أتر

نوتة من علم الكونكا 38

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.

عند الدكتور مْبيمْبي، كلُّ قوةٍ هي تقنية للهدم والتكوين، هي طاقة معماريّة تتغذّى وتعيش على الرّمل والأسمنت وقضبان الحديد والصّخر المهشّم، وكذلك الجسوم من عظم ولحم وعضل وأعصاب. وهذه القدرة هي مفتاح الأبدية التي تراود كلَّ سلطان، صَغُر أو كَبُر، أنْ يدخل عبر هذا الباب إلى إقليم «إرادة القوة» التي قال عنها سبحانه وتعالى محفظة إلهية؛ «إنّا جعلنا ما على الأرضِ زينةً لها لنبلوهم أيُّهم أحسنُ عملاً. وإنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرُزاً» (قرآن كريم، الكهف: 7-8). وقال الدكتور مبيمبي إنّ «المستعمرة» كانت معملاً عظيماً لمثل هذه القوة الجبّارة؛ قوّة لا يُسكِت غرورَها الهدمُ والإنشاءُ في المجال المحسوس، إخلاءُ الديوم «القديمة» لتحلّ محلّها الخرطوم نمرة 1 ونمرة 2، وإنما إخلاء التاريخ أيضاً، إخلاء العقول والثقافات وهدم الناس ثمّ تكويرهم بشراً آخرين. 

ومن حُسْن شُغل مبيمبي تقديرُه أنَّ هذا المجال الاستعماري، الذي ما فتئ يتجدَّد، يَهدِم بالقوّة المفرطة ما استقرّ في خاطر الفكر مِن تناقضٍ بين الشكل والمادة، المادّي والمعنوي، الطبيعي والصناعي، الغرض والوسيلة، فكأنّ هذا ذاك، وذاك هذا، بسلسلةٍ من الطفرات والتحوّلات والانقلابات التي تكسر وتجبر. ويتصوّر الدكتور مبيبمي أنّ إرادة القوة التي جنحت بالتكنولوجيا كلَّ الجنوح لا يكفيها سوى إغلاق باب الموت لصفوة مختارة، وقد تراءى لها حلمُ الأبدية أو كاد، باحتمال تحقيق هُجنة مثالية بين الجسد العضوي المهدَّد بالفناء وخلايا مصنَّعة تجدِّد الحياة وألياف إلكترونية تُغنِي عن العصب الحي. والهدف أن ينشأ خلق جديد، جنس فوق بشري يتحلّل من «الطين» الذي قام فيه «الإنسان» ليصبح مزجاً من المادة والطاقة التي لا تفنى لكن تتمتّع وتتمتّع، كمتعة إبستين ورهطه من الندامى المليارديرات بأجساد المراهقات الطيّعات في حرم سلطاني استثنائيّ انحلّ فيه كلُّ قيدٍ لا يبلغه ود مقنَّعة يمشي في الأسواق. 

ولم يبعد الدكتور مبيبمي النجعة، فبعض ما ذكَرَ عقيدة دينية مبذولة في مثل «المانفستو الحفيّ بالتكنولوجيا» من تأليف الملياردير مارك آندرسن (مواليد 1971)، الرأسمالي المغامر ومهندس البرمجيات الذي تحوم ثروته حول حاجز 2 مليار دولار، بحسب قائمة فوربز لأثرى أثرياء الكوكب. يشغل آندرسن موقعاً متواضعاً في هذه القائمة بالمقارنة مع رجال القمة، الأول إيلون ماسك (تيسلا وسبيس إكس، 839 مليار دولار)، والثاني لاري بيج (غوغل، 257 مليار دولار) والثالث سيرجي برين (غوغل، 237 مليار دولار) والرابع جيف بيزوس (آمازون، 224 مليار دولار) والخامس مارك زوكربرغ (فيسبوك، 222 مليار دولار)، فهو في المرتبة 2177. وتولّى لذلك، ربما من موقع الكاتب، صياغة الآيديولوجية الدينية لهذه الصفوة المالية؛ قيادة الطبقة الرأسمالية المعاصرة. 

في فاتحة المانفستو القصير، تحت عنوان «الحقيقة»، وعدٌ بأنّ في الإمكان الدفع نحو «طريقة جديدة متفوّقة للحياة وللوجود»؛ طريقة تيسَّرت أدواتها وأنظمتها وأفكارها والإرادة اللازمة لتحقيقها عياناً بياناً، ولو لثلّة من الآخرين، طريقة جوهرها «التكنولوجيا». يُعدِّد المؤلّف تحت عنوان «التكنولوجيا»، في جمل قصيرة تحاكي صياغة الآيات، أسُس هذه العقيدة: «المجتمعات كأسماك القرش، إما أن تنمو أو تموت»، «نعتقد أنّ النمو هو التقدّم، يقود إلى الحيوية، وتوسُّع الحياة، وزيادة المعرفة، ومستويات أعلى من الرفاه»؛ «نعتقد أنّ كلّ ما ينجم عن زيادة النموّ خير»؛ «هنالك ثلاثة مصادر للنموّ: نموّ السكان، واستغلال الموارد الطبيعية، والتكنولوجيا»؛ «المجتمعات المتطوّرة تتناقص حول العالم، عبر الثقافات – وربما يكون العدد الكلّي للسكّان في تناقص»؛ عليه «لا مصدر دائماً للنموّ سوى التكنولوجيا»؛ «نعتقد أنّ هذه هي قصّة التطوّر المادي لحضارتنا؛ هذا هو السبب لماذا لم نعد نعيش في أكواخ من الطين، نكابد كبداً من أجل البقاء وننتظر أن تقتلنا الطبيعة».

يُحْكِم دِين آندرسن مبادئه بالتحلّل من واحدية الجنس البشري، فالبشر الذين يُعتدّ بهم، من غادروا أكواخ الطين الحقيرة، تتناقص أعدادُهم، هؤلاء هم البشر الذين يدخل حسابهم في «العدد الكليّ للسكّان»، وسواهم فائض. ولا وسيلة أمام هؤلاء الفائزين، لدفع النموّ الاقتصادي والذي بدونه يهلك اجتماعهم، إلا بتعزيز القبضة التكنولوجية على الطبيعة والكوكب والكون، وبها يمكن لخلَف هذا الجيل «العيش في النجوم». ينتخب آندرسن من ثَمّ الأمثلةَ من تاريخ الجنس البشري لإثبات أنّ التكنولوجيا كانت حلّ كلّ عقدة، إذ «لا توجد معضلة مادية – إما من صنع الطبيعة أو من صنع التكنولوجيا – إلا ويمكن حلّها بمزيدٍ من التكنولوجيا: «كانت عندنا مشكلة جوع فاخترعنا الثورة الخضراء؛ كان عندنا مشكلة ظلام فاخترعنا الإضاءة الكهربائية؛ كانت عندنا مشكلة برد فاخترعنا التدفئة المنزلية؛ كانت عندنا مشكلة حرّ فاخترعنا التكييف؛ كانت عندنا مشكلة عزلة فاخترعنا الإنترنت؛ كانت عندنا مشكلة وبائيات فاخترعنا التحصين؛ الآن عندنا مشكلة فقر فلنخترع التكنولوجيا لنخلق الوفرة». تكَعْبَل آندرسن في سلسلة «الكَمْدة بالرَّمْدة» هذه عند الفقر، فكلّ معضلة وَجَد لها مقابلاً مكافئاً، برد/ تدفئة، حرّ/ تكييف، ظلام/ كهرباء سوى الفقر الذي تميَّز بمعاصَرته، فهو ليس من ماضي البشرية وإنما قضية حاضرة. لم يجد آندرسن لمعضلة الفقر مكافئاً كسابقاتها، واختار مقابلاً للفقر الوفرةَ ووسَّط بينهما التكنولوجيا قيدَ الاختراع، فغيَّب «الغِنَى» وهو مكافئ الفقر المعلوم، وكان ليجرّ في ذيله «الملكيّة»، وهو المفهوم الذي يصمت عنه آندرسن بالكلّية فلا يَرِدُ ولا مرة واحدة في المانفستو، ولا غرو، لو جِبْنَا اسمُه الهوا بقِسْمُه.

حَقَّ لآندرسن أن يصمت عن «الملكية» فهي العقدة الفرويدية المضمَرة في لَغْوه المرتجل، خاصة وأنّ الملكية التي درَّت عليه ما يقارب 2 مليار دولار، وعلى مثل ماسك وزوكربرغ مليارات تجرّ مليارات الدولارات، ليست ملكيةً رأسماليةً في معنى القاموس، كقول المرحوم كارل ماركس «ملكية وسائل الإنتاج»، وإنما، بتشخيص الاقتصادي اليوناني يانس فاروفاكيس (مواليد 1961)، ضربٌ من «الإقطاع»؛ إقطاع حيازته التكنولوجيا. وفرضية فاروفاكيس أنّ الرأسمالية تلك، الرأسمالية المنتجة التي تقوم عليها البرجوازية الثورية على دِين كلوتيلده، إما انقضَت سيادتها أو كادت، وحلّ محلّها في موقع القطاع القائد للاقتصاد «الإقطاع التكنولوجي» على دِين آندرسن. نشأ هذا القطاع السائد خلال العقدين الماضيين بعلّة عاملين حاسمين: خصخصة الإنترنت لمصلحة شركات التكنولوجيا الكبرى، والطريقة التي تصرّفت بها الحكومات الغربية في مجابهة الأزمة المالية عام 2008. وقاعدة هذا القطاع رأسمال «السحاب». ورأيُ فاروفاكيس أنّ هذه الطفرة في الرأسمالية ضعضعت عِمادَي الرأسمالية الاثنين، الأسواق والأرباح، إنْ لم تُطِح بهيمنتهما على التكوين الاجتماعي الرأسمالي مرةً واحدة، معكوس قول المرحوم محمد الحسن سالم حميد «طيرة تاكُل في جناها»، ها قد أكَلَ الجنا الطيرة الأم.

قلتَ كيف؟ يقدِّر فاروفاكيس أنّ الأرباح والأسواق صارتا تشغلان موقعاً طرفاً في التكوين الاجتماعي الذي يتسيَّده الإقطاع التكنولوجي، فماذا حلّ محلّهما؟ أزاحت منصّات التداول الرقمي الأسواق، وهي تبدو كما الأسواق لكنها أقرب ما تكون في واقع الأمر إلى الحيازات الإقطاعية، أما الأرباح، موتور الرأسمالية الثوري، فقد انحسرت لمصلحة سلفها الإقطاعي: «الريع». والريع هو ما يدفعه، بحسب فاروفاكيس، كلُّ مستخدم لأنظمة قوقل وآمازون وفيسبوك الرقمية والسحابية، وليست المليارات التي جناها آندرسن، ويجنيها أباطرة المال الذين يفوقونه ثروةً ونفوذاً، أرباحاً وإنما هي ريع على التكنولوجيا، بنت «العقل العمومي» وثمرته وقد أحيطت بأسوار «الخصخصة» (يانس فاروفاكيس، «الإقطاع التكنولوجي: قاتل الرأسمالية»، بنغوين راندوم هاوس، لندن/ نيويوك، ص 48-71)، علاقة الملكية التي سَهَى عنها آندرسن أو تَسَاهَى.

لكن، ما هو هذا الريع؟ الشرح القاموسي للريع هو ما يَجني الإقطاعي بحَوْله وقوّته على ما يحوز، لا بموارده وإنتاجه، إنما بالسلطان «الوحشي» الذي قال به الدكتور مبيمبي، ومثالُه التقليديّ سيدُ الأرض الإقطاعي الذي يقطع الطريق بوسيلة «الغانون»، فيشدّ سلسلةً من الحديد عبر نهر يمرّ بحيازته يمنع به حركة القوارب ويستأجر موظّفاً يجمع له الرسوم من العابرين. أو قُل تفتيش «الغايد» الدعّامي الذي يَحْصِر بتاتشر نصَب عليه دوشكا غزيرة الذخيرة حركةَ اللواري بين بارا والدلنج، فلا يمرّ سوى الذي يدفع عداً نقداً أو بنكك، رَغَمَك كم؟ إشارة بيضاء وخضراء تمرّ عبر إنترنت ستارلينك، فيجني، سوى الدعّامي، كذلك صاحب سبيس إكس ريعَه الخاصَّ ليصبّ من بادية كردفان وسِمسمها، الذي نبَت من عرَق عاملةٍ نازحةٍ، في محفظةٍ سحابيةٍ لا هي في دبي ولا هي في نيويورك، وإنما خارج الزمان والمكان، تتحوّل بعقدة خوارزمية قطرةً في بحر ملياراته. جَنت إذن سلسلة من «الدعّامة»، أوّلُهم مراهق كثيف العرَق كثّ الشعر هزيل الجسد جرَحَ حزام البندقية كتفَه اليافع يشكو لطوب الأرض من ظلم ذوي القربى، وآخرُهم إمبراطور يلهج بالحياة الأبدية وأميركا عظيمة مرة أخرى، مالاً، دون أن يداخل أحدهم عمليةَ «الإنتاج» ولو بقشّة، فلا هو مَن فلَح الأرض، ولا هو من بذل رأس المال، ولا هو من نظّم الإنتاج وأداره، ولا هو السمسار الذي يتوسّط حلقات الإنتاج والتوزيع ويحقّق «الساهلة»، ولا هو حتى «المثقف العضوي»؛ ذاك الذي بشَّر بآيديولوجيا الإنتاج والإنتاجية: في الفجريّة طالع بيزرع في المزارع يا ناس، سودانا نادانا!

تسعف القارئةَ، عند هذه المحطة الدموية، حيث جفّت الجثث بين الفاشر وطويلة، ويتصاعد مال بنكك بأزيز مراكز المعلومات في آريزونا البعيدة، نظرةٌ من نظرات الشيخ الإزيرق، المرحوم كارل ماركس، في تحرير التكنولوجيا من أسوار الملكية الخاصة، فهي عنده من «العقل العمومي»، عُهدة اشتراكية بالقريحة. واجترَحَ الإزيرق المفهوم في الكراس السابع من «الغروندريسه»؛ كشكوله لكتابه العمدة «رأس المال»:

«لا تصنع الطبيعة آلاتٍ، ولا تصنع قطاراتٍ أو سككَ حديٍد أو تلغرافاً كهربائياً أو بغالاً ذاتية الدفع [ولعلها «الروبوتات» تراءت للمرحوم من سنخ الموتورات] وهلمّجرا. هذه منتجاتُ الجهد الإنساني، مواد طبيعية تحوَّلت إلى أدوات للإرادة الإنسانية على الطبيعة، أو المشاركة الإنسانية في الطبيعة. هذه أدوات للعقل الإنساني، صنعتها يدُ الإنسان؛ فهي قوّة المعرفة متجسّدة. وتطوُّر رأس المال الثابت يؤشِّر إلى أيّ درجةٍ صارت المعرفة الاجتماعية العامة قوةً مباشرةً للإنتاج، وإلى أيّ درجةٍ أصبحت شروط عملية الحياة الاجتماعية نفسها تحت سيطرة العقل العموميّ وتشكّلت بموجبه. إلى أيّ درجةٍ، تأمَّلْ، أصبحت قوى الإنتاج الاجتماعي هي نفسها منتجاً، ليس فقط في هيئة المعرفة، ولكن كأدوات مباشرة للممارسة الاجتماعية، لعملية الحياة الفعلية» (كارل ماركس، «الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي، مسوّدة أوّلية»، دار بنغوين وعرض اليسار الجديد، لندن، 1973، ص 706).

وفَتْحُ المرحوم عجيب، فهو يُفصح، ضمن تصوُّره للصراع القائم بين العامل والآلة، بأنّ ما كان نشاطاً للعامل الحيّ يصبح بتقدُّم وسائل الإنتاج نشاطاً للآلة، بحيث يواجه استحواذُ رأس المال على قوة العمل العاملَ الحيَّ في هيئةٍ فظةٍ الحسّية؛ يمتصُّ رأسُ المالِ العملَ إلى باطنه. وانتخب المرحوم من أدب غوته في الفصل الخامس من الجزء الأول من مسرحية «فاوست»، لضرب المثَل، عبارة «كأنَّ جسَدَه الْتَاثَ بالحبّ»، فأيّ حبّ هذا يا دكتور ماركس؟

Scroll to Top