أتر

دفتر أحوال السودان (123): من غرب كردفان وأمبدّة

غرب كردفان: حصار وأزمات معيشية ونازحون يعانون وتوترات أمنية

مراسل أتر

قادت قوات من الدعم السريع، هجمات على منطقة أم هشيم بمحلية الخِوَي في ولاية غرب كردفان، لمدة ثلاثة أيام متتالية، منذ الخامس من مايو الجاري حتى الثامن منه، وتعدّت هذه القوات على ممتلكات السكّان ونهبت قطعان الماشية، وفق ما ذكرت مصادر محلية لمراسل «أتَـر».

وقالت المصادر، إنّ السكّان تصدّوا لهذه القوات واسترجعوا الماشية المنهوبة، ما أدّى إلى تجدّد هجمات قوات الدعم السريع على المنطقة، منذ الثلاثاء الماضي حتى الآن، وإطلاقها حملة اعتقالات، طالت 12 شخصاً لم يُعرف مصيرهم. وأخبر أحد ذوي المعتقلين مراسل «أتَـر»، أنّ مسؤولاً بالدعم السريع، تجمعه صلة قرابة بهم، تواصل معهم عارضاً إطلاق سراح المعتقلين، مقابل فدية مالية تبلغ 20 مليون جنيه سوداني للمعتقل الواحد.

وتشهد ولاية غرب كردفان، حالة من السيولة الأمنية بسبب الهجمات المتكرّرة التي تشنّها قوات الدعم السريع، على مختلف القرى والفرقان والمحليات، إضافة إلى الضائقة المعيشية التي يعانيها السكّان، بسبب الارتفاع البالغ في أسعار السلع الأساسية، والانخفاض في أسعار المحاصيل والماشية التي يعتمدون عليها في تدبير حياتهم، فضلاً عن أزمة في توفر مياه الشرب، نتيجة توقّف مضخّات المياه بالأعطال ونقص قطع الغيار ونهب وحدات الطاقة الشمسية، وارتفاع أسعار الوقود.

وتسيطر قوات الدعم السريع، منذ مايو 2025، على مدينة النهود الاستراتيجية بولاية غرب كردفان. وقد كشف أحد السكّان، مفضّلاً حجب اسمه، لمراسل «أتَـر»، أنّ قواتٍ من الدعم السريع، شنّت حملات مداهمات واسعة على منازل سكّان المدينة، طوال الأسبوع الماضي، بحجة البحث عن عناصرها الرافضة للذهاب إلى جبهات القتال، ورافقت هذه الحملات عمليات نهب واسعة لهذه المنازل.

وتُعاني محليتا أبو زبد والسنوط بولاية غرب كردفان، من أزمة حادة في توفر مياه الشرب، وسط صعوبات تواجه عمليات الصيانة وتأهيل مصادر المياه، إذ ذكر بخيت بيّن مرسال، من سكّان قرية «فاج الخلا»، لمراسل «أتَر»، أنّ معاناتهم في الحصول على مياه لهم ولماشيتهم، تزداد مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، لافتاً إلى أنهم بعد توقف مضخة القرية، اعتمدوا على المياه من مدينة أبو زبد، لكن قوات الدعم السريع، التي تتمركز في الطريق من القرية نحو أبو زبد، منعتهم من المرور عبر الطريق. وأدى توقف مضخة المياه الرئيسة في قرية «فاج الخلا»، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً غربي محلية أبو زبد، لاضطرار بعض شبابها للنزول داخل آبار محفورة يدوياً، في محاولة لإصلاح الأعطال واستخراج المياه، وسط مخاطر كبيرة تشمل انهيار التربة ونقص التهوية واحتمالات الاختناق، وفق بيان للشبكة الشبابية للمراقبة المدنية.

وكشف المتحدث الرسمي باسم غرف طوارئ دار حمر، سليمان أبو حميدة، لمراسل «أتَر»، أن 150 قرية شمال محلية الخِوَي، قد فقدت جميع مصادر المياه الرئيسة والثانوية، لافتاً إلى أن سعر برميل المياه وصل لأكثر من 50 ألف جنيه سوداني، وأن المياه تأتي من منطقة «أم كريدم» بولاية شمال كردفان. وأضاف حميدة، أن معظم قرى محلية الخوي، تعاني من العطش بسبب وقوعها خارج نطاق المياه الجوفية، إذ كانت تعتمد على آبار مدينة الخوي. ومع استمرار سيطرة الدعم السريع على المنطقة، فإن جميع آبار الخوي باتت خارج الخدمة، مشيراً إلى أن ما فاقم من الأزمة هو ارتفاع درجات الحرارة، وأن مياه الخريف الموسمية قد نفدت في أماكن تجمُّعها.

ووفقاً لبيان غرفة طوارئ دار حمر، فإن قوات الدعم السريع، تفرض حصاراً على سكّان محلية أبو زبد والقرى المحيطة بها، وتقطع الطرق الحيوية التي تربط المحلية بمدينة الأبيض، وتمنع السكّان من السفر عبر هذه الطرق، وتُمارس انتهاكات بحق المدنيين من ضرب وإذلال، فضلاً عن حالات نهب واسعة طالت الأموال والهواتف، كما منعت المرضى من تلقي العلاج في المدن الأخرى. وقال عضو بغرفة غبيش للطوارئ والبناء، فضل حجب اسمه، لمراسل «أتَر»، إن قوات الدعم السريع، تفرض حصاراً على المدن، وتعمد إلى مصادرة مواشي السكّان، بجانب عمليات قتل وسلب ونهب في الطرقات، مشيراً إلى أن هذه الممارسات أدت إلى انعدام الغذاء، وتفشي الجوع بين سكان القرى المحاصرة.

وكشفت مصادر محلية، في منطقة «تريا» بمحلية النهود، لمراسل «أتَر»، عن أن قوة من الدعم السريع، قالت للسكان إنها تتبع لقائد يدعى «الفاتح قرشي» هاجمت الأحد الماضي، عربةً مدنيةً واختطفت تاجراً مشهوراً بالمنطقة يُدعى سالم سليمان. وقال شهود عيان بالمنطقة، لمراسل «أتَر»، إن التاجر الذي اقتيد تحت تهديد السلاح إلى جهة مجهولة، لا يُعرف مصيره حتى الآن، وأوضحوا أن الحادثة أثارت قلقاً واسعاً وسط السكّان.

في محلية النهود أيضاً، كشفت مصادر محلية لـ «أتَر»، عن اختطاف المزارع بهاء الدين خميس إسماعيل، الذي يعمل في النشاط التجاري أيضاً. وقال مصدر محلي لـ«أتَر»، إن قوة تستقلُّ دراجات نارية هاجمت إسماعيل بقريته «كليجو»، وهو من سكّان المنطقة، في الساعة الحادية عشرة من ليل الجمعة الماضي 8 مايو.

وخلت مدينة الخوي بولاية غرب كردفان من سكّانها، وفقاً لما قاله حمدان عجيبة لمراسل «أتر»، وهو من الذين غادروها، وأضاف أنّ قوات الدعم السريع تجري عمليات نهب واسعة وممنهجة للمنازل هناك، وأنّ أحد أقاربه ينتمي إلى قوات الدعم السريع، أرسل إليه صورةً لمنزله وهو خالٍ من كل شيء، إذ نُهب حتى القش الذي استخدمه في بناء جزء من سور المنزل، ولم يتركوا حتى أواني المطبخ.

وفي حديثه لـ«أتَـر»، أخبر المتحدّث الرسمي باسم غرفة طوارئ دار حمر وغرفة طوارئ النهود المركزية، سليمان أبو حميدة، بأنّ «عدد النازحين من قرى ومدن ولاية غرب كردفان، يبلغ نحو 56 ألف أسرة، توجد منها 44 ألف أسرة بولاية شمال كردفان، وستة آلاف أسرة بولاية النيل الأبيض، بجانب خمسة آلاف أسرة بولاية الخرطوم، و800 أسرة في ولاية البحر الأحمر، ويواجهون المصاعب الناتجة عن توقف التكايا والمطابخ المركزية التي كانت توفر الوجبات لهم، فضلاً توقف الدعم المقدم من منظمات العون الإنساني». وقال أبو حميدة، إنّ هذه الأسر النازحة تعيش في المخيمات أوضاعاً قاسية، تحت ظلال الجوالات والكراتين، محذّراً من تفاقم أزمتها مع دخول فصل الأمطار.

ويضيف أبو حميدة أن قرار قوات الدعم السريع بحظر مرور السلع إلى مناطق شمال وغرب كردفان، قد أدّى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، إذ بلغ سعر كيلة العدس 10 آلاف جنيه في ريف محلية غِبيش. ومع استمرار سريان الحظر لمناطق شمال ووسط السودان، فإنّ انخفاضاً كبيراً في أسعار الماشية والمحاصيل، قد عمّق الأزمات الاقتصادية لسكّان ولاية غرب كردفان. ويمضي أبو حميدة موضحاً أنّ سعر قنطار الفول السوداني في غرب كردفان بلغ 15 ألف جنيه سوداني، بينما بلغ سعره في الأبيض بشمال كردفان 145 ألف جنيه، منوهاً إلى أن هذا الانخفاض في الأسعار، دفع العديد من المزارعين لترك الزراعة والتوجّه نحو مناجم الذهب.

«يتعرّض المسافرون عبر طرق الولاية لمخاطر جسيمة بسبب الفوضى الأمنية والجبايات المتعدّدة، ما يُثقل معاناتهم، ويعيق حركتهم ويزيد من عزلة مناطقهم، مع استمرار قوات تنتسب إلى الدعم السريع، في خطف التجار وطلب فدىً مالية كبيرة. كذلك جُمعت وصُودرت شبكات الاتصال الفضائي «ستارلنك»، التي يعتمد عليها السكّان في التواصل والتحويلات البنكية، في ظلّ انقطاع الشبكات المحلية»، يضيف أبو حميدة.

صحياً، كشفت مصادر محلية من غرف طوارئ دار حمر، لـ«أتَـر»، عن خروج معظم مستشفيات الولاية من الخدمة بسبب الحرب. فقد تدهور القطاع الصحي بغرب كردفان، ووصلت الأوضاع الصحية إلى مرحلة حرجة تهدّد حياة المرضى، إذ يضطرّون لاستخدام إبر الحقن لأكثر من مرة نتيجة شحّ المستلزمات الطبية، ما يعزز انتشار العدوى والأمراض. وهناك نقص حادّ في الإنسولين، ما يُعرّض حياة مرضى السكري لمضاعفات خطيرة قد حد تبلغ الوفاة، في ظل غياب مخازن أدوية وإمدادات طبية منتظمة، لتعطّل سلاسل الإمداد.

أمبدّة: أزمة في مياه الشرب وغياب للخدمات

مراسل أتر

يعاني سكّان محلية أمبدّة بولاية الخرطوم، من عدة أزمات خانقة منها ضعف الكهرباء، وتراكُم النفايات، ورداءة الطرق، وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، فضلاً عن ندرة حادة في مياه الشرب، إذ يتراوح سعر برميل المياه ما بين 50 و60 ألف جنيه سوداني، ومع ذلك تشهد المحلية تدفقاً كبيراً للسكّان العائدين إلى منازلهم بعد رحلات نزوح ولجوء طويلة. وخرجت المحلية عن سيطرة الحكومة لأكثر من عامين بسبب الحرب، ما أدّى إلى نهب وتخريب واسع للمؤسسات العامة والمرافق الخدمية، طالا محطات إنتاج وتوزيع المياه، والمستشفيات ومحوّلات الكهرباء وأسلاكها وأعمدتها، فانعكس ذلك مباشرةً على مستوى الخدمات الشحيحة.

إبراهيم عوض، أحد سكّان حي أمبدة السبيل، يصف لمراسل «أتَـر» أحوال الناس في أمبدّة بأنها «قاسية» بسبب أزمة المياه وغياب الحلول وعدم تدخّل السلطات الحكومية، قائلاً إنّ النازحين عادوا إلى منازلهم، متوقّعين توفر مياه الشرب بها على الأقل، لكنهم اكتشفوا أنّ توفير المياه ليس من أولويات الحكومة، ممثلة في سلطات محلية أمبدّة، التي لا أثر لها في الحياة اليومية. ويتابع إبراهيم قائلاً إنّ الأحياء اكتظّت بالسكان، فبعضهم لم يغادر منذ بدء الحرب، لكنهم هذه الأيام ومع ارتفاع درجات الحرارة، يعانون قسوة انعدام المياه، التي أصبحت توزّع عبر التناكر في الأحياء، ما يضطرّ السكّان للانتظار ساعات طويلة من أجل الحصول على برميل ماء من التنكر، في أوقات غير منتظمة.

وتعدّ محلية أمبدة، منذ ما قبل الحرب، الأعلى كثافةً سكّانية في ولاية الخرطوم، وتضمّ عدداً من الأسواق المهمة، منها سوق ليبيا وسوق أبو زيد وسوق الناقة، وسوق السلام الذي يحتضن دلالة شهيرة للسيارات والسوق الرئيس للأغنام بولاية الخرطوم. ويعتبر محمد حذيفة، التاجر بسوق ليبيا، أنّ أزمة المياه هذه الأيام، تطغى على جميع مشكلات المحلية، إذ لا تبذل جهة مجهوداً، في سبيل توفير مياه الشرب للناس والحيوان، رغم ورود كميات من الماشية إلى الأسواق مؤخراً، كاشفاً أن سعر جركانة المياه سعة 36 رطلاً، أصبحت تتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف جنيه سوداني.

يخبر محمد عدلان، التاجر بسوق ليبيا مراسل «أتَـر»، أنّ حركة دؤوبة انتظمت أسواق محلية أمبدّة هذه الأيام، فهناك حركة بيع وشراء في سوق ليبيا الذي يستعدّ لاستقبال عيد الأضحى لأول مرة بعد استعادة الجيش للمحلية من قبضة الدعم السريع، فقد عاد السوق إلى حركته الطبيعية قبل الحرب، وامتلأ بأنواع كثيرة من البضائع المختلفة. ودلل عدلان على عودة الحياة، بارتفاع أسعار إيجارات المحال التجارية بالسوق، إذ يتراوح سعر إيجار المحل حالياً ما بين 40 و50 مليون جنيه سوداني، وهي علامة على تعافي الحياة في المحلية، بحسب ما يرى، رغم الأزمة في المياه وعدد من الخدمات الأساسية الأخرى.

وتشهد مناطق واسعة في محلية أمبدّة هشاشة أمنية، وفقاً لصديق عوض، الذي يقطن حي دار السلام، وقال لـ«أتَـر»، إنّ المنطقة تحتاج إلى تكثيف الدوريات وعمل الارتكازات من قِبل قوات الشرطة، للحدّ من الانفلات الأمني، الناتج عن انتشار السلاح بالمنطقة. وقال صديق في ختام حديثه مع مراسل «أتَـر» إنّ غرب محلية أمبدّة، يطل على ولاية شمال كردفان، خاصة المناطق التي تشهد عمليات عسكرية، مثل بارا وأم دم حاج أحمد، لذلك فهناك هشاشة أمنية، يرافقها نقص في الخدمات وشح في مياه الشرب.

Scroll to Top