أم درمان: هجمات بالمسيرات واشتباكات تُربك حسابات السكان
مراسل أتر
دارت معركة خاطفة لدقائق قليلة، داخل سوق صابرين في الثاني من مايو الجاري، بين أفراد القوات المشتركة وقوة من الشرطة وجهاز المخابرات بحسب شهود عيان في السوق، تحدثوا لمراسل «أتَر». وأثارت الاشتباكات الرعب بين السكان وجعلت البعض يستعد لرحلة نزوح جديدة، من المؤكد أنها ستكون الأكثر مشقة وصعوبة، بعد توقف الاشتباكات والقصف بالمسيرات لأكثر من سنة.
وكانت عدة مسيرات شَنَّتْ قصفاً، بالصواريخ يوم الاثنين الماضي، شمل أكثر من موقع في ولاية الخرطوم. وبحسب متابعات «أتَر»، فقد أفاد مصدر عسكري، بأن عدة مُسيّرات استهدفت مواقع مُتفرّقة داخل العاصمة، بينها موقع شرق مطار الخرطوم الدولي، ومنطقة بري المحس، إلى جانب منطقة المرخيات بمدينة أم درمان.
ولنحو سنة كاملة ظلَّت مدينة أم درمان هادئة تماماً، بعد اختفاء أصوات الأسلحة المختلفة والدانات وتوقف العمليات الحربية فيها، وكفِّ الدعم السريع عن قصفها بالمسيرات الانتحارية منذ أكتوبر في العام الماضي.
وخلال الأشهر السبعة الماضية، انتظمت حركة دؤوبة في مدينة أم درمان، وتوسعت أسواقها وصارت شوارعها مكتظة بالمركبات، وسرت معلومات غير رسمية وسط السكان، بأن الجهات الحكومية نشرت رادارات مُضادَّة لمُسيّرات الدعم السريع، وعزز ذلك هبوط عدد من الطائرات المدنية في مطار الخرطوم.
وكانت حالة الهدوء التي عمَّت مدينة أم درمان، قد زادت من فُرَصِ أن تكون قبلةً لآلاف السكان الذين عادوا من رحلتَي النزوح واللجوء، ولم يتمكنوا من البقاء في منازلهم في الخرطوم التي ما زالت تفتقر إلى أبسط الخدمات، فاكتظت أحياء أم درمان بالمُستأجرين الجُدد وامتلأت الأسواق بأصناف السلع رغم غلاء أسعارها وضعف القدرة الشرائية.
يصف إبراهيم مبارك أحد سكان أم درمان (الثورة) ما جرى خلال الأيام الماضية بالمخيف، ويقول في حديثه لمراسل «أتَر»: «كانت الأمور تسير بوتيرة مُمتازة نحو الاستقرار، وظن السكان أن المسيرات حُجبت عن سماء المدينة كليّاً بعد الحديث عن نشر رادارات حول المدينة، وقد دفعت حالة الاستقرار في أم درمان رغم ضعف الخدمات، كثيراً من المواطنين إلى إنهاء حالة اللجوء والنزوح والعودة إلى منازلهم، وهنالك من جاءوا من مناطق في الخرطوم وبحري واستقروا في أم درمان، لأنها الأفضل في الخدمات عن بقية أجزاء العاصمة».
لكن الهجمات، بحسب إبراهيم، أحدثت حالة عدم يقين بين السكان، الذين أصبحوا لا يستبعدون تكرارها بأشكال مختلفة. ويرى علي حمد، من الثورة الحارة العاشرة بمحلية كرري، أن الأوضاع لم تتأثر كثيراً رغم الشائعات المُتداولة حالياً، ويقول لمراسل «أتَر»: «الأوضاع أفضل كثيراً مما يجري تداوله، فقد توقفت عمليات الشفشفة والسرقات وانحسرت المظاهر العسكرية في الطرقات، وأصبحت الحركة أيسر مما كانت عليه في الفترات الماضية».
ويُضيف علي، الذي يُدير متجراً في سوق صابرين، أن السلع متوفرة رغم الزيادة المطردة في الأسعار، وكذلك الخضروات، وأن أكثر ما يؤرق الناس حالياً هو الانقطاع المُتكرِّر للكهرباء، وارتفاع أسعار الوقود حيث وصل سعر جالون البنزين إلى 27 ألف جنيه، وسعر الجازولين إلى ما بين 31 و45 ألف جنيه. وختم حمد حديثه لمراسل «أتَر»، بأن أكثر ما يُطمئِنُ حالياً هو استقرار الإمداد المائي، لكن المعاناة الأكبر في انقطاع الكهرباء لساعات طويلة.
نيالا: حريق بسوق موقف الجنينة يُحدِثُ خسائر
مراسل أتر
نشَبَ حريقٌ في التاسعة مساءً من يوم الاثنين 27 أبريل الماضي، في سوق موقف الجنينة بمدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور، أحدث خسائر مادية كبيرة. وبلغ عدد المتاجر التي احترقت 600 متجر، وفق بيان نشرته الإدارة المدنية، التابعة لحكومة تأسيس.
وقدرت الإدارة المدنية في بيانها، حجم الخسائر بمليارات الجنيهات السودانية، بينما ذكر رئيسها يوسف إدريس، أن الحريق طال مخزونات استراتيجية وألحق أضراراً بالاقتصاد الكلي لولاية جنوب دارفور، بنسبة قدَّرها بـ80%.
وأثار الحريق تساؤلات عدة، وسط التجار والمواطنين، حول أسباب نشوبه ومن يقف وراءه، وكيف قضى على كل هذه المساحة، خلال فترة وجيزة.
عدد من التجار بالسوق، تحدث إليهم مراسل «أتَر»، ذكروا أن هناك شكاوى كثيرة أبلغوا بها الجهات المختصة، حول حوادث نهب وسرقات في السوق خلال الفترات الماضية، لكنها لم تُلقِ أذناً صاغيةً أو إجراءات عملية تَحِدُّ من مثل هذه الحوادث. ومؤخراً وصل إلى السوق عددٌ من جنود الدعم السريع، قادمين من جبهات القتال المختلفة، ولم تصرف لهم رواتب لفترات طويلة، وفق ما أفاد التجار.
تاجر أحذية وملبوسات بالسوق، فضل حجب اسمه، تعرض متجره للاحتراق، قدَّرَ خسائره بـ 34 مليون جنيه سوداني. واعتبر التاجر في حديثه لمراسل «أتَر»، أن الحريق اندلع بفعل فاعل، إذ اندلعت النار – بحسب وصفه – في أربعة اتجاهات مُختلفة من السوق، ووُجدت أثار رشٍّ بالبنزين في بعض المغالق، فضلاً عن متاجر كُسِرَتْ أقفالها، بينما انتُزِعَتْ أبواب بعض المتاجر الأخرى.
ويقول مواطن آخر بحي النهضة، القريب من السوق، متحدثاً لمُراسل «أتَر»، إنه كان من أوائل الواصلين إلى مكان الحريق، ولاحظ أن الحريق كان مشتعلاً من ثلاثة اتجاهات، أقصى الشرق والجنوب والغرب، مضيفاً أن معظم المتاجر التي تعرَّضت للاحتراق، هي متاجر العطور والأحذية والملبوسات، واتهم حراس السوق (يتبعون لقوات الدعم السريع) الذين يوجدون لتأمينه منذ الساعة السابعة مساءً، مقابل مبالغ تُدفع لهم، بالتخطيط والتنفيذ للحريق، وقرينته في ذلك أن كثيراً من المتاجر، لم توجد بها النقود أو آثارها بعد الحريق.
ويَصف عباس، وهو اسم مستعار، لمراسل «أتَر»، أنه خلال عودته من المستشفى التعليمي حوالي الساعة الثامنة مساءً، شاهد في مدخل السوق عربة من نوع دفار تستخدمها الشرطة، وهي خارجة من السوق، وقبل مغادرته رأى تانكر مياه يدخل السوق، وبعد بحوالي 20 دقيقة، تصاعد دخان الحريق.
ووجه رئيس الإدارة المدنية، يوسف محمد يوسف، خلال زيارته سوق موقف الجنينة، صباح الثلاثاء 28 أبريل الماضي، بتكوين لجنة للتحقيق حول الحادث، والكشف عن ملابساته في أقرب وقت. كما وجه المدير التنفيذي لمحلية نيالا شمال، جبريل عيسى عبد الرحمن، بالبدء الفوري في إعادة تخطيط السوق وفتح الشوارع والساحات ومنع التشييد بالمواد المحلية؛ وشرعت لجنة كُلِّفَتْ من قِبله، في إعادة تخطيط السوق لمُزاولة عمله، يوم الاثنين الماضي، وسط رفض أصحاب المحلات المؤقتة.
الدلنج: وضع صحي متدهور
مراسلة أتر
على الرغم من تمكن الجيش السوداني وحلفائه، من فك الحصار جزئياً عن مدينة الدلنج في يناير الماضي، ووصول شحنات من المساعدات الإنسانية حوت مساعدات طبية، إلا أن الوضع الصحي ونواحي الحياة المختلفة بالمدينة، تشهد تدهوراً مطّرداً، بسبب آثار المعارك وتبعات الحصار، فقد تضرَّرت وأُغلقت أغلب المنشآت الصحية الحكومية والخاصة، وغدا الحصول على ما يكفي من أدوية للأمراض المزمنة والأدوية المنقذة للحياة أمراً مستحيلاً، وفق شهادات محلية تحصلت عليها مراسلة «أتر».
يصف د. صالح إبراهيم، المدير الطبي بمستشفى الدلنج المرجعي والمعروف بمستشفى التومات لمراسلة «أتر»، الوضع الصحي بالمستشفى بأنه «صعب»، وقال إن ما يُشكِّل تحدياً لهم حالياً هو كثرة الجرحى: «من المستحيل أن يمر أسبوع على المدينة بلا قصف مدفعي أو هجمات بالمسيرات، وقد أصبحت اﻷخيرة يومياً، إلا أن هجمات المدافع العشوائية، تُخلِّف أعداداً أكبر من الجرحى».
وبحسب صالح، كانت المدينة قبل الحرب تحتضن أربعة مستشفيات حكومية كبيرة، هي: مستشفى السلاح الطبي، مستشفى الدلنج المرجعي، مستشفى الدلنج التعليمي، ومستشفى اﻷم بخيتة، وهو مُتخصِّص في أمراض النساء وعمليات الولادة، إضافة إلى المراكز الصحية الصغيرة في اﻷحياء التي تُقدِّم خدماتها للأطفال غالباً، في ما يخص أمراض الملاريا والالتهابات والأمراض الأخرى، أما المستشفيات فتتعامل مع الحالات الأشدّ تعقيداً.
ونتيجة للحرب خرج مستشفى السلاح الطبي عن الخدمة تماماً منذ 16 ديسمبر 2025، وتركز نشاط المستشفى التعليمي في نظافة الجروح والعمليات الصغيرة، بعد أن خرج عن الخدمة بنسبة 80% بحسب ما أخبر صالح، بينما يستقبل مستشفى الدلنج المرجعي الواقع في حي التومات غرب المدينة أغلب حالات العمليات والمصابين، ويستقبل مستشفى اﻷم بخيتة المتخصص في النساء والتوليد المصابين بعد الهجمات أيضاً.
وأكد صالح، لمراسلة «أتر»، دخول شحنات من اﻷدوية وتحديداً أدوية الأمراض المُزمنة بعد فتح الطرق المؤدية إلى المدينة، إلا أن عدد الوفيات ظل في تزايُد، لعدم كفاية كميات الأدوية المتوفرة. ونوه صالح إلى دخول بعض الأدوية إلى المدينة عبر التهريب، لكنها كمياتها قليلة وهي باهظة الثمن، فإذا وجد المريض جرعات لثلاثة أيام، يتعذر عليه إيجاد جرعات اليوم الرابع.
وأخبر صالح مراسلة «أتر»، أن إغلاق الطُرق والمخارج من المدينة، قد أثَّر في نقل المصابين الذين يحتاجون لأن يُنقلوا إلى مناطق أخرى كالأبيض وكادقلي والخرطوم، فهنالك العديد من حالات الإحالة لمن فارقوا الحياة ولم يستطيعوا الوصول إلى مستشفيات في مدن أخرى بسبب إغلاق الطرق، وخاصة المصابين في الرأس. وبعد فتح الطريق مع مدينة كادقلي، حُوِّلَ عدد من المصابين إلى مستشفياتها، أما البعض الآخر فاضطروا لإجراء عمليات إسعافية لهم في الدلنج.
وذكر صالح أنه بعد كل هجمة مدفعية، يكونون في حاجة لتحويل حوالي 5 إلى 7 مصابين إلى مستشفيات أخرى. وفي شهر أبريل الماضي، تُوفّي 5 مصابين نتيجة لإصابات في الرأس مُتأثّرين بجراحهم، ووردت إليهم 20 حالة لإصابات في البطن، تمكَّنوا من تقديم الدعم الطبي لعشرة منهم عبر العمليات، والبقية حُولوا إلى كادقلي.
وقال الطبيب صالح، لمراسلة «أتر»، إن هناك منشوراً لوزارة الصحة الولائية، يُفيد بأن خدمات الرعاية الطبية للجرحى في المدينة مجانية، لكن لتردِّي الوضع الاقتصادي نتيجة للحرب، فإن أغلب المرضى الآخرين وذويهم لا يتمكَّنون من سداد قيمة العلاج. ويقول صالح، إن هناك ثلاث عيادات خاصة، ما زالت تقدم خدماتها العلاجية بالمدينة، رغم أن مُرتاديها من المرضى، قد لا يتمكَّنون من دفع قيمة الكشف كاملة، إلا أن الأطباء يُواصلون مُعالجتهم على أيِّ حال.
وأكد أحد المتطوعين بمستشفى الدلنج المرجعي، فضل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، لمراسلة «أتر»، أن المدينة تشهد وضعًا صحياً حرجاً، في ظل استمرار التحدِّيات المرتبطة بنقص الخدمات الطبية والإمدادات، على الرغم من الجهود التي تبذلها الكوادر الطبية والمتطوِّعون لتخفيف حدَّة الأزمة، إذ لا تزال ثلاثة مراكز صحية تُقدِّم خدماتها داخل الأحياء، لتغطية أكبر عدد مُمكن من السكان، في الاتجاهات الشرقية والغربية والجنوبية، في أحياء الحلة الجديدة والصفا والتومات. وقال المتطوع، إن هذه المراكز تُسهم في تقديم خدمات أولية، تخفف الضغط على مستشفى الدلنج المرجعي، الذي يعد المستشفى الرئيس حالياً.
ووصف المتطوع الوضع في المستشفى المرجعي الواقع في حي التومات غربي المدينة بالحرج للغاية، مضيفاً أنه على الرغم من استمرار تقديم بعض الخدمات، وتدخلات المتطوعين وغرف الطوارئ لتقديم العلاج والطعام، إلا أن الإمكانيات المحدودة تَعوق تقديم الرعاية الكاملة، خاصةً في الحالات الحرجة.
ويقول المتطوع إنه بجانب صعوبة إجراء العمليات الجراحية بالمدينة بسبب نقص الكوادر والمعدات، وتعذر تحويل عدد كبير من الحالات لتلقِّي الرعاية الصحية اللازمة خارج المدينة، يُعَدُّ الاحتياج إلى الدواء في المدينة وعلى الأخص الأدوية المنقذة للحياة وأدوية الأمراض المزمنة كبيراً. وعلى الرغم من وصول شحنات دوائية إلى المدينة، إلا أن ما يصل عبر المبادرات والمنح، لا يُلبِّي الحد الأدنى من مُتطلَّبات النظام الصحي، ويبقى شحيحاً أمام الاحتياجات الإنسانية المُتفاقمة.


