أتر

حظر السلع في السودان: اقتصاد الأزمة يعود بوجهٍ قديم

تبنّت حكومة السودان بقيادة رئيس وزرائها د.كامل إدريس، مساراً جديداً هو تقييد الاستيراد. بدأت الحكومة بنسج الخطوط العامة لهذا المسار في أول اجتماعٍ لـ«لجنة الطوارئ الاقتصادية» في أغسطس 2025. ناقشت اللجنة تدهور العملة الوطنية في الاجتماع، وأصدرت 10 قرارات بغرض تعزيز سعر الصرف. وكان من بين تلك القرارات قرارٌ بمنع استيراد السلع التي لا تستوفي المعايير المصرفية أو التجارية أو المواصفات والمقاييس المُتَّبعة في البلاد.

وفي أبريل 2026، خطَت الحكومة خطوةً أبعد، فمنعت استيراد 46 سلعة كمالية، ويبدأ تنفيذ القرار في 10 مايو الجاري. وأثارت حيثيات القرار كثيراً من الحيرة والجدل، إذ سُرِّب القرار أوّل أمرِهِ في 27 أبريل، وتضمّن قائمةً حوت 46 سلعة، وكان التاريخ الوارد في صورة الخطاب هو 12 أبريل، ما أثار التساؤل حول وقت إجازته وآلية اتخاذه. وفي اليوم التالي لذلك، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة بياناً تحدثت فيه عن حظر 34 سلعة فقط، رغم أنَّ كامل إدريس قال في اليوم نفسه إنّ القائمة تضمُّ 46 سلعة، ثمّ أصدرت وزارة الصناعة والتجارة توضيحاً ضمَّ قائمةً نهائية بها 46 سلعة، وهي ذات القائمة التي جرى تسريبها في البداية.

ليست أوّل مرة

لم يكن هذا الحظر الأوّلَ من نوعه، ومن سوابقه ما كان في يناير 2011، وهو الشهر الذي شهد استفتاء تقرير مصير شعب جنوب السودان. حينها، اتَّخَذت الحكومة إجراءات تقشُّفٍ لترشيد النقد الأجنبي والتركيز على استيراد السِّلع الضرورية. وفي تلك الفترة، أصدر بنك السودان المركزي ملحقَ إدارة السياسات رقم (1/2011)، القاضي بمنع استيراد قائمة من السلع، تحوي 19 سلعةً منها الأثاث، والحيوانات الحية باستثناءات محددة، والمياه الغازية والمعدنية، واللحوم الطازجة، والأسماك، والحلويات السكرية، والسيارات المُستعملة، والبوهيات، والمعسّل، ومنتجات الدقيق والنشا مثل البسكويت والشعيرية والمكرونة، والجلود، والحرير، والزهور الصناعية. وبعد أيام أُلحقت سلعةٌ أخرى بالحظر مثل «الإندومي» بموجب منشورٍ آخر.

عقب هذه الإجراءات، سجّل الميزان التجاري فائضاً في النصف الأول لعام 2011؛ إلا أنّ حظر السلع لم يكن العامل الأساسي في ذلك، فقد صدَّرَ السودان في ذلك العام نفطاً بقيمةٍ بلغت 7.3 مليار دولار، وسرعان ما أضحى الفائض في الميزان التجاري عجزاً في يوليو 2011، وهو الشهر الذي استقلَّت فيه دولة جنوب السودان، ما أفقد السودان جلَّ صادراته النفطية.

وكان سعر صرف الدولار في يناير 2011 يَدور حول 2.5 جنيه سعراً رسمياً و3.15 جنيه سعراً في السوق الموازي. لكنّ سعر الصرف ارتفع بنهاية العام – بعد انفصال جنوب السودان وفقدان الجزء الأكبر من عائدات النفط – إلى 3.45 جنيه رسمياً بزيادة بلغت 38%، وإلى 6.5 جنيه في السوق الموازية بزيادة تجاوزت 106%. يبين ذلك أنّ النفط كان المُثبِّت الرئيس لسعر الصرف، لأنّه يوفر تدفقاً مستمراً للنقد الأجنبي. ولم تتمكَّن سياسات حظر السلع وتقليص الواردات، التي سعت إلى تخفيف الطلب على العملات الصعبة، من منع تراجع الجنيه السوداني حين فقدان البلاد موردها الأساسي للدولار. وظلّ السودان يُعاني باستمرار من نقص العملات الصعبة بعد فقدان النفط.

وفي يونيو 2012، أُلغي منشور (1/2011). وتراجعت الحكومة عن قرارها بسبب الضغط التجاري وارتفاع الأسعار المحلية وتشوه السوق بسبب نقص الواردات.

جاءت دورةٌ لاحقةٌ بدأت في 2017، وضعت فيها الحكومة حزمة إصلاحاتٍ اقتصادية هدفها استعادة التوازن في القطاع الخارجي وتوحيد سعر الصرف في سوق النقد الأجنبي. انتقل السودان في هذه الدورة من «ترشيد» الاستيراد إلى «الحظر المؤقت» ثم إلى «الاستثناء» ثم «رفع الحظر».

في يونيو 2017، أصدر البنك المركزي المنشور رقم 2017/6 القاضي بحظر الوارد من السلع الزراعية والحيوانية المصرية. وشهدت تلك الفترة توتراً في علاقات البلدين، فقد اتهم الرئيس السوداني السابق عمر البشير مصر بدعم الحركات المسلحة في دارفور. وزار إبراهيم غندور، وزير الخارجية السوداني حينها، مصر، لتهدئة التوتر.

وفي نوفمبر 2017، وفي أعقاب رفع العقوبات الاقتصادية على السودان، أُصِدَر المنشور رقم (12/2017) لتنظيم وترشيد الاستيراد وتسهيل دخول مُدخلات الإنتاج. وجاء بعده بشهر، في ديسمبر 2017، المنشور رقم (17/2017) الذي فرض حظراً مؤقتاً على استيراد سلعٍ مثل الزيوت الخام المُستَخدمة في الصناعة، وألبان الأطفال ولبن البودرة، وبعض مُحضّرات الغذاء، والصابون الطبي، وصابون الاستحمام، والمطهرات، والألعاب التعليمية قبل المدرسية، والأسماك والعصائر وغيرها. وفي يوليو 2018 استثنى المنشور رقم (8/2018) سلعاً من ذلك الحظر. وفي ديسمبر 2018، أصدر البنك المركزي منشوراً بالرقم (17/2018) رفع الحظر المؤقت وفكت الحكومة حظر السلع المصرية.

وعقب ثورة ديسمبر، اتخذت الضوابط منحى مختلفاً، فأعاد المنشور رقم (6/2020) صياغة قواعد الاستيراد وألغى عدة منشورات سابقة من بينها المنشورات بأرقام 12/2017 و3/2018 و7/2018 و12/2018، بينما أوقف المنشور رقم (11/2020) استيراد السيارات. وبعد الحرب، عاد المنشور رقم (2/2026) الصادر مطلع 2026 ليُلغي بدوره ترتيبات 2020 الخاصة بالسيارات وبعض توجيهات 2025.

تُبيِّنُ طبيعة هذه القرارات التي اتُّخذت منذ استقلال جنوب السودان، أنّها أدواتٌ مؤقتةٌ لإدارة أزمات النقد الأجنبي وميزان المدفوعات أكثر من كونها سياسةً اقتصاديةً مُستقرة، إذ كانت الواردات تُحظر ثم يُفكّ الحظر لاحقاً عبر الاستثناءات أو الإلغاء. وخلال تلك الفترات ظهرت تشوهات في السوق المحلي مع اتساع التهريب وارتفاع أسعار السلع نتيجة ضعف المعروض. ولم يتمكَّن التصنيع المحلي من تغطية الفجوة الناتجة عن تقييد الواردات بسبب محدودية الطاقة الإنتاجية. وعلى مستوى سعر الصرف، استمرَّت أسعار الدولار في الارتفاع مقابل الجنيه السوداني، ما يَعكس أن أزمة النقد الأجنبي كانت مُرتبطةً بعوامل هيكلية أعمق من قدرة سياسات الحظر على معالجتها.

هل الحظر الحالي مفيد؟

يَستهدف الحظر الذي فُرِضَ في 2026 سعرَ الصرف عبر تقليل الواردات. ولقياس نجاعته يُمكننا النظر إلى واردات السودان في 2022، والتي بلغت نحو 11 مليار دولار، وهي أعلى واردات في تاريخ السودان. وتعكس هذه البيانات كذلك وضع الاقتصاد قبل أن يضطرب بسبب الحرب، التي تقلَّص الاستيراد خلالها على نحوٍ واضح. وبالنظر إلى البيانات، نجد أنّ السلع التي شملها الحظر تُمثّل نسبةً محدودةً من الهيكل الكلي للواردات؛ فقد مثّلت واردات الأرز نحو 1% فقط من إجمالي الواردات، والعطور ومُستحضرات التجميل قرابة 0.6%، والأسمنت حوالي 0.59%، والسجاد نحو 0.04%، والملبوسات الجاهزة حوالي 1.37%، والأسماك والمُعلَّبات قرابة 0.02%، ومنتجات الألبان نحو 1.34%، وحتى عند جمع هذه السلع معاً، فإنّها تُمثّل حوالي 4.96% فقط من إجمالي فاتورة الواردات السودانية في ذلك العام.

بالمُقابل، تَملك السلع الاستراتيجية الكبرى الوزنَ الحقيقيَّ للطلب على النقد الأجنبي داخل السوق السوداني، إذ مثَّل القمح وحده نحو 9.6% من إجمالي الواردات، والسُّكَّر حوالي 5.84%، أما المحروقات فقد استحوذت وحدها على ما يقارب 25.2% من إجمالي واردات السودان في 2022، وهي نسبة تُعادل أكثر من خمسة أضعاف القيمة الإجمالية التقريبية للسلع التي جرى حظرها.

وبطبيعة الحال، يعتمد الطلب على النقد في الأجنبي في الاقتصادات المُعتمِدة على استيراد الواردات الاستراتيجية مثل الوقود والقمح ومدخلات الإنتاج بمبالغ كبيرة، على حركة هذه السلع؛ إذ ترفع أيُّ زيادة في تكلفتها أو حجم استيرادها الحاجة إلى الدولار لتمويل العمليات التجارية. ومع محدودية تدفُّقات النقد الأجنبي الرسمية، تتصاعَدُ الضغوط على السوق الموازي، ويتحرَّكُ سعرُ الصرف نحو مستويات أعلى، خاصةً إن كان الاقتصاد يُعاني من ضعف القاعدة الإنتاجية المحليّة، كما هو الحال في السودان.

تكشِفُ هذه المقارنة، أنّ السلع الاستراتيجية الثقيلة ذات الطلب المُستمر هي مركز الضغط الحقيقي على سعر الصرف، وهي السلع التي تتحرَّك حولها عمليات التمويل في السوق الموازي وشبكات تجارة الذهب والتحويلات الخارجية، إذ يُموِّل السوق الموازي 80% من عمليات الاستيراد.

وفي تصريحٍ لـ«أتَـر»، علق فاروق كمبريسي، نائب المحافظ السابق لبنك السودان المركزي على القرار قائلاً إنّ سياسات تقييد الواردات تُعدُّ من الأدوات التي لجأت إليها حكومات السودان على نحوٍ مُتقطِّع مُنذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي وحتى أبريل 2026، ضمن حزمٍ اقتصاديةٍ استهدَفَتْ ترشيدَ الطلب على النقد الأجنبي وتخفيف الضغوط على سعر الصرف في ظلِّ محدودية العملات الأجنبية، وأضاف أنّ القرار الحالي يُعيد تكرار هذه السياسات التي لم تُفْضِ إلى نتائج مُستدامة.

ويُشير كمبريسي إلى أنّ القوائم الحالية تُشبه إلى حد كبير قوائم السلع الكمالية والهامشية التي صدرت في أعوام 2011 و2017، معتبراً أنّ المشكلة الأساسية ترتبط بضعف عرض العملات الأجنبية واتساع السوق الموازي، أكثر من ارتباطها بحجم هذه السلع نفسها داخل فاتورة الواردات.

ويؤكد أهمية التقيّد بما يُحقِّقُ مصلحة المواطن والقطاع الخاص، خاصة في ظل الحركة الاقتصادية الأخيرة التي أسهمت في فتح فرص عمل جديدة وتحريك بعض الأنشطة التجارية، مُعتبراً أن المحافظة على استقرار الأسواق وتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر، يَتَعَيَّنُ أن يكونا أولويةً لأي سياسات اقتصادية تُطبق خلال المرحلة الحالية.

ويقول إدريس ابراهيم الجمل، وهو عقيدٌ معاشي عمل في الجمارك لـ«أتَـر»: «من واقع عملي السابق في الجمارك، أرى أنّ السلع الممنوعة هذه المرة لن تُحدث فرقاً كبيراً في أزمة النقد الأجنبي ما لم تُغلق معها منافذ التهريب وتمويل السوق الموازي. وكثيرٌ من هذه السلع لا يمرُّ أصلاً عبر طلب رسمي من المصارف بالقدر الذي تتصوَّره الحكومة، ولذلك قد يَنخفض النشاط الجمركي الرسمي أكثر مما يَنخفض الطلب الفعلي على الدولار». ويُشير إدريس إلى إمكانية إعادة إعمار بعض المصانع، خاصةً تلك العاملة في صناعة الصابون والصلصلة والمنسوجات، إلا أنّه يضيف بقوله إنّ تحقيق ذلك في سنوات قليلة صعب، خاصةً وأنّ الحرب أثرت على الحكومة، فلم يعد بإمكانها تمويل الصناعات بطاقتها الكلية بما يسمح بعودتها سريعاً، ما يَعني أن الفراغ في الإنتاج الداخلي سيستمر. وتوقع إدريس أن يُلغى القرار، خاصةً مع استمرار أسعار الصرف في التزايد.

هل من تبعاتٍ سلبية للحظر؟

من المُرجَّح أن يدفع قرار حظر هذه الواردات شريحةً واسعةً من تجار الجملة والقطاعي إلى الخروج التدريجي من دورة النشاط التجاري، خاصة في الأسواق التي بُنيت حركتها اليومية على تداول هذه السلع وتوزيعها داخل المدن والأحياء. يَعتمد آلاف العاملين في سلاسل الإمداد المُرتبطة بهذه السلع على أرباحها مصدراً رئيساً للمعيشة، بداية من المستوردين ووكلاء التخليص والشحن، مروراً بالعاملين في التخزين والنقل والترحيل، ووصولاً إلى أصحاب المحال الصغيرة والباعة والعاملين بالأجر اليومي. ومن المُرجَّح كذلك أن يُعيد هذا التحوُّل تشكيل حركة الأسواق، وأن يُؤثّر على التجارة داخل قطاعاتٍ واسعةٍ من الاقتصاد الحضري، مع انتقال جزء من النشاط نحو أسواقٍ بديلة أو قنوات غير رسمية بحثاً عن استمرار الطلب الاستهلاكي على هذه السلع.

وتظلُّ معالجة الضغط الناتج عن أزمة النقد الأجنبي عبر حظرٍ من هذا النوع محدودة الأثر، لأنّ توفير العملات الصعبة يَحتاج إلى سياساتٍ أعمق تقوم على تشجيع الصناعة المحلية ورفع قدرتها الإنتاجية، وزيادة الصادرات ذات القيمة، وإغلاق منافذ تهريب الذهب كي تدخل حصائله عبر القنوات الرسمية. وتُعزز مثل هذه السياسات موارد البلاد من النقد الأجنبي على نحوٍ مستدام بدلاً من أن تضغط على حلقات تجارية أثرها واسعٌ على معاش كثير من الناس إلا أنّه محدود على الميزان التجاري.

Scroll to Top