يضعون خطط طوارئ في أذهانهم».
ولم يسلم السوق حالياً من أزمة الوقود التي تؤثر على قطاعات كثيرة في السودان، إذ كشفت جولة مراسل «أتَـر» عن ارتفاع كبير في أسعار الجازولين في السوق، حيث يُباع الجالون الواحد بسعر 40 ألف جنيه سوداني، بينما يُباع جالون البنزين بـ35 ألف جنيه. ومع خلوّ المحطات من الوقود، تنشط عمليات بيع في السوق الموازي. يقول سائق شاحنة إنها تجري بدعم من أصحاب المحطات، الذين يبيعون الوقود بكميات كبيرة لتجار السوق الموازي.
كذلك كشفت الجولة عن استقرار في أسعار الأدوية، مع توفّرها. وتنشط في سوق المثلث عمليات بيع وشراء لمستلزمات سقوف المنازل مثل سعف النخيل، والقنا، والقش. يقول جابر بابكر، التاجر بسوق الحطب، لمراسل «أتَـر»، إن عودة الناس إلى منازلهم بالمنطقة، وارتفاع أسعار مواد البناء، جعلاهم يلجأون إلى السقف بالمواد البلدية، وهو ما يؤدّي إلى زيادة الطلب عليها وارتفاع أسعارها. ويبيع جابر ربطة القنا بمبلغ 30 ألف جنيه، وربطة سعف النخيل بـ25 ألف جنيه، وربطة الحصير بـ60 ألف جنيه، وربطة القش بـ5 آلاف جنيه.
ينوه جابر إلى أن سوق المثلّث يستقبل الخشب والحطب القادم من جنوب السودان عبر ولاية النيل الأبيض ومنه يُرسَل إلى تجّار داخل الخرطوم والولاية الشمالية. وفي المقابل يستقبل سعف النخيل الوارد من الولاية الشمالية، في ما يسمّيه «عملية تبادل».
وينوه جابر إلى أن سوق المثلّث يستقبل الخشب والحطب القادم من جنوب السودان عبر ولاية النيل الأبيض ومنه يُرسَل إلى تجّار داخل الخرطوم والولاية الشمالية. وفي المقابل يستقبل سعف النخيل الوارد من الولاية الشمالية، في ما يسمّيه «عملية تبادل»، وقال: «كشات المحليات ودفارات الإزالة، التي تهدّد بإزالة السوق لا تقيم وزناً ولا تقدّر جيداً هذا الدور الحيوي الذي يؤديه السوق مع شحّ الكاش».
وتشهد أسعار الماشية في السوق ارتفاعاً، حيث يتراوح سعر الخروف بين 800 و900 ألف جنيه، ويبلغ سعر النعجة الواحدة 750 ألف جنيه، وأنثى الماعز 700-800 ألف جنيه. ويعزو لطفي الصديق تاجر الماشية بالسوق هذا الارتفاع في الأسعار إلى اقتراب عيد الأضحى، وقلة الوارد من كردفان بسبب الظروف الأمنية. ويقول: «في ملعب الخماسيات القريب من السوق، يتخاطف التجّار الوارد من شمال كردفان قبل دخوله».
وقد ارتفعت أيضاً أسعار الماشية من الأبقار، إذ يتراوح سعر العجل الصغير بين مليوني جنيه وثلاثة ملايين جنيه، والإبل بين 3 ملايين و4 ملايين جنيه. وتبعاً لذلك ارتفعت أسعار اللحوم، إذ يبلغ سعر كيلو الضأن 44 ألف جنيه، والعجّالي 40 ألف جنيه، وكيلو الإبل 38 ألف جنيه؛ بينما يُباع كيلو السمك بـ5 آلاف، وكيلو الدجاج بـ18 ألف جنيه. وتُباع ملوة الذرة البيضاء بـ8,500 جنيه سوداني، وملوة الدخن بـ9 آلاف جنيه، وملوة القمح بـ8 آلاف جنيه، وملوة ذرة «العكر» بـ6 آلاف جنيه.