خلال ثلاث سنوات، منذ نشوبها في الخرطوم صباح 15 أبريل 2023 ومن ثمّ تمدُّد رقعتها في مختلف أنحاء السودان، تعيَّن على الناس أن يخوضوا غمار الحرب بطريقة أو أخرى.
في 27 يونيو 2023، خلال خطابه بمناسبة عيد الأضحى، أطلق الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة السودانية، دعوةً إلى جميع شباب البلاد وكلّ قادر على الدفاع، «أن لا يتردَّد أو يتأخَّر بأن يقوم بهذا الدور الوطني في مكان سكنه أو بالانضمام إلى الوحدات العسكرية لنيل شرف الدفاع عن الدولة السودانية».
وقد لقيت الدعوة استجابة فورية من شباب كثر، اختار بعضهم الاستنفار في أماكن سكنهم فحملوا السلاح ضمن ما سُمّي لاحقاً «المقاومة الشعبية»، بينما اختار آخرون الالتحاق جنوداً بصفوف القوات النظامية. كذلك لقيت الدعوة استجابةً من شابات في ولاياتٍ مثل نهر النيل والجزيرة والشمالية.
وفي أغسطس 2023، انطلق في ولاية نهر النيل أول معسكر لاستنفار النساء وضمّ أكثر من 200 سيدة وفتاة. وقد افتتحه وزير المالية بالولاية، محجوب السر، الذي شَبَّه المنخرطات فيه بـ«أخوات نسيبة»، اللائي يُعيد اسمهنّ إلى ذاكرة السودانيات والسودانيين مشاهد استنفار النساء في معسكرات نظام الإنقاذ خلال عشريتها الأولى في حربها ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وسُمِّين بهذا الاسم حينئذٍ تأسّياً بإرث الصحابيتين نسيبة بنت كعب وخولة بنت الأزور. وفي المقابل، استُنفرت السودانيات في الجيش الشعبي من قبل، في ما عُرِفَ بـ«كتيبة البنات»، عام 1986، في حرب جنوب السودان قبل استقلالها.
بعد المعسكر الأول في نهر النيل افُتتحت معسكرات أخرى لاستنفار النساء في مختلف ولايات البلاد، ولم تكن حصراً على المدن، إنما وُزّعت على مختلف المناطق، وربما ضمَّ المعسكر الواحد ما يَفوق المائتي متدربة لكلّ دفعة. في بعض المدن الكبيرة، تعدَّدَت المعسكرات لتغطية الأحياء المختلفة، وعادةً ما تشارك بعض من المتخرجات في الدفعة في تدريب نظيراتهن من الدفعة اللاحقة.
يُثير انتشار هذه المعسكرات لاستنفار النساء في حرب 15 أبريل أسئلة متعلّقة بالدوافع: هل هي ضرورة استدعتها طبيعة الحرب نفسها؟ هل احتاجت النساء إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهنّ؟ أم أنها دعاية لأغراض سياسية؟.
دوافعهنّ
يبحث هذا التقرير عن دوافع المستنفَرات في حرب 15 أبريل في ولايتي الشمالية والجزيرة، في المدة من أواخر العام 2025 ومطلع 2026، وهو خلاصة دراسة ميدانية من 15 مقابلة أجرتها «أتَـر» في معسكرين للاستنفار في الولايتين اللتين رأت كلّ منهما للحرب وجهاً مختلفاً. لم تنجُ الولاية الشمالية من أثر الحرب لكنها ظلّت بمنجاة من نيرانها المُباشِرة، بينما شهدت ولاية الجزيرة اجتياحاً غاشماً من قوات الدعم السريع لربوعها.
تعرَّف التقرير عن كثب على بعض المُستنفَرات في المعسكرين وخلفياتهنّ الاجتماعية ودوافعهنّ للاستنفار. تراوحت أعمار الشريحة الأكبر منهن بين 18 و22 سنة، وبعضهنّ في الثلاثينيات وقلة كنّ في أعمار أصغر أو أكبر من ذلك. وأغلبهنّ طالبات بالمراحل الدراسية المختلفة (تعليم ثانوي، جامعي، فوق جامعي)، ونصف عددهن تقريباً كُنّ يسكنّ مع أسرهنّ في المناطق التي نزحن إليها بعد نشوب الحرب في الخرطوم، والنصف الآخر هنّ من سكّان تلك المناطق حيث أقيم المعسكران. منهنّ مَن دفعهنّ إلى الانخراط في تلك المعسكرات الخوف من اجتياح الدعم السريع لمدنهنّ أو قراهن، ومنهن من دَفعتهنّ الرغبة في تعلم شيء جديد ومختلف مع توفر الوقت في ظل الانقطاع الدراسي، كما أفدن. وفي أحد المعسكرين، التحقت امرأة وطفلتها ذات الـ 14 سنة بدفعة المستنفَرات، رغم أنّ المادة 38 من اتفاقية حقوق الطفل تمنع تجنيد الأطفال دون سن الـ 15 سنة.
وعن تأثير التدريب عليهنّ، أفادت أغلبية اللائي تحدّثن مع «أتَـر» بأنّ الانخراط في التدريب زاد ثقتهنّ في أنفسهنّ، وذكرت أخريات بأنه قد عزّز من قوة شخصياتهنّ ومنحهنّ إحساساً بالاطمئنان لقدرتهنّ على درء الأخطار، كما ذكرت بعضهنّ أنهنّ شعرن بتعاظم إحساس الوطنية وحبّ البلاد. في بعض الحالات، امتدَّ الأثر ليشمل الحياة المهنية أيضاً، إذ فكّرت بعضهنّ في الانضمام إلى الكلية الحربية لاحقاً أو العمل طبيبات وكوادر صحية بالمشافي العسكرية (السلاح الطبي).
وإلى حدٍّ ما، كان الشكل العام للتدريبات موحّداً؛ إذ ينقسم التدريب إلى جزءين: جزء أساسي يتعلّق باللياقة البدنية والبيادة، وآخر في أساسيات الأسلحة النارية، مثل تركيبها وتذخيرها والتصويب نحو الهدف. قد تظهر بعض الفروقات بين معسكر وآخر في التمويل؛ فإمّا أن يكون من الجهات النظامية فقط، بما يَشمل الزي المُوحَّد للمُتدرِّبات وتكاليف الذخيرة، أو مشتركَ الطابع بين أهالي المنطقة (لجنة الحي مثلاً أو المحلية) والجهات النظامية بما يشمل اللجنة العليا للاستنفار.
أجرت مراسلتا «أتَـر» مقابلات مع عدد من المستنفرات، وهذا ما روين من قصصهنّ مع التدريب ودوافعهن وكيف أثّر فيهن. وجميع الأسماء التي ذُكرت في المقابلات هي أسماء مستعارة.
زينب: هي وابنتها
كلمة الحرب كانت تُخيفنا، بعد أن تدرّبنا وعرفنا كيف نحمل السلاح ونضربه ونُفرِّغُه، لم تعد الكلمة مخيفة، واطمأنَنَّا حتى على مَن حولنا، وأننا كنساء نستطيع القيام بالدَّور المنوط حسب قدرتنا من غير خوف.
قالت زينب (46 سنة)، وهي خريجة كلية القانون وموظّفة بوزارة التنمية الاجتماعية، إنّ حياتها قبل الحرب كانت مُستقرَّة وكان عملها يَسير على نحو طبيعي، وأبناؤها الأربعة يدرسون في مراحل تعليمية مختلفة. بعد الحرب فقَدَ ربُّ الأسرة عمله، ونزحت الأسرة من أم درمان إلى الولاية الشمالية، بينما استمرَّ راتبها الحكومي رغم توقّفها عن العمل لفترة.
التحقت زينب بمعسكر التدريب بمنطقة نزوحها في الولاية الشمالية بالتنسيق مع قيادة الجيش في المنطقة ومسؤولين من الاستنفار الشعبي أو النفرة الشعبية، «بعد أن شعر الجميع بحاجتهم إلى التدريب». وفصّلت: «الدعم كان من الجيش في توفير الذخيرة وقدمت بعض الجهات الخيرية دعماً مادياً. أُقيم المعسكر في الحي، وضمّ عدداً من النساء والفتيات، حوالي 150 سيدة. أما المدربون فقد كانوا من أبناء المنطقة، ومدَّة التدريب حوالي أربعة أشهر، تبدأ من الساعة الواحدة ظهراً، ثم أصبح من الساعة الرابعة عصراً، حتى غروب الشمس».
«كانت لدينا أوقات فراغ، وملأ التدريب زمننا وأضاف إلينا كثيراً. أكثر ما أحبّه البيادة، كانت مفيدة ونفعتنا في أجسامنا باعتبارها مثل الرياضة»، تضيف زينب لـ«أتَـر».
علمت زينب بالمعسكر عبر النداء في الجوامع، فسجّلت فوراً للانضمام، وتعرَّفت إلى شخصيات كثيرة في المنطقة عن طريق التدريب. تقول: «كان هناك ترحيب كبير بالفكرة، من لم يتمكَنَّ من التدريب يتفرَّجْنَ عليه. وسارعت بعض البنات بالانضمام بعد أن رأيننا».
وعن ردود أفعال الناس حول إقامة معسكرٍ للمستنفَرات في المنطقة، تقول زينب إنّ بعض الناس (من الأهل والأصدقاء) كانوا غير مطمئنّين لانضمامهنّ إلى المعسكر وشكّكوا في قدراتهنّ، لكنهنّ استطعن إقناعهم لأنهنّ كنّ «مقتنعات بالفكرة».
بعد تجربة المعسكر تقول زينب إنّ كلمة «الحرب» أصبحت عادية بالنسبة لها: «كلمة الحرب كانت تُخيفنا، بعد أن تدرّبنا وعرفنا كيف نحمل السلاح ونضربه ونُفرِّغُه، لم تعد الكلمة مخيفة، واطمأنَنَّا حتى على مَن حولنا، وأننا كنساء نستطيع القيام بالدَّور المنوط حسب قدرتنا من غير خوف».
وتضيف: «بإمكاني في المستقبل تغيير وظيفتي في وزارة التنمية الاجتماعية إلى القضائية أو وزارة الدفاع، لأنني حصلتُ على شهادات من التدريب، إضافةً إلى شهاداتي القديمة».
ورافقت لينا، الطالبة في المرحلة المتوسّطة والتي تبلغ من العمر 14 سنة، والدتها زينب في الالتحاق بالمعسكر، بعد أن شعرت بفراغ شديد إثر توقّف الدراسة وانضمام معظم الفتيات في المنطقة إلى معسكر الاستنفار، لكنها لم تتدرّب على السلاح لصغر سنّها. تقول لينا: «لديّ كثيرٌ من الصديقات في المعسكر، وأكثر ما يعجبني هو تدريب الخطوة المُعتادة». ضحكت لينا حين تذكّرت كيف كانت حتى عهدٍ قريب تخاف لو رأت شخصاً بزيّ عسكريّ في الشارع: «أصبحتُ لا أخاف. فكَّرتُ في الاستفادة من الاستنفار، وإن جاءتني فرصة لأنضمّ رسميّاً إلى الجيش سوف أدرس في الكلية الحربية وأتدرّب».
آية: دراسة متوقّفة
سافرت أختي إلى الجامعة وبقيت أنا في الأعمال المنزلية مع أمي، كنتُ أُحِسُّ بمللٍ شديدٍ والدراسة مُتوقِّفة، وحينما أعلنوا التدريب انضمَمْتُ مباشرةً لملء الفراغ، وكذلك أريدُ أن أفعل شيئاً للبلد.
من أولئك الفتيات تحت سنّ الـ 18 سنة، تحدثت آية إلى مراسلتي «أتَـر» معرِّفةً بنفسها وما دفعها للاستنفار رغم صغر سنها: «أنا من الولاية الشمالية، عمري 16 سنة، نحن من سكّان المنطقة أصلاً، ولي أختٌ أكبر مني وثلاثة إخوة أصغر مني، ولستُ متزوجة». وتمضي في حديثها: «امتُحِنْت للشهادة الثانوية لكنّ الدراسة توقفت لفترة طويلة، كان من المفترض أن أكون في الصف الثاني أو الثالث الثانوي، لكنّي حالياً أدرس في بداية الصف الأول الثانوي. أصبحَت أعمارنا كبيرة وندرس في مراحل أقل في التعليم».
وأضافت: «سافرت أختي إلى الجامعة وبقيت أنا في الأعمال المنزلية مع أمي، كنتُ أُحِسُّ بمللٍ شديدٍ والدراسة مُتوقِّفة، وحينما أعلنوا التدريب انضمَمْتُ مباشرةً لملء الفراغ، وكذلك أريدُ أن أفعل شيئاً للبلد».
علمت آية بمعسكر التدريب من خلال قروبات الواتساب، وكان جميع مَن حولها يتحدّثون عن الاستنفار، فقرَّرَت أن تتدرَّب وصديقاتها جميعاً. تقول: «المعسكر قريب في الحِلَّة، وهو المعسكر الثاني، الأول كان يضمّ 200 بنت وعدد دفعتنا أكثر من 100». وتضيف: «أهلي كانوا موافقين وداعمين، كما أن زوجة عمي هي الأخرى انضمَّت، إضافة إلى قريباتي وصاحباتي وقد شجعهنّ أهلهنّ».
وعن المعسكر تقول آية: «كان المُدرِّبون جنوداً في الجيش من أبناء منطقتنا نفسها. وهناك معسكر منفصل للبنات وآخر للأولاد. درّبونا على البيادة وفكّ السلاح وتركيبه، لكن لم يتركونا نصوّب لصغر أعمارنا».
تعرّفَت آية على صديقات جديدات من بنات المنطقة وبنات النازحين إليها لم تكن لتتعرف عليهنّ لولا تجربة المعسكر. تقول: «ثقتي في نفسي زادت، كنت أريد أن أتمكَّنَ من الدفاع عن نفسي وأهلي في حالة الحرب. ويُمكنني الانضمام إلى الجيش لو طلبوا مني أو اضطرَرْت. لكنني أريد إكمال دراستي والالتحاق بكلية الطب».
بسمات: وضعنا مُهدَّد
في ولاية الجزيرة، وفي إحدى المدن التي كانت مُحاصرة حتى خروج الدعم السريع من ولاية الجزيرة، انخرطت بسمات في معسكر الاستنفار الذي أُقيم في منطقتها بتنسيق مشترك بين الجيش وأهل المنطقة، في العام 2023، بين أبريل شهر اندلاع الحرب في الخرطوم وديسمبر شهر اجتياح الدعم السريع مدن الجزيرة.
قُبِلَتْ بسمات ذات العشرين سنة في كلية الصحة العامة بجامعة الجزيرة، لكنها لم تبدأ الدراسة بعد: «كانت أسرتنا مستقرّة والجميع مستغرقون في أعمالهم. وكانت حياتي قبل الحرب انتظاماً في التعليم فقط، ولا أعرف شيئاً غيره، لكن مع تدهور كلِّ شيء بعد الحرب توقفت الدراسة، وهو ما دفعني لخوض تجربة المعسكر»، وتُضيف: «سمعنا بالمعسكر وأعجبتنا الفكرة، خاصة أن الوضع في منطقتنا بالجزيرة كان مُهدَّداً حينها، فكان تدريبنا لزاماً لندافع عن أنفسنا وأهلنا إن واجهت منطقتنا هجوماً من الدعم السريع».
نشأت بسمات في مدينتها وسط خمس بنات دون أخ، هي الثالثة منهن، يَعِشن مع أمهن. وبعد الحرب اضطرّت إلى العمل كبقية أخواتها لتُعين أسرتها في مصاريف البيت.
وعن المعسكر تقول: «لم تُصرف لنا ذخيرة، كان المسؤولون عنه من المحلية، ولم يكن المعسكر قريباً، لذلك كنّا نضطرُّ إلى المشي إليه (كدَّاري)»، وتُضيف: «في البداية لم نَكُنْ كثراً لكن ازداد العدد تدريجياً، حتى وصل إلى ما يقارب 50 بنتاً. كان الناس مُتردِّدين في انضمام بناتهم إلى المعسكر، لكنهم في النهاية ضمُّوا بناتهم جميعاً، وحتى نساء الحي الأكبر سِنّاً انضمَمْن، وكانت تُدرِّبنا ضابطة صف في الجيش برتبة صول اسمها نفيسة وهي من المنطقة نفسها».
كانت بسمات ورفيقاتها أول دفعة تدرَّبت مع الجيش في المنطقة. وفي البداية تدرّبن على الدفاع عن النفس، بعدها انخرطن في تدريب عسكري منضبط، بحسب وصفها، مدّته شهر و45 يوماً، من الساعة الثالثة حتى الخامسة عصراً يومياً عدا أيام الجمع.
وعن تجربتها أخبرت بسمات «أتَـر» قائلة: «أضاف إليّ المعسكر صديقات جديدات، وقوّى شخصيتي وثقتي في نفسي، وتعلّمت أشياء جديدة. وتغيرت فكرتي عن الجيش». وتضيف: «لم أكن أقدّر أهمية عملهم في حياتنا، لكن عرفت مقدار تعبهم من أجل البلد». حازت بسمات على بطاقة «مُستَنفرة»، وربما تنضمّ إلى الجيش بعد الحرب، رغم أنها خاضت التدريب لتدافع عن نفسها فقط.
منار: نازحة مُستَنْفَرَة
بعد العودة والاستقرار في الجزيرة، كنّا نعمل تطوّعاً في مساعدة النازحين من الخرطوم في الإيواء وتوفير المساعدات وتوفير احتياجاتهم بالتعاون مع بعض المنظمات أو بالعون الذاتي. ولاحظَتْ جنابو زكية، وهي عريف بالشرطة من بنات المنطقة، أننا نشيطات ونُساعد، فاقترحت علينا فكرة التدريب، والبنات تحمّسن جداً للفكرة حتى النازحات منهن.
أما منار (32 سنة) التي التحقت بمعسكر للتدريب في ولاية الجزيرة أيضاً، فتقول إنها كانت في الخرطوم لمَّا اندلعت الحرب، وعاشت الرُّعب المُصاحب للتجربة مثل كثيرين، وواجهتها أسئلة النزوح: «خرجنا دون أن نحمل شيئاً مما نملك، حتى وصلنا إلى الجزيرة، وجزءٌ من الأسرة كان مُستقرَّاً بالأصل فيها، لكن أنا وجزء من إخوتي كنا نعيش في الخرطوم لظروف العمل والدراسة».
نشأتْ منار وسط 6 من الأخوات و3 من الإخوة، وتخرَّجت في الجامعة وبدأت العمل في وزارة الصحة. تقول: «بعد العودة والاستقرار في الجزيرة، كنّا نعمل تطوّعاً في مساعدة النازحين من الخرطوم في الإيواء وتوفير المساعدات وتوفير احتياجاتهم بالتعاون مع بعض المنظمات أو بالعون الذاتي».
تضيف: «لاحظَتْ جنابو زكية، وهي عريف بالشرطة من بنات المنطقة، أننا نشيطات ونُساعد، فاقترحت علينا فكرة التدريب، والبنات تحمّسن جداً للفكرة حتى النازحات منهن».
وعن المعسكر أخبرت منار: «نحن أول دفعة من البنات، وكانت مدّته 45 يوماً. وفَّروا لنا زيّاً مكوّناً من طِرَح وأحذية سبورت. وكان عددنا في البداية 28 بنتاً فقط مع المدرّبة جنابو زكية، ثم انضمّت إليها شرطية برتبة عريف نزحت من الخرطوم، وبدأ العدد يزيد». تقول: «كان معسكر البنات منفصلاً عن معسكر الأولاد، واقتصر التدريب على البيادات والتدريبات البدنية وطريقة حمل السلاح ومعرفة أجزائه وفكّه وتركيبه، من الساعة الثالثة حتى الخامسة عصراً».
وعن قبول الناس في محيطها لفكرة الاستنفار أوضحت: «كان كثيرٌ من أهل المنطقة والأقارب والأصدقاء يرون أنّ التدريب فكرة إيجابية، وتساعد الناس إذا ما وقع المكروه، ليتمكّنوا من الدفاع عن أنفسهم وأسرهم. لكن مع ذلك كان هناك قليل من الناس المُثبّطين».
«لم يكن التدريب صعباً، على عكس توقّعاتنا، كنا نعتبره رياضة، وتعرّفنا على أناس كثر ما كنّا نعرفهم»، تقول منار، ومن ثم تضيف: «عزّز التدريب اعتدادي بنفسي».
وتصف منار بتأثّر كيف أنهن عندما كُنَّ على وشك الوصول إلى مرحلة «ضرب النار» وهي آخر مراحل التدريب، فوجئن باجتياح الدعم السريع لود مدني القريبة لمدينتهنّ. وترى منار، التي عملت من قبل في مستشفى عسكري، أنّ فرصتها للانضمام إلى القوات النظامية كبيرة لأنها بعد قضاء فترة المعسكر لن تحتاج إلى كثير من التدريب.
رزاز: توجيه معنوي
لقد فاق مدى الحرب توقّعات رزاز (22 سنة)، وهي طالبة جامعية تدرس في كلية الموسيقى والدراما بقسم التمثيل والإخراج، إذ اعتقدت وكثيرين أنها لن تتجاوز أسبوعاً أو أسبوعين. نزحت رزاز وأسرتها من أمبدة إلى عائلتها الممتدة في الولاية الشمالية.
علمت رزاز مثل سابقاتها في التقرير، بإقامة معسكر لاستنفار الأولاد والبنات من نداءات الجامع، فانضمَّتْ إليه، دافعها اكتساب الثقة والقدرة عن الدفاع عن نفسها وأهلها إذا ما هدّدت الدعم السريع الولاية الشمالية، وهو ما دفعهم إلى النزوح أول الحرب. بَصَّرَتها عزيزة، المسؤولة عن المعسكر، وفتيات أخريات بالفكرة. ومع تشجيع الأسر في المنطقة البنات على الانخراط في المعسكر، وجدن سنداً قوياً. تقول: «تعلمت الصبر والثبات والمثابرة والانضباط وقيمة الوقت».
مثل قريناتها، تقول رزاز إنّ المعسكر عزّز ثقتها بنفسها وبثّ فيها دافعاً للحماس والوطنية، والانتصار على الخوف من اجتياح الدعم السريع لمناطقهم، بحسب وصفها. وترى أنّ التدريب سيكون مفيداً لها في مجالها بعد الحرب إن انضمّت إلى وحدات التوجيه المعنوي في الجيش أو الشرطة.
تقول رزاز إنّ المعسكر كان بقيادة جنابو عزيزة وضابط من الجيش وآخر من الشرطة، إضافة إلى مسؤول من المحلية، إضافةً إلى أن كبار الشخصيات في المنطقة ساعدوا على تأسيس المعسكر ونموّه: «القائمون من المعسكر من أبناء المنطقة. والمعسكر في موقع قريب يتوسّط المنطقة، وكان منفصلاً عن معسكر الأولاد، وكان عدد البنات الملتحقات بالتدريب 250 إلى 300. يبدأ التدريب من الساعة الثالثة والنصف عصراً، وينتهي في السابعة والنصف مساءً. وكنا الدفعة الأولى وتعلّمنا التصويب بالكلاشنكوف، وخرَّج المعسكر قناصات نجحن بامتياز».
وتدرّبت رزاز في معسكر أقيم للمرة الثانية وضُمَّ إلى درع النخيل – وهي قوات أُسِّست في العام 2024 بجهود لجنة الاستنفار بمحلية مروي تحت إدارة الفرقة 19 مشاة – وأكملت تدريبها على البيادة وبقية الأسلحة مثل الطبنجة والقرنوف والآربي جي والدانة.
ومثل قريناتها، تقول رزاز إنّ المعسكر عزّز ثقتها بنفسها وبثّ فيها دافعاً للحماس والوطنية، والانتصار على الخوف من اجتياح الدعم السريع لمناطقهم، بحسب وصفها. وترى أنّ التدريب سيكون مفيداً لها في مجالها بعد الحرب إن انضمّت إلى وحدات التوجيه المعنوي في الجيش أو الشرطة، فكثيراً ما ينضمّ الموسيقيون والدراميون إلى أقسام التوجيه المعنوي أو سلاح الموسيقى، خاصة أنها تطرح من خلال الدراما حلولاً لقضايا اجتماعية.
| مكان المقابلات | عدد المستنفرات |
|---|---|
| الولاية الشمالية | 10 |
| ولاية الجزيرة | 5 |
| الحالة الاجتماعية | عدد المستنفرات |
|---|---|
| متزوجة | 3 |
| غير متزوجة | 12 |
| المستوى التعليمي | عدد المستنفرات |
|---|---|
| فوق الجامعي / موظفة | 3 |
| طالبات جامعيات | 5 |
| طالبات في المرحلة الثانوية | 4 |
| طالبات في المرحلة المتوسطة | 3 |
| حالة النزوح | عدد المستنفرات |
|---|---|
| نازحات من الخرطوم | 8 |
| من سكان المنطقة | 7 |



