عانى الاقتصاد السوداني خلال العقود الأخيرة من تذبذب مستمرّ في سعر صرف الجنيه، نتيجة تحدّيات هي اختلالات هيكلية تتعلق بضعف الإنتاج والصادرات، واتساع العجز المالي، وتراجُع الاحتياطيات الأجنبية، وتنامي السوق الموازية. ولا يتحقّق الحفاظ على سعر الصرف عبر القرارات الإدارية وحدها، إنما يقتضي ذلك حزمة سياسات متكاملة نقدية ومالية وإنتاجية ومؤسسية.
سياسات الحفاظ على سعر الصرف
يمثّل استقرار سعر الصرف أحد أهمّ التحديات الاقتصادية في السودان، نظراً إلى ارتباطه المباشر بمعدّلات التضخّم، وتكلفة الإنتاج، وثقة المستثمرين، ومستوى المعيشة؛ بينما يؤدّي تعدّد أسعار الصرف إلى تشوّهات اقتصادية واسعة، ويشجّع على المضاربة والفساد، ويضعف الثقة في الاقتصاد الرسمي. وتتطلب المعالجة تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، حتى لا تتحوّل السوق غير الرسمية إلى المصدر الرئيس لتداول العملات الأجنبية. لذلك عمد بنك السودان المركزي إلى توحيد سوق الصرف في 2021 عبر تبنّي نظام سعر صرف مرن ومُدار بالتدخل في سوق النقد الأجنبي عبر البيع والشراء، وبآليات محدّدة للحدّ من الاختلالات ومحاولة تسهيل حصول الأفراد والشركات على النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية ما أمكن ذلك، مع تعزيز الرقابة على التعاملات غير القانونية. كما عمد إلى رفع كفاءة إدارة السيولة داخل الجهاز المصرفي عبر نسبة الاحتياطي القانوني، واستخدام أدوات نقدية مثل شهادات الاستثمار لامتصاص الفوائض النقدية في الأسواق. ويضاف إلى ذلك بناء احتياطيات أجنبية بمعدّلات طفيفة تُستخدم للتدخّل عند الضرورة وامتصاص الصدمات المؤقّتة.
تعزيز مصادر النقد الأجنبي
يمثّل تعزيز موارد النقد الأجنبي الأساس الحقيقي لاستقرار سعر الصرف، إذ لا يمكن الحفاظ على قيمة العملة الوطنية دون زيادة مستدامة في عرض العملات الأجنبية لمقابلة الطلب عليه. ويتحقّق ذلك من خلال تنمية الصادرات، بخاصة في القطاعات التي يمتلك السودان فيها ميزات نسبية، مثل الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية. كذلك تبرز أهمية تشجيع تحويلات السودانيين العاملين بالخارج عبر القنوات الرسمية، من خلال تقديم أسعار صرف مُجزية، وتسهيلات مصرفية، وحوافز ادخارية واستثمارية جاذبة.
وتُضاف إلى ذلك ضرورة استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، لا سيما في القطاعات الإنتاجية التي تسهم في زيادة الناتج والصادرات وتوفير فرص العمل. كما يمكن للمنح والتمويلات الخارجية الموجَّهة لدعم الاحتياطيات والإنتاج أن تؤدّي دَوراً مهماً في تخفيف الضغوط قصيرة الأجل على سوق الصرف. ومن الضروري أيضاً منع تسرّب حصائل الصادرات إلى خارج النظام المصرفي، وإلزام المصدّرين بإعادة عائداتهم عبر القنوات الرسمية بأي طرق مناسبة تراعي مصلحة الطرفين. فكل زيادة مستدامة في موارد النقد الأجنبي تسهم في تخفيف الضغط على الجنيه وتعزيز الاستقرار النقدي.
في المقابل، لا يقلّ ترشيد الطلب على العملات الأجنبية أهميةً عن زيادة العرض، بخاصة في ظلّ محدودية الموارد وارتفاع الاحتياجات الاستيرادية الضرورية. لذلك تُعطى الأولوية في استخدام النقد الأجنبي لاستيراد السلع الاستراتيجية، مثل القمح والوقود والدواء، إضافة إلى مدخلات الإنتاج التي تدعم النشاط الاقتصادي. وقد يقتضي الأمر تقليل استيراد السلع الكمالية وغير الضرورية مؤقتاً ولكن ليس بآليات تحكّمية، إلى جانب تشجيع الإنتاج المحلي لإحلال الواردات وتقليل الاعتماد على الخارج. ويجب أيضاً تشديد الرقابة على تهريب السلع المدعومة والذهب، لما لذلك من أثر مباشر في استنزاف الموارد الأجنبية. ومن الجوانب المهمة أيضاً تقليل الطلب المُضارَبي على الدولار عبر سياسات نقدية مستقرّة وموثوقة تعزّز الثقة في العملة المحلية وتحدّ من المضاربات.
سياسة نقدية غير منضبطة
يرتبط ضعف العملة الوطنية في كثير من الأحيان بالتوسّع النقدي غير المنضبط، لذلك فإن استقرار سعر الصرف يتطلب تبنّي سياسة نقدية رشيدة تقوم على ضبط الكتلة النقدية. ويأتي في مقدمتها تقليل التمويل بالعجز، ومنع طباعة النقود دون غطاء إنتاجي، لأنّ ذلك يؤدّي إلى تآكل القوة الشرائية للعملة وزيادة الضغط على سوق الصرف. يعود فشل السودان في ضبط الكتلة النقدية والحدّ من التضخّم أساساً إلى الاعتماد المستمرّ على تمويل عجز الموازنة بطباعة النقود في ظلّ ضعف الإيرادات العامة ومحدودية مصادر التمويل الأخرى. في الماضي، لم تكن الحكومات المتعاقبة تضطرّ إلى شراء العملات الأجنبية من الأسواق المحلية لتمويل مشروعات التنمية، إذ كانت هناك موازنة تنمية مستقلة تُموَّل أساساً عبر القروض الخارجية الميسّرة والمنح، بعيداً عن الضغوط المباشرة على سوق النقد الأجنبي. أما اليوم، فإنّ تلاشي هذا الفصل بين موازنة التنمية والموازنة العامة أدّى إلى اختلاط الإنفاق التنموي بالإنفاق الجاري، ما أفقد التخطيط المالي وضوحه وأضعف كفاءة توجيه الموارد. يثير هذا التحول تساؤلاً جوهرياً: أين ذهبت موازنة التنمية كأداة مستقلة للتمويل والاستثمار؟ فمع تراجُع تدفقات التمويل الخارجي، وضعف القدرة على الاقتراض بشروط ميسّرة، وازدياد الاعتماد على الموارد المحلية المحدودة، أصبحت الدولة تلجأ إلى شراء العملات الأجنبية من السوق المحلي أو تمويل الإنفاق بوسائل تضخّمية، وهو ما يفاقم الضغط على سعر الصرف، ويؤدّي إلى مزيد من التدهور في قيمة العملة. كذلك يعكس غياب موازنة تنمية منفصلة ضعفاً مؤسّسياً في إدارة المالية العامة، إذ لم يعد هناك تمييز واضح بين الإنفاق الاستهلاكي قصير الأجل والاستثمار طويل الأجل. وبدلاً من تمويل مشاريع إنتاجية تدرّ عائداً مستقبلياً بالعملات الأجنبية، تُستنزَف الموارد في تغطية التزامات آنية، ما يضعف القدرة على خلق مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. وقد حدث هذا التوسّع النقدي دون زيادة مقابلة في الإنتاج الزراعي أو الصناعي، ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية للجنيه.
وقد أسهم ضعف استقلالية البنك المركزي في تقليل فعالية السياسة النقدية، إذ جرى توجيهها أحياناً لتمويل الإنفاق الحكومي بدلاً من تحقيق الاستقرار النقدي، وهما متناقضان في الأثر على سعر الصرف. كذلك أدّى تدهور سعر الصرف إلى زيادة تكلفة الواردات وارتفاع التضخّم، خاصة مع اعتماد البلاد على استيراد السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج. وأسهم تغيير الدَّور الإشرافي التقليدي للبنك المركزي وتحوُّله إلى تمويل أنشطة ومؤسّسات محدّدة، مثل تمويل عمليات الحجّ، ودعم البنك الزراعي، وتمويل بعض القطاعات الحكومية وشبه الحكومية، في إضعاف فاعلية السياسة النقدية. فبدلاً من تركيز البنك المركزي على مهامه الأساسية المتمثلة في استقرار الأسعار، وضبط الكتلة النقدية، وإدارة السيولة، والإشراف على الجهاز المصرفي، وُجّهت موارده أحياناً نحو أدوار ينبغي أن تضطلع بها الموازنة العامة أو مؤسّسات تمويل متخصّصة. وقد أدّى ذلك إلى زيادة الضغوط على الموارد النقدية، وتوسيع التمويل المباشر وغير المباشر، وتشويه أولويات السياسة النقدية، ما أسهم في ارتفاع التضخّم وإضعاف استقلالية البنك المركزي. كما خلق هذا النهج توقّعات دائمة بتدخّل البنك المركزي لتمويل قطاعات مختلفة، الأمر الذي قلّل الانضباط المالي، وأضعف كفاءة توزيع الموارد في الاقتصاد. وزادت الأوضاع سوءاً بسبب النزاعات وعدم الاستقرار السياسي، وضعف الثقة في العملة المحلية، واتجاه الأفراد إلى الدولار والذهب وسيلتَي ادّخار. لذلك أصبح التضخّم في السودان نتاجاً لخلل هيكلي شامل، وليس محض مشكلة نقدية منفصلة قصيرة المدى.
الإصلاح الهيكلي قصير وطويل الأجل
الحفاظ على سعر الصرف في السودان ليس قراراً مصرفياً فقط، بل هو نتيجة مباشرة لقوة الاقتصاد الحقيقي. فإذا زاد الإنتاج، وتحسّنت الصادرات، وانضبطت المالية العامة، وارتفعت الثقة في المؤسسات، استقرّ الجنيه تلقائياً. أما الاعتماد على المعالجات المؤقتة وحدها فلن يؤدّي إلا إلى تأجيل الأزمة. لا يمكن الحفاظ على سعر الصرف على نحو دائم دون إصلاح هيكل الاقتصاد السوداني عبر:
- التحوّل من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي؛
- تطوير البنية التحتية والنقل والطاقة؛
- رفع الإنتاجية الزراعية والصناعية؛
- تنمية الصناعات التصديرية؛
- دمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي.
عاني السودان منذ سنوات من تحدّيات هيكلية عميقة في إدارة السياسة النقدية، انعكست بوضوح على استقرار سعر الصرف وكفاءة إدارة النقد الأجنبي. ويتمثل أحد أبرز هذه التحديات في محدودية الاعتماد على دراسات تحليلية دقيقة، دورية، وشاملة لقوى العرض والطلب على العملات الأجنبية، الأمر الذي يجعل كثيراً من القرارات المرتبطة بسعر الصرف ذات طابع تفاعلي قصير الأجل، بدلاً من أن تكون جزءاً من رؤية استراتيجية تعالج جذور الاختلالات الاقتصادية على نحو مستدام. فإدارة سعر الصرف لا يمكن أن تنجح بالاعتماد فقط على القرارات الإدارية أو التعديلات الاسمية في قيمة العملة، إنما تقتضي فهماً دقيقاً للبنية الحقيقية للسوق، ولمصادر الطلب على النقد الأجنبي ومصادر عرضه، وحجم الفجوة بينهما، واتجاهاتها الموسمية والهيكلية. وفي غياب هذا الفهم، تصبح السياسات النقدية أقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى صناعة الاستقرار الاقتصادي.
ويعود هذا الضعف جزئياً إلى غياب التحليل المتكامل لمكوّنات الطلب على النقد الأجنبي، وهو طلب متعدّد الأبعاد ولا يقتصر على الواردات السلعية فقط، إنما يشمل أيضاً مدفوعات الخدمات، مثل النقل والتأمين والاتصالات، وسداد الديون الخارجية وأقساطها، والالتزامات الحكومية، وتحويل أرباح الشركات الأجنبية، ونفقات السفر والعلاج والدراسة بالخارج، إضافة إلى الطلب الادخاري والتحوّطي الناتج عن ضعف الثقة في العملة المحلية وارتفاع معدّلات التضخم، فضلاً عن الطلب المضارَبي المرتبط بتوقّعات انخفاض قيمة الجنيه. وعندما لا يجري تصنيف هذه المكوّنات وقياسها بدقة، يصبح من الصعب التمييز بين الطلب الحقيقي المنتِج والمرتبط بالنشاط الاقتصادي، والطلب غير المنتِج أو المضارَبي، ومن ثمّ تتعثّر قدرة السُّلطات النقدية على توجيه الموارد المحدودة نحو الأولويات التنموية والإنتاجية. كما يؤدّي ذلك إلى استخدام أدوات عامة قد تضرّ بالاقتصاد، مثل القيود الشاملة أو التشدّد غير الانتقائي، بدلاً من التدخّلات الذكية الموجّهة.
وفي المقابل، يظهر قصور مماثل في تقدير مصادر عرض النقد الأجنبي، والتي تتكوّن من حصائل الصادرات، وتحويلات السودانيين العاملين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، والمنح والمساعدات الخارجية، والإيرادات الخدمية، إضافة إلى التدفقات الرأسمالية الأخرى. وغالباً ما تعاني هذه المصادر من ضعف التسجيل الإحصائي، أو تسرّب جزء كبير منها خارج القنوات الرسمية، أو تقلّبات حادّة ناتجة عن الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية. ويُعدّ ضعف استقطاب تحويلات المغتربين مثالاً واضحاً على فجوة السياسات، إذ إنّ جزءاً مهماً من هذه التحويلات يمرّ عبر السوق الموازية نتيجة الفارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي، أو بسبب تعقيدات الإجراءات، أو محدودية الحوافز، ما يحرم الاقتصاد من مورد مستقرّ كان يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على سعر الصرف.
إنّ غياب الرؤية الدقيقة لمكوّنات العرض والطلب يقود بالضرورة إلى غياب الفهم الحقيقي لطبيعة الفجوة في سوق النقد الأجنبي: هل هي فجوة مؤقّتة أم هيكلية؟ هل سببها تراجع الصادرات، أم تسرّب التحويلات، أم تضخّم الواردات، أم المضاربات؟ وهل يمكن معالجتها بأداة نقدية، أم تتطلب إصلاحات مالية وتجارية وإنتاجية؟ وفي غياب إجابات دقيقة عن هذه الأسئلة، تصبح السياسات النقدية أقلّ فاعلية وأكثر تكلفة. كما يؤدّي هذا القصور التحليلي إلى ضعف التنسيق بين السياسة النقدية والسياسات الاقتصادية الأخرى خاصة المالية، إذ لا يمكن إدارة سعر الصرف بمعزل عن السياسة المالية، وهيكل الواردات، وسياسات الإنتاج والصادرات، ومناخ الاستثمار، وإدارة الدَيّن الخارجي. لذلك فإن أيّ إصلاح نقدي منفصل عن إصلاحات الاقتصاد الحقيقي يظلّ محدود الأثر وسريع التآكل.
ولمعالجة هذه التحديات، يحتاج السودان إلى بناء نظام معلومات اقتصادي حديث، يتضمّن قواعد بيانات محدّثة للتدفّقات الخارجية، ونماذج للتنبؤ بالطلب والعرض على العملات الأجنبية، ورصد حركة السوق الرسمية والموازية، وتحليل موسميّة التجارة والتحويلات. كما يتطلب الأمر تعزيز استقلالية البنك المركزي، ورفع كفاءة الكوادر الفنية، وتطوير أدوات السياسة النقدية، وتحسين التنسيق المؤسسي مع الجهات المالية والتجارية والاستثمارية.
أخيراً، إنّ استقرار سعر الصرف في السودان لن يتحقّق عبر القرارات الظرفية أو التدخّلات المحدودة فقط، إنما عبر الانتقال من إدارة نقدية ردّ فعليّة إلى إدارة قائمة على البيانات والتحليل الاستباقي. فكلما تحسَّن فهم مكونات العرض والطلب على النقد الأجنبي، أصبحت السياسات أكثر دقة، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار النقدي ودعم النمو الاقتصادي.