أتر

شِقاق بين الجارتين: ماذا تجني إثيوبيا من الانخراط في حرب السودان؟

بدأت الأنظار تتَّجه إلى إثيوبيا وعلاقتها بحرب السودان، حين نشرت «رويترز» تقريراً في يناير 2026، استند إلى برقيات دبلوماسية ومذكرات أمنية داخلية تُشير إلى إقامة معسكرٍ لقوات «تأسيس» بتمويلٍ إماراتي في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، بالقرب من سد النهضة الإثيوبي، وعلى مسافةٍ تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود السودانية. وبحسب الوكالة، بلغ عدد المقاتلين الموجودين في المعسكر، حتى يناير 2026، نحو 4,300 مقاتل، أغلبهم إثيوبيون وبعضهم سودانيون وجنوب سودانيون، منهم جنود تابعون للحركة الشعبية-شمال، يخضعون لتدريبات في الموقع الذي تُقدَّر طاقته الاستيعابية بما يصل إلى 10 آلاف مُجنّد.

وسرعان ما انفجرت الأوضاع في النيل الأزرق، الولاية السودانية المحاددة لإثيوبيا، لتفتح ملف إثيوبيا وحرب السودان مرة أخرى. استعرت المعارك في منطقتي «السِّلكْ» و «ملكن» في يناير 2026 إثر هجوم شنّته قوات تحالف «تأسيس». وفي 24 مارس، شنّ مقاتلو التحالف هجوماً أخرج القوات المسلحة السودانية من بلدة الكرمك الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق، ثمّ تقدمت قوات «تأسيس» من جديد في 26 مارس، مُعلنةً السيطرة على منطقة مقجة، وكان بها معسكرٌ للقوات المسلحة.

وتفاقمت الاشتباكات العسكرية في النيل الأزرق لتُضحي أزمة دبلوماسية صريحة بين السودان وإثيوبيا، بعد أن قصَف طيران مسيّر مطار الخرطوم في الرابع من مايو الجاري، فاتهمت حكومة السودان، عبر وزير خارجيتها، حكومتي الإمارات وإثيوبيا صراحةً بالتورّط في الهجوم. واستدعى وزيرُ الخارجية السوداني السفيرَ الإثيوبي جراء ذلك.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المُسلحة، العميد ركن عاصم عوض عبد الوهاب، في مؤتمرٍ صحافي، إنّ لديهم معلوماتٍ موثقة، تفيد بأنّ هجماتٍ لمُسيّرات الدعم السريع تنطلق من مطار «بحر دار» الإثيوبي، وإنّ هذه الهجمات بدأت في الأوّل من مارس الماضي مستهدفةً مناطق في النيل الأبيض والنيل الأزرق وشمال وجنوب كردفان. وأضاف أنّهم أسقطوا إحدى هذه المسيّرات في مدينة الأبيّض يوم 17 مارس الماضي، وأنّ بيانات المُسيّرة أوضحت أنّها مملوكة للإمارات. وأدانت حكوماتُ مصر والسعودية وجامعة الدول العربية الهجوم على الخرطوم وأشارت إلى أطرافٍ خارجيةٍ دون تسميتها.

من مراقب حذر إلى متهم

خلال المراحل الأولى من حرب 15 أبريل، ظلّ رئيس الوزراء الإثيوبي يُناور بحذر، مُبقياً جميع الأطراف في حالة ترقّب بينما يتنقَّل عبر رقعة إقليمية تزداد تقلّباً وتعقيداً:  في ديسمبر 2023، بدا آبي أحمد وكأنه يميل نحو قوات الدعم السريع إذ استضاف قائدها في بلاده التي كانت محطته الثانية، بعد يوغندا، خلال أوّل رحلةٍ دوليةٍ له بعد اندلاع الحرب في السودان. وفي تلك الرحلة، التقى حميدتي بوفدٍ من تنسيقية «تقدّم»، ووقّع معهم «إعلان أديس أبابا» وهو خارطة طريق تهدف إلى إنهاء النزاع. وبعد أشهر قليلة من ذلك، بدا رئيس الوزراء الإثيوبي وكأنّه يميل نحو القوات المسلحة، إذ زار بورتسودان في يوليو 2024، والتقى رئيس مجلس السيادة السوداني. وأوردت «ميدل إيست آي» حينها تقريراً عن توسّطه لإجراء المكالمة التي جرَتْ بين رئيس مجلس السيادة ورئيس دولة الإمارات في الشهر ذاته. ووسط التطوّرات التي جرت في مطلع 2026، تحوّلت إثيوبيا من مراقبٍ حذِر إلى مُتّهمٍ من طرف الحكومة السودانية على الأقل، بضلوعها في الحرب المُستعرة في البلاد.

هل تنخرط إثيوبيا في حرب السودان على نحو مباشر؟ ربما لم يعد هذا التساؤل مجدياً الآن، إنما قد يجدي أن نتساءل: ما الفائدة التي تجنيها إثيوبيا، وهي دولة هشّة تُواجه تمرّدات عدة، من الانخراط في ما يُحتمل أنه أكثر الحروب الجارية تدميراً في العالم؟

أزمةٌ قديمة مستمرّة

ليست هذه أوّل مرة تسوء فيها العلاقات بين الجارتين السودان وإثيوبيا، فجذور الصراع بينهما راسخةٌ في الجغرافيا: على جبهة مياه النيل، وعلى جبهة أراضي الفشقة الخصبة. وقد تدخّلت كلّ من حكومتي البلدين، من قَبْل، بدعم أطرافٍ عسكريةٍ مناوئة لحكومة جارتها عدة مرات، فقد دعمت إثيوبيا قوّات الحركة الشعبية الأمّ بقيادة جون قرنق في حربها ضد الحكومة المركزية في السودان، ودعمت حكومة الإنقاذ في السودان بدَورها الثورة الإريترية للحصول على الاستقلال في التسعينيات.

وحين عانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية من صدمة داخلية خلال حرب التيقراي (2020-2022)، استغلّت القوات المسلحة السودانية الفرصة وتقدّمت في أراضي الفشقة المتنازع عليها. جاء التوغّل في الفشقة في أواخر عام 2020، وبحلول مطلع عام 2021، كانت الخرطوم قد استعادت ما يقارب 60-70% من تلك الأراضي الزراعية الخصبة على الحدود، مُنهيةً فترةً استمرَّتْ نحو 25 عاماً، سيطر فيها المزارعون الإثيوبيون ومليشيات الأمهرا على المنطقة فعلياً.

من هذا المُنطلق، ربما لم يَكن دعم إثيوبيا لقوات الدعم السريع أمراً مُفاجِئاً، إلا أنّ الظروف المحيطة بالأزمة الحالية مختلفةٌ عن سابقاتها، إذ إنها تدخل في إطارٍ إقليمي أوسع، يتجاوز حدود منطقة القرن الأفريقي إلى الشرق الأوسط ولاعبيه.

إثيوبيا والإمارات

من ناحية، توطّدت العلاقة بين إثيوبيا والإمارات على نحوٍ بارز في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد الذي بدأ في 2018. وبلغت هذه العلاقة أوجَها حين قدّمت الإمارات دعماً عسكرياً حاسماً يُنسَب إليه على نطاق واسع تغييرُ مسار حرب التيقراي (2020–2022) لمصلحة الحكومة الفيدرالية الإثيوبية. ولم تقتصر العلاقة بين البلدين على الدعم العسكري، وإنما امتدّت إلى الاقتصاد. في أغسطس 2023، قال سفير الإمارات لدى إثيوبيا إنّ عدد المشاريع الاستثمارية الإماراتية في إثيوبيا بلغ 113 مشروعاً. وتُشير تقارير إلى أنّ أبو ظبي موَّلَتْ مشاريع حكومية كبرى في إثيوبيا، منها مشروعٌ لبناء مجمعٍ سكني كبيرٍ باسم «مشروع تشاكا» يحوي قصراً جديداً لرئيس الوزراء الإثيوبي، ومجمّعاتٍ سكنيةً لإسكان الوزراء واستضافة رؤساء الدول الأخرى حين زيارتهم لإثيوبيا، وفندقاً كبيراً، وبحيرتين صناعيتين. وتُشير تقارير إلى أنّ تكلفة إنشاء المشروع قد تصل إلى نحو 10 مليارات دولار أمريكي. وقال آبي أحمد لأعضاء البرلمان الإثيوبي إنّ المشروع لن يموَّل من موارد الحكومة، وإنما من مستثمرين داخليين وخارجيين. ومن المرجَّح أن تكون الإمارات أبرز هؤلاء المستثمرين بحسب التقارير التي تناولت المشروع.

ومع دعم دولة الإمارات العربية المُتّحدة أيضاً لقوات الدعم السريع في السودان، بحسب تقارير دولية ذائعة الصيت، يَدْفع نفوذ أبو ظبي رئيس الوزراء آبي أحمد نحو اصطفافٍ أكثر وضوحاً في المعركة الدائرة في السودان. ومن هذا المنظور، يبدو أنّ حوافز إثيوبيا تعكس ضغطاً إماراتياً مباشراً عليها، ففي مقابل الطائرات المسيّرة والدعم المالي والحماية الدبلوماسية، يُمكن لإثيوبيا أن تمنح ممرَّاً برياً حاسماً لضمان استمرار خطوط إمداد قوات الدعم السريع.

السودان وإريتريا: عدو مُشترك

ومن ناحيةٍ أخرى، تنجذب القوات المسلحة السودانية نحو اصطفاف مباشر مع إريتريا. وبالمثل، يبدو منطق الخرطوم في ذلك واضحاً؛ إذ ترى أنّ استمرار الحرب يعود بالأساس إلى دعم دولة الإمارات العربية المتحدة لقوات الدعم السريع، بينما تنضم إريتريا، مدفوعةً بمخاوفها من إثيوبيا، إلى تكتل إقليمي ناشئ تقوده السعودية مناهضةً لأبو ظبي. وهكذا يتحالف الطرفان أمام عدوّ مشترك.

وقد انتقل هذا التحالف تدريجياً من مستوى الفكرة إلى الواقع العملياتي: بحلول يونيو 2025، كانت القوات المسلحة السودانية قد نقلت طائراتها المقاتلة إلى مطارات داخل إريتريا، لحمايتها من موجة متصاعدة من هجمات الطائرات المسيّرة التابعة لقوات الدعم السريع، التي استهدفت مناطق شرق السودان وكانت تُعد سابقاً «آمنة». وفي الوقت نفسه، تعمل أسمرا على تدريب وتسليح مليشيات مساندة للقوات المسلحة، ما يكرس شراكة عسكرية آخذة في الاتساع تمتد عبر الحدود.

يدخل السودان هذا الحلف في وقت تزيد فيه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا حدةً، مدفوعة برغبة إثيوبيا في امتلاك ميناء بحري. وربما يفسِّر ذلك جزئياً، ابتعاد آبي أحمد مجدداً من حكومة السودان بعد قربهما النسبي في يوليو 2025. وقد وصف رئيس الوزراء الإثيوبي مسألة امتلاكهم منفذاً بحرياً بأنّها «ضرورة وجودية»، وقال في سبتمبر 2025 إنّ خسارتهم لميناء عصب باستقلال إريتريا كان «غلطةً يجب تداركها في الغد». وفي أكتوبر 2025، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي إريتريا بأنّها تُحضّر لحربٍ ضدها عبر تحالفها مع جبهة تحرير التيقراي، وهو تحالف أضحى يعرف باسم تحالف «تسيمدو». ويشير محللون، إلى أنّ إريتريا تحاول إنشاء منطقةٍ عازلة بينها وبين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية من خلال هذا الحلف. في المقابل، مالت جبهة تحرير التيقراي نحو إريتريا بعد خلافاتٍ داخلية نشأت عن اتفاق السلام الموقع من الجبهة والحكومة الإثيوبية الفيدرالية في 2022 بجنوب أفريقيا، إذ اتهمت أجنحة في الجبهة جيتاشيو رضا، زعيم منطقة التيقراي حينها، بالجنوح إلى إثيوبيا، وتمكنّت من إسقاطه في مارس 2025.

كذلك دفعت الحرب حكومة السودان إلى تعميق علاقتها الممتدة بمصر. وجاء ذلك في وقتٍ زاد فيه التوتر بين إثيوبيا ومصر أيضاً، بعد أن افتتحت الأولى سد النهضة في يوليو 2025، الذي تعدّه القاهرة تهديداً وجودياً.

مسارٌ بديل

جاءت هذه التطورات الإقليمية ومسارات إمداد الدعم السريع المارَّة بليبيا وتشاد تعاني تهديداً. لقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» في فبراير 2026 تقريراً رصدت فيه وجود مُسيراتٍ تركيةٍ من طراز «أكنجي» في مطار يقع جنوب غرب مصر. وقالت الصحيفة إنّ هذه المُسيّرات تضرب قوافل إمداد الدعم السريع المتحركة في غرب السودان. ونقلت عن مسؤولين مصريين تعبيرهم عن زيادة موقفهم حدة بعد سقوط الفاشر في أكتوبر 2025.

والأثر التراكمي لهذه التحركات هو أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة تجد صعوبة متزايدة في إيصال الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر ليبيا وتشاد. وقد جعل ذلك من إثيوبيا أحد القنوات القليلة الموثوقة المتبقية لأبي ظبي.

حربٌ أكبر؟

بهذه المعاني، سيمثل انخراط أديس أبابا في حرب السودان استجابةً لضغوطٍ إماراتيةٍ وإدراكاً لتشكّل تكتل إقليمي متصاعد، يضمّ خصوماً سابقين مثل إريتريا، إلى جانب مصر والصومال ومتمردي التيقراي، وهو اصطفاف يُشكّل تهديداً مباشراً لطموحات إثيوبيا في البحر الأحمر، وكذلك لجهودها في حماية سد النهضة الإثيوبي.

في هذه الأثناء، تتزايَدُ مخاوف دول الجوار الإثيوبي مما تعتبره دولة ذات نزعة توسّعية، تنسج تحالفات مع جهاتٍ متهمةٍ بارتكاب جرائم إبادة في السودان.

سواء أبقيت حرب السودان ضمن حدود البلاد أم تجاوزتها، فإنّ مقومات كارثة إقليمية غير مسبوقة باتت قائمة بالفعل. وتضيف تهديدات رئيس الوزراء آبي أحمد بشأن ضم أجزاءٍ من إريتريا لتأمين منفذ إلى البحر الأحمر بُعداً بالغ الحساسية، وقد تُثير في نهاياتها رد فعل من إريتريا، التي قد تسعى إلى زعزعة استقرار جارتها الجنوبية عبر دعم المتمردين في أمهرة أو التيقراي.

Scroll to Top