أتر

في سوق دار مالي: يبيعون حتى غبار الذهب

في أوائل أبريل الماضي أجرى مراسل «أتر»، رحلة إلى سوق دار مالي بولاية نهر النيل، ليكتب مشاهداته ومحادثاته مع التجار هناك. من صينية الميناء البري بعطبرة، رأى مراسل «أتر»، أثناء رحلته إلى الطواحين أعداداً من العربات الصغيرة، وهي تصطف لنقل الناس إلى سوق دار مالي بتذكرة تتراوح بين 10 إلى 12 ألف جنيه للراكب الواحد، وهو خط مواصلات أساسي للذين يتجهون شرقي مدينة عطبرة.

يقع سوق طواحين دار مالي شمال شرقي مدينة عطبرة، على الطريق القومي بين عطبرة وبورتسودان على بعد حوالي 20 كيلومتراً من صينية الميناء البري عطبرة. وهو بعيدٌ نسبيّاً من قرية دار مالي التي أُخِذَ عنها الاسم، والتي تقع شمال عطبرة على الطريق القومي بين عطبرة وأبو حمد. وسبب التسمية أن السوق بدأ في بلدة دار مالي، قرب كلية الزراعة التابعة لجامعة وادي النيل، قبل أن يُنقل لاحقاً إلى موقعه الحالي.

بحسب المعلومات التي جمعها مراسل «أتر»، فإن البدايات الأولى لسوق دار مالي «الطواحين» في موقعه الحالي كانت في نهايات العام 2015، وحينها كان يُوجد عدد قليل جداً من المحلات، ومجمع به طواحين يمكن عدُّها على أصابع اليد الواحدة ثم توسع بعد ذلك. وبالحديث عن توسع السوق، يُقسِّم الناس في دار مالي السوق إلى «السوق الجديد» و«السوق القديم». يمتد السوق القديم من الحدِّ الشماليِّ للسوق، مُتّجهاً نحو الجنوب حتى مبنى المحلية القديم الذي صار مركزاً للشرطة، والسوق الجديد يمتد من مبنى المحلية القديم وحتى بوابة دار مالي أمام الطريق السفري إلى بورتسودان، وهي مسافة تُقدَّر بحوالي كيلومترٍ واحد.

سوق دار مالي الطواحين، مارس 2015

المصدر: Google Earth Pro

في 2015 كانت المساحة المخططة للسوق مُستطيلة الشكل بطول كيلومتر واحد وعرض كيلومترين وتقارب مساحته كيلومترين مربعين. أما اليوم، فيمتدُّ سوق دار مالي على مساحة تقارب 8 كيلومترات مربعة، بعرض 3.3 كيلومتر، وطول 2.4 كيلومتر، ولا يزال يتمدَّدُ على الاتجاهين الشرقي والغربي. جزءٌ كبيرٌ من هذه المساحة، عبارةٌ عن مواقع عمل طواحين الحجر التي يُستخرج منها الذهب. ويعمل في هذه المواقع مئات العمال الشباب.

يُحاط السوق بتروس ترابية تُسمَّى محلياً بالترينش «Trench»، وهي تحيط بالسوق من الاتجاهات الأربعة، وتهدف إلى تقييد حركة الناس والعربات الداخلة والخارجة من منطقة السوق، لتمرَّ عبر البوابة الرئيسة، التي يوجد بالقرب منها مبنى المحلية القديم. من بوابة السوق يمتدُّ شارع رئيسي ترابيّ «ردمية» على مسافة حوالي 2.4 كيلومتر، من الجنوب نحو حد السوق الشمالي، ويُقسِّم هذا الشارع السوق إلى غربيٍّ وشرقيٍّ، وهو تقسيم جغرافي يُحدِّدُ به سُكّان السُّوق مواقعهم.

سوق دار مالي الطواحين، يونيو 2023

المصدر: Google Earth Pro

حدث التوسع الأول لسوق دار مالي تدريجياً، ببناء المحلات ودخول المواقع الجديدة على مدى عدة سنوات بين 2016 و2024؛ ويُمكن اعتباره نمواً عضوياً طبيعياً، لكن التوسع الأخير كان مختلفاً، إذ حدث على مدى أشهر بين عامي 2024 و2025 وليس سنوات. وبحسب حديث الناس في السوق، بدأ التوسع الأخير عندما وزَّعت محلية بربر مساحاتٍ جديدةً في السوق في عام 2024. ورغم هذا، لم يحدث التوسع على الأرض، إلا في نهايات 2025، فبدأ بناءُ محلّاتٍ جديدة، ودخلَت طواحينُ جديدةٌ إلى العمل في سوق طواحين دار مالي خلال فتراتٍ وجيزةٍ، ومن ثم اتَّخذَ السوق شكله الحالي.

صورتان تظهران توسع سوق دار مالي بين يوليو 2024 (على اليسار) ويوليو 2025 (على اليمين)

المصدر: قمر Sentinel-2

صورة واضحة لسوق دار مالي للطواحين، مارس 2025

المصدر: Esri | World Imagery Wayback

أراضٍ بقيمة الذهب

يقول المتعاملون في دار مالي، إن تصاديق مساحات مواقع الطواحين تتراوح بين 1000 إلى 2000 متر مربع في الغالب، وإن أسعار التصاديق الابتدائية لهذه المساحات معقولة بالنسبة لهم؛ لكن دخول جهات «حكومية وسيطة» – بحسب ما أخبروا في معرض الحديث – يرفع الأسعار، إذ تُعيد تلك الجهات بيعَ التصاديق بأسعار عالية قد تصل إلى حوالي 50 مليون جنيه.

قاربت المساحات التي يمكن للمحلية التصديق بها في سوق طواحين دار مالي على النفاد. ويعتقد التجار في السوق أنه وبمجرد أن تكتمل تصاديق المساحات في السوق الجديد، سيبدأ توزيع تصاديق توسعة جديدة، والتي يعتقدون أنها ستكون بالاتجاه الشرقي أو الغربي من السوق. ويرى التجار أن التصاديق في المناطق الجديدة ستكون بأسعار معقولة، أي حوالي 5 إلى 10 ملايين جنيه بحسب تقديراتهم التي أفادوا بها مراسل «أتر»، وأن أسعارها ستزداد تدريجياً بالتوازي مع نمو التوسعة الجديدة وتدخُّل الوسطاء.

تتبع الأراضي في سوق دار مالي «الطواحين» لمحلية بربر، ويُوجد في السوق مكتبٌ لضابط إداري يتبع لمحلية بربر، التي تمنح تصاديق الأراضي لمواقع الطواحين وأراضي المحلات، وتصاديق الوقود وغيرها من شؤون المحليات. ويقول المتعاملون في دار مالي، إن تصاديق مساحات مواقع الطواحين تتراوح بين 1000 و2000 متر مربع في الغالب، وإن أسعار التصاديق الابتدائية لهذه المساحات معقولة بالنسبة لهم؛ لكن دخول جهات «حكومية وسيطة» – بحسب ما أخبروا في معرض الحديث – يرفع الأسعار، إذ تُعيد تلك الجهات بيعَ التصاديق بأسعار عالية قد تصل إلى حوالي 50 مليون جنيه، بحسب حديث أحد أصحاب الأعمال التجارية في سوق دار مالي.

تختلف أسعار المساحات في سوق دار مالي بحسب مواقعها، فكلما كانت بَعُدت المساحة من الطريق الرئيسي قلَّتْ أسعارها. ووفقاً للعاملين وأصحاب المحلات الذين تحدَّث معهم مُراسل «أتَر»، يبلغ سعرُ تصديق الأرض لمحل حوالي 25 مليون جنيه، إذا كان في الشارع الرئيسي، لكن سعر التصديق الأساسي ليس مُؤكَّداً بسبب تدخل «وسطاء التصديقات». يبني بعض أصحاب التصاديق المحلَّ ويُؤجِّرونه للتجار، وتتراوح الإيجارات ما بين مليون ونصف إلى مليونَي جنيه. وأغلب المحلّات التي لا ترتبط بالذهب على نحوٍ مُباشر تُبنى من موادّ رخيصة مثل ألواح الزنك، ولا تكون في الغالب مُطلَّةً على شوارع رئيسية، لأن إيجاراتها أعلى بكثير من إيجارات الأزقة في سوق دار مالي.

تتحصَّل محلية بربر رسوماً متنوعة من المحلات التجارية في السوق مثل الصحة والنفايات وغيرها، وتُباشر بقية النشاطات التي يقوم بها الضباط الإداريون في الأسواق. كما تتحصَّل الشركة السودانية للموارد المعدنية رسوماً تبلغ 25 ألف جنيه لجوال الحجر (ويعادل جوال السكر زنة 50 كيلو) مقابل العبور إلى داخل سوق دار مالي.

تصوير: مراسل أتر

اليوم، أصبح سوق دار مالي للذهب، أو «دار مالي الطواحين» كما يُسمَّى محلياً، أكثر من مُجرَّد سوق بضاعته الأساسية هي الذهب، إذ يتوافر كل شيء في السوق تقريباً: بقالات، مخابز، محلات بيع ملابس، ترزية، غسالون ومطاعم وأندية مشاهدة ومقاهٍ ومحلّات حلاقة، صيدليات، ومساجد ومحلات موبايلات، باعة جوالون وفريشة، أكشاك تجارية صغيرة، حمَّامات ومحلات تُوفِّر الاحتياجات الشخصية بمُختلف أنواعها، كما توجد أمام بوابة السوق محطَّة وقود ومحلات بقالة ومطاعم على الجهة المقابلة، أفلتت خارج حدود السوق مع أسعار أعلى نسبياً من الأسواق في مدينة عطبرة.

ترتبط هذه المحلات في الأساس بخدمة احتياجات أعداد كبيرة من الناس، بدايةً بالمُسافرين على شاحنات الحجر، والعُمَّال داخل السوق والتجار والموظفين وأفراد الأمن والشرطة، لكن الفئة الغالبة من الناس في السوق عُمّالٌ يعملون في أنشطة الذهب المُختلفة، فمنهم من يَعملون في طواحين الحجر والخلاطات والبورميل وآخرون يعملون في معامل وورش تكرير وتنقية الذهب وصولاً إلى نقطة بداية دخول الذهب إلى السوق في شكل جوالات ممتلئة بالحجر، تُفرِّغها أعداد كبيرة من العمال من الشاحنات التي تنتظر دورها على مدخل البوابة.

منطقة تجارية وصناعية

ورشة تصنيع خالطات أسطوانية في سوق دار مالي

تصوير: مراسل أتر

وفي علاقة أقرب بالذهب نفسه، توجد في دار مالي ورش حدادة لتصنيع الخلاطات الاسطوانية الحديثة التي تُعالج الحجر المطحون بواسطة طاحونة البورميل، ولهذا يُمكن اعتبار أن سوق دار مالي أصبح منطقة تجارية وصناعية مُرتبطةً بالذهب.

البولميل (Ball Mill) أو البورميل كما يُسمَّى في سوق دار مالي، هو طاحونةُ صخورٍ مصنوعةٌ من المعدن على شكل أسطواني، تُوضع أفقياً على الأرض أو على منصة خرسانية، وتحتوي بداخلها على كرات معدنية، وعند تشغيلها تدور هذه الكرات وتتحرَّك لتتصادم مع الصخور وتطحنها إلى مسحوق شديد النعومة. تتفاوتُ أسعار أنواع البورميل المُختلفة، وتتراوح بين ما يعادل 70 إلى 90 ألف دولار في السوق السوداني المحلي. وبحسب أهل السوق، فقد دخل البورميل الخدمة في السودان في عام 2021، ولم يكن مُقنَّناً قبلها في البلاد، وأحدث نقلة ملحوظة في نسبة استخلاص الذهب من الصخور.

بولميل في سوق دار مالي

تصوير: مراسل أتر

توجد في السوق أيضاً الطواحين المائية، وهي التكنولوجيا التقليدية لطحن الصخور مع الماء ومعالجتها باستخدام الزئبق، وتبلغ نسبة استخلاص الذهب باستخدام الطواحين المائية 30% من كمية الذهب الموجودة في الصخور أو الحجر، ما يجعل مُخلَّفات الطواحين المائية والتي تُسمَّى بالكرتة تحتوي على 70% من كمية الذهب المُترسّبة في الصخور، أي أن الكرتة غنية بالذهب، وهي العنصر الأوَّلي في صناعة كبيرة تضمُّ شركات كثيرة مُتخصِّصة في استخلاص الذهب من مُخلَّفات الطواحين المائية.

طواحين مائية في سوق دار مالي

تصوير: مراسل أتر

رسمياً يُمنَعُ المعدنون الأهليون من مُعالجة الكرتة، نظراً للمخاطر العالية لمادة سيانيد الصوديوم وهي مادة شديدة السمية وخطرة على البيئة. ورغم ذلك، فإن معالجة الكرتة مسموحة في منطقة خلوية واحدة تُسمَّى «الدروة» تبعد حوالي 3 كيلومترات ونصف شمال شرق السوق، وفيها يؤجر المُعدِّنون الأهليون مواقعَ للعمل في أحواض الترسيب.

حتى تاريخ اليوم، يُمنع عمل البورميلات خارج حدود سوق دار مالي، وفي داخل السوق توجد مئات من طواحين البورميل مُوزَّعة في مواقع واسعة؛ وعملها في داخل منطقة محصورة كسوق دار مالي، يعني أن الدولة عبر ضرائبها تُهيمن على نشاط التعدين القائم على البورميل وعوائده المالية.

رحلة الذهب

خالطات أسطوانية في سوق دار مالي

تصوير: مراسل أتر

تبدأ رحلة الذهب بـ«التنسيب»، وهو العملية الأولى التي يُقدِّر فيها المُعدِّن كمية الذهب الموجود في الحجر الذي يَحمله في الجوالات. وفي أكثر طرقها التقليدية يَطحن المُعدِّن عينات صغيرة من حَجَرِه في صحن معدني ويغسلها بحرصٍ ويُحرِّكُها حتى يَظهر خيطٌ من غُبارٍ بلونٍ ذهبي. وهنا بحسب كمية المعدن، وتقديراته الشخصية، يُقرِّرُ أن هذا الحجر يستحقُّ المضيَّ به نحو دار مالي أم لا.

وفي داخل السوق، يَمتلك مستثمرون بأسماء عمل تجارية طواحين البورميل، وتُؤجر الواحدة منها بالساعة أو بالجوال (حوالي 15 ألف جنيه للجوال، وسعر عمل الخلاط حوالي 20 ألف جنيه). ويتكفل صاحب الحجر، بجانب جوالات الحجر المطحون، بجلب المواد الضرورية مثل الفحم الحجري والذي يبلغ سعر الجوال زنة 25 كيلو منه حوالي 700 ألف جنيه على الأقل، وجوال الثيوريا زنة 25 كيلو 825 ألف جنيه. يضيف العمال في الخلاط 1 كيلو فحم، 1 كيلو أسمنت، ونصف كيلو ثيوريا لكل جوالين من الحجر المطحون بواسطة البورميل.

بعد طحن الحجر في البورميل، يُنقل المسحوق إلى الخلاطات الأسطوانية الكبيرة، وهنا يُخلط الحجر المطحون مع الماء ومادة الثيوريا والأسمنت ومادة الكربون المُشبّع والذي يُسمى الفحم الحجري. والكربون لديه خاصية فيزيائية لالتصاق المعادن به وخاصة الذهب. أما الثيوريا فتعمل على تفكيك التربة، والأسمنت يُستخدم لفصل التربة عن العجينة الكربونية في قاع الخلاط. جميع هذه المواد لها خصائص فيزيائية في فصل وإعادة توزيع مُكوِّنات الحجر المطحون.

يعمل الخلاط من 8 إلى 10 ساعات، وبعدها يُترك المزيج ليترسَّب، ومن ثم يُفتح مصبٌّ سفليٌّ لتفريغ الطبقات العليا من الخليط، وهي عبارة عن طين عالي الميوعة، به خليط من الماء والثيوريا والأسمنت. يُفرغ هذا الطين في أحواض مفتوحة تُعرف بأحواض الكرتة. وعندما يجفُّ تُعرَفُ هذه التربة بكرتة البورميل. يعتقد العاملون في دار مالي، أن نسبة استخلاص البورميل هي ضعف نسبة الطواحين المائية، ويعتبرون أن البورميل يستخلص ما يصل إلى 80% من كمية الذهب الموجود في الحجر المطحون، ما يجعل كرتة البورميل فقيرة بالذهب لتصل إلى نسبة 20%. ومع هذا يعمل المُعدِّنون على استخلاص هذه النسبة الصغيرة من الكرتة.

بعد تفريغ كرتة البورميل، تتبقَّى في الخلاط عجينة سوداء، وهي خليط من الكربون والذهب ومعادن أخرى وشوائب، ويجري نقل تلك العجينة السوداء إلى أحواضٍ لتجف، وتُعَدُّ غنيةً بالذهب؛ ولإنتاجه منها تُنقل العجينة الكربونية الجافَّة إلى فرن، وعند حرقها بدرجات حرارة عالية تنصهر البلُّورات المعدنية في قلبها وتتجمَّع في كُتلةٍ واحدة. وبعد الحرق تتحوَّل العجينة إلى كتلة حجرية صلبة تُسمَّى «الخبث»، والتي يجري تكسيرها فتظهر كتلٌ معدنيّةٌ ذهبيةٌ في الداخل، ويَتعيَّنُ أن تُنظَّف وتُنقَّى.

لتنقية الذهب من الشوائب، تُوجد معامل وورش مُتخصِّصة في سوق دار مالي، وتعتمد أغلبها على صهر القطعة الذهبية حرارياً مع مواد كيميائية مثل مادة الجنكار (Borax) لتكون عاملاً مُساعداً في صهر المعدن وحمض الكبريتيك، وتُساعد على التخلص من الشوائب. وتُستخدم أفرانٌ صغيرةٌ تعملُ بالغاز أو الفحم الحجري وقوداً، ويُوفّران درجات حرارة عالية، وكافية لفصل المعادن والتخلُّص من الشوائب.

بعض المعامل الحديثة في دار مالي، تُنقِّي القطعة الذهبية عبر صهر الذهب باللِّيزر، بماكيناتٍ تعمل بالكهرباء. لكن هذه الطرق لا تعمل في حال احتوت السبيكة على عناصر غير مُتبلورة، مثل الحديد الذي يَحتاج إلى درجات حرارة أعلى لا يُوفِّرها الصهر بالليزر، ولهذا يتأكد العامل قبل البدء في العمل من انعدام أيِّ نسبة حديد أو نحاس غير مُتبلوِرة في السبيكة عن طريق قطعة مغنطيس صغيرة. وأغلب الصهر بالليزر غرضه مُجانَسَةُ القطعة الذهبية التي بها لديها أكثر من عيار واحد.

قياس عيار الذهب هو أول مرحلة تجارية، وتتولى هذه المَهمَّة معاملُ وورشٌ ومحلّاتٌ كثيرةٌ مُنتشرةٌ في سوق دار مالي، وتُسمَّى هذه العملية محلياً بالـ«شيشنة». عيار الذهب هو مقياس لنقاء الذهب، ويُعتبر عيار 24 قيراطاً هو الذهب الأكثر نقاء ( Fine Gold999.9) وتعني أن 99.99% من السبيكة ذهب، مع وجود شوائب بنسبة 0.01% والعيارات الأخرى يكون الذهب مخلوطاً فيها بمعادن أخرى كالنحاس والزنك.

قبل قياس عيار الذهب يتأكَّد عامل الشيشنة يدوَّياً من أن نسبة الحديد ليست عالية في السبيكة، ويُستَعمَلُ في ذلك مغنطيس صغير يُقرِّبه إلى السبيكة، أي يُحاول مُلاحظة وجود نسبة عالية من معادن غير مُتبلوِرة مع الذهب، إذا كانت النسبة عالية. وعلى صاحب الذهب الرجوع مرة أخرى إلى مرحلة الفرن بالفحم الحجري لفصل نسبة الحديد والشوائب العالية. وإذا تعذر التعيير لوجود عدة عيارات، يرجع صاحب القطعة الذهبية إلى صهر السبيكة بالليزر لتوحيد العيار، ولهذا فإن عملية تنقية الذهب وتعييره قد تأخذ عدة جولات بين محلَّات ومعامل مُختلفة التخصُّصات.

في حساب العيار، تُستخدم اليوم في دار مالي أجهزةٌ حديثةٌ مثل جهاز شركة فيشر الألمانية، وهي أجهزةٌ تعملُ بتقنية الأشعة السينية لتحديد عيار قطعة الذهب في دقائق، وكما يمكن لإصدارات أحدث تحديد أنواع العناصر والمعادن الأُخرى الدَّاخلة في تكوين سبيكة قطعة الذهب بدقة. شوهد جهازFischer Goldscope SD 515  في أحد محلات الشيشنة في سوق دار مالي. لا يحتاج الجهاز إلى عمل ثقب أو برد في السبيكة لتعيير الذهب، وهي الميزة الأساسية في هذه الأجهزة. ورغم هذا تقوم معامل الشيشنة في دار مالي ببرد السبائك وأخذ عينة مُصغَّرة وهي التي يجري فحص عيارها باستخدام الأجهزة الحديثة، مُقابل 20 ألف جنيه لسبائك ثمنها ملايين الجنيهات.

تُسلِّمُ محلَّاتُ تعيير الذهب صاحبَه بطاقة تُسمَّى «كرت شيشنة» ويُكتب عليها وزن السبيكة ووزن العينة المفحوصة وعيارها، وهي أول وثيقة مُرتبطة بالقطعة الذهبية داخل السوق. يذهب صاحب القطعة الذهبية بعدها، إلى مبنى الشركة السودانية للموارد المعدنية، والتي توجد بجوار بوابة دار مالي. يُسلِّم صاحب الذهب قطعته الذهبية لمكتب الشركة السودانية للموارد المعدنية ومعه كرت الشيشنة، وتُملأ استمارةٌ مجانيةٌ ببيانات صاحب الذهب ومواصفات ومعيار وشكل ووزن قطعته الذهبية.

تُعتبر هذه الاستمارة هي أول وثيقة حكومية رسمية، في ما يخص القطعة الذهبية التي جرى تعدينها وإنتاجها، وهي التي تُتيح لصاحبها حمل قطعته الذهبية. ويُعتبر سوق دار مالي منطقةً حرةً لتبادل وبيع الذهب، أما بعد عبور بوابة السوق مباشرةً، فإن حمل أي قطعة ذهبية دون استمارة يُعَدُّ عملية تهريب ذهب أمام السلطات.

سمع مراسل «أتر» قصصاً داخل السوق عن تحايل بعض التجار على الاستمارة، فيختمون عليها بأختام بيع وهمية ويُسلّمون استمارة الراجع إلى مكاتب الشركة لكي يحتفظوا بتجارتهم مع دار مالي، وأيضاً لكي يحتفظوا بالذهب في حوزتهم.

مدة صلاحية الاستمارة 3 أيام فقط، أي ينبغي تجديدها في مكاتب الشركة السودانية في عطبرة كل ثلاثة أيام عند الرغبة في عدم بيعها، وفي ما يبدو أن هذه المدة القصيرة جزء من سياسة حكومية لدفع تبادل الذهب ومنع تخزينه.

في حالة بيع قطعة الذهب، يَحتفظ المُشتري بنسخة من الاستمارة عليها ختمٌ يُثبت شراءه الذهب، وهذه الصورة يذهب بها لاستخراج استمارة جديدة باسمه. أما البائع فيُسلِّم الاستمارة القديمة مرَّة أُخرى بختم البيع إلى مكاتب الشركة السودانية للموارد المعدنية، وتُسمَّى هنا «استمارة راجع». وإذا لم يقم التاجر بتسليم «استمارة راجع» إلى مكاتب الشركة، تمتنع الشركة عن إصدار استمارات جديدة له، ويفقد بالتالي قدرته على مُمارسة تجارة الذهب من سوق دار مالي. ورغم هذا، سمع مراسل «أتر» قصصاً داخل السوق عن تحايل بعض التجار على الاستمارة، فيختمون عليها بأختام بيع وهمية ويُسلّمون استمارة الراجع إلى مكاتب الشركة لكي يحتفظوا بتجارتهم مع دار مالي، وأيضاً لكي يحتفظوا بالذهب في حوزتهم.

لا توجد حتى الآن نافذة شراء تابعة للشركة السودانية للموارد المعدنية الموجودة في سوق دار مالي، لكن مكاتبها الموجودة هناك تتحكَّم في مسارات ووجهات الذهب الذي جرى تعدينه وإنتاجه في السوق، وتتتبّع البيانات المُحتَملة لعمليات تبادل وتجارة الذهب الذي جرى تعدينه وفي حوزة أي الجهات أو الأشخاص يكون، وكل هذا من خلال «استمارات الترحيل» التي تُصدرها، فالاستمارة تسمح لحاملها بالتحرُّك حاملاً القطع الذهبية إلى وجهة مُعيَّنة تحددها الشركة، عطبرة على سبيل التحديد، ومن عطبرة توجد وجهة واحدة: بورتسودان، ومن ثم إلى الصادر. وإذا تحركت القطع الذهبية إلى أي وجهات أخرى تعتبر شرطة تأمين التعدين أن هذا التحرك هو عملية تهريب للذهب.

سوق طبقي أيضاً!

بسبب الشبكة الواسعة بين الصاغة والسماسرة، التي تمتدُّ حتى المُصدِّرين في مكاتب مدينة بورتسودان، وبسبب عدد الأنشطة والمعاملات ونوعها، والتي قد يقوم بها الشخص الواحد في سوق دار مالي؛ يصعب الجزم بحجم صائغ من على البُعد، كما يصعب إيجاد الحدود الواضحة بين كون الصائغ تاجراً أم سمساراً.

تعتبر المساحة داخل حدود سوق دار مالي الطواحين منطقة تجارية حُرَّة، يُسمح فيها بتبادل الذهب وبيعه وشرائه من غير إثبات ملكية، حتى أن بعض الصاغة يَستدينون من بعضهم البعض بالذهب وليس بالجنيه السوداني.

يُقيَّم التاجر في دار مالي بإحدى اثنتين: إما رأس ماله من الذهب، أو كميات الذهب التي يمكنه جمعها في وقت مُحدَّد لتاجرٍ أكبر منه. وينقسم تجار الذهب والصاغة داخل حدود سوق دار مالي إلى ثلاث فئات أو مراتب أساسية. في المرتبة الدنيا يُوجد صغار التجار والسماسرة، وهؤلاء ممن لا يملكون رأس مال كبيراً أو من لم يصلوا إلى تمويل كبير يكفي لشراء أكثر من عدَّة جرامات، ويَكتفون بعقد صفقات البيع بين أصحاب الجرامات القليلة وبين تُجَّار آخرين، وهؤلاء يبيعون الذهب للفئة الأكبر منهم من الصاغة.

المرتبة المُتوسّطة من تجار دار مالي بها عدد من الدرجات، تبدأ ممَّن يَستطيعون شراء جرامٍ أو اثنين على الأكثر، ويتدرَّجون إلى الذين يُسمّون محلياً في دار مالي بـ«أصحاب السقوفات»، وهم من لديهم سقف تحويل في تطبيقات حساباتهم البنكية، فيعتمدون على التعامل بعدَّة حسابات، وقد تكفي لشراء 200 جرامٍ في اليوم، وهكذا وصولاً إلى الذين يستطيعون شراء أكثر من كيلو ذهب في اليوم. لكن المُشترَك بين أصحاب هذه الدرجات أنهم صاغة، ولديهم شبكات متنوعة الأحجام من التجار الأصغر منهم والسماسرة. أما الفئة العليا من صاغة دار مالي، هم من يعملون مع المُصدِّرين في مدينة بورتسودان، وهم ذوو رؤوس أموال عالية أو لهم قدرة للحصول على تمويل كبير لشراء وجمع كميات كبيرة من الذهب المُتناثر في أيدي الناس في سوق دار مالي.

يقول الصاغة في دار مالي، إن نافذة الشراء التابعة للشركة السودانية للموارد المعدنية في مدينة عطبرة، تشتري الذهب من أصحابه بسعر أعلى نسبياً من سعر سوق دار مالي، ولكن عملية إعادة تقييم عيار ذهبهم التي تُجريها نافذة الشركة، قد تكون تجارة خاسرة للصاغة؛ ففي حال قيَّمَتْ الشركة قطعهم الذهبية بعيارٍ أقلَّ من الذي فحصوه في محلات الشيشنة، يحاولون الانسحاب من البيع لها ويعودون أدراجهم ليبيعوا ذهبهم للصاغة داخل سوق دار مالي.

وبسبب الشبكة الواسعة بين الصاغة والسماسرة، التي تمتدُّ حتى المُصدِّرين في مكاتب مدينة بورتسودان، وبسبب عدد الأنشطة والمعاملات ونوعها، والتي قد يقوم بها الشخص الواحد في سوق دار مالي؛ يصعب الجزم بحجم صائغ من على البُعد، كما يصعب إيجاد الحدود الواضحة بين كون الصائغ تاجراً أم سمساراً.

يرى بعض الناس أن نصف الصاغة في دار مالي لا يملكون رأس مال عاملاً في الأساس، أي أنهم أشبه بمناديب أو سماسرة للمُصدِّرين في بورتسودان.

تكون الأرباح واضحة بالنسبة للصاغة، للأوزان التي تبلُغ أو تزيد عن نصف الكيلو، وكلما زادت كمية الذهب منحت صاحبها عامل قوة تفاوضياً (leverage) في عمليات البيع، فإن كان سعر الجرام 500 ألف جنيه في أحد الأيام، يمكن لصاحب الذهب بيعه بـ 501 أو 502 ألف جنيه، وهذا يعتمد كلياً على كمية الذهب التي يَملكها أو التي يَستطيع جمعها، فقد يربح أحياناً تجارُ الفئات العليا 10 جرامات لمعاملات بيع 1.5 إلى كيلوجرامين من الذهب.

لكن كيف يربح أغلب الناس داخل سوق دار مالي من الذهب؟

على سبيل المثال، الصائغ الصغير الذي يجمع القطع الذهبية من أيدي الناس، من هذا 1.06 جرام ومن آخر 4.09 جرام، وآخر سبيكة ذهب 20.2 جرام، ويشتريها جميعاً بسعر الجرام؛ يكسب هذه الكسور الزائدة، وقد تصل إلى جرام أو أكثر في اليوم للتاجر الواحد. ويَحصل أصحاب محلات الشيشنة، على كميات غير معروفة من غبار الذهب الذي يتبقَّى في الأجهزة بعد ثقب القطعة الذهبية ومعرفة عيارها. أما أصحاب أفران صهر الذهب، فيحصلون على مُخلّفاته، وتُسمى الخبث الذي يحتوي على كميات قليلة وغير مُحدَّدة من غُبار الذهب. وبالنسبة لأصحاب كرتة البورميل، والخلاطات، والطواحين المائية، هناك دائماً غبار ذهب ما على كل شيء داخل السوق.

أما أصحاب الذهب الأوائل، من حفروا الصخر في مفازات شمال السودان وشرقه، المسافرون من بعيد نحو دار مالي، من تمتلئ وجوههم الشاحبة بغبار لا يلمع، ربما بعضهم يعرف غبار ذهبه الذي تركه في السوق مُتغافلاً أو ربما تعجزه الحجة في الحصول عليه، وفي كلتا الحالتين، يعيش معظم الناس في دار مالي على غبار ذهب على وجه شاحب وعيون متيقظة.

وجوه حذرة وعيون يقظة

أهم الأحداث في السوق هي جرائم، وأغلبها جرائم سرقة أو نهب، وحوادث طعن، وجرائم قتل. وتحدث أغلب هذه الجرائم في لحظات يَضعف فيها الاستعداد والمُلاحظة الأمنية لدى الناس داخل السوق. ويحكي تاجر في دار مالي عن الجرائم المُلفتة والغامضة التي لم يعرف الناس في السوق مُرتكبيها حتى الآن، بينها جرائم لعصابات مُنظَّمة وعمليات نهب تحت تهديد السلاح.

تفرِضُ على مُحيط دار مالي وخاصة قُرب الترينش والبوابة رقابة أمنية واضحة، وقُرب البوابة تُوجد مبانٍ تتبع لشرطة تأمين التعدين. وفي داخل السوق يوجد المبنى القديم للشركة السودانية للموارد المعدنية، والذي أصبح قِسْماً للشرطة أيضاً، والذي يتلقَّى البلاغات من أيِّ أنشطة غير قانونية مُرتبطة بالسوق.

تتعاملُ الشرطة داخل السوق يومياً مع بلاغات وشكاوى عن أعمال سرقة وتجارة مُخدّرات وخمور وحوادث طعن داخل سوق دار مالي، وتعمل باستمرار على رصد أيِّ أنشطة أخرى مُرتبطة بتهريب مواد ممنوعة داخل السوق مثل سيانيد الصوديوم شديد السُّمية، الذي يُستخدم في معالجة مخلفات الطواحين المائية، كما تتعامل، على مدار الساعة، مع محاولات لتهريب الذهب خارج السوق، أي الذهب الذي لم تَصدر له استمارة من شركة الموارد المعدنية. ولهذا فإن أيَّ فردٍ حول وداخل السوق فهو عُرضةٌ للتفتيش من قِبَلِ الأجهزة الأمنية والشرطة.

في سوق دار مالي تنوُّعٌ عرقيٌّ: سودانيون من جهات عدَّة، يمتزجون معاً في شوارع وأزقة السوق، وأغلب العمال أصولهم ترجع إلى أطراف السودان المُختلفة، وأكثرهم من غرب السودان ومن مناطق الحدود الجنوبية، كما لاحظ مراسل «أتَر» بوضوح نسبة كبيرة من المُراهقين وصغار السن داخل السوق. يُمنع وجود النساء والأطفال في شوارع وأزقة السوق، ورغم ذلك سترى أطفالاً في الأزقة والشوارع الطرفية.

تُشير تقديراتٌ من داخل السوق، إلى أن ما لا يقل عن عشرات الكيلوجرامات من الذهب تُصدَر لها استمارات يومياً من سوق دار مالي. ومع ذلك، لا يُلحَظُ وجود أي أجهزة كشف معادن يدوية أو ثابتة في مدخل السوق، والتي يبدو أن لها أهمية قصوى في سوق هو مخصص لأغلى معدن في السودان.

تبدو الأجواء حول سوق دار مالي وداخله على درجة عالية من التوتّر الأمني، ويرتبط هذا التوتر أساساً بكميات الذهب الهائلة التي تُوجد بالداخل. تبدو وجوه الناس حذرةً وعيونهم يقظةً رغم ملامحهم المُجهدة. ويحمل التجار «الصاغة» وأصحاب محلات الذهب مُسدّساتٍ (طبنجات) معهم وفي محلاتهم. ويوضح أحد التجار في دار مالي الطواحين، أن أهم الأحداث في السوق هي جرائم، وأغلبها جرائم سرقة أو نهب، وحوادث طعن، وجرائم قتل. وتحدث أغلب هذه الجرائم في لحظات يَضعف فيها الاستعداد والمُلاحظة الأمنية لدى الناس داخل السوق، مثل أوقات الشِّجارات بين عدد من الأفراد، وفي أوقات الليل عندما تقلّ الحركة وتُسدل الجفون. ويحكي تاجر في دار مالي عن الجرائم المُلفتة والغامضة التي لم يعرف الناس في السوق مُرتكبيها حتى الآن، بينها جرائم لعصابات مُنظَّمة وعمليات نهب تحت تهديد السلاح، ويحكي عن أحد الأيام التي استيقظ فيها الناس في السوق واكتشفوا جثة شخص ما في أحد أحواض الكرتة.

كثيرٌ من العاملين لا يَبيت لياليه في السوق، ويَرجع مع نهاية اليوم إلى مدينة عطبرة، لكنّ عدداً غير معروف من سكان السوق يَعيشون داخله ويَبيتون فيه. يَتحصَّن أصحاب المحلات ليلاً بأبوابهم، أو داخل قفص السكسبوند أمام دكاكينهم، ويَستأجر العُمَّالُ أسرَّةً للنوم في الأماكن المفتوحة قرب طواحينهم، أما بعض صغار الباعة والجوَّالين في الأسواق ممَّن لا يملكون دكاناً ولا سريراً: لا يُعرف بالضبط كيف هي لياليهم.

Scroll to Top