تشهد مناطق مختلفة من ولاية نهر النيل تفشّياً واسعاً لحمّى الضنك (Dengue fever)، من قُرى شمال المتمّة، ومحلية شندي، إلى مُدن الدامر وعطبرة وبربر، في وضع صحّي مُتدهور وغياب عمليات الرشّ المنتظمة. ساوَت معدّلات الإصابة في المتمّة أو قاربت مستويات موجة نوفمبر 2025، بينما سجّلت شندي معدّلات إصابة مرتفعة، لا سيما في منطقة المِسيكتاب ووحدة كبوشية الإدارية. وباشرت إدارة الطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة بوزارة الصحة في ولاية نهر النيل بإصدار تقارير وبائية يومية عن رصد الإصابات الجديدة في الولاية.
بحسب وزارة الصحة بولاية نهر النيل، بلغ عدد الإصابات بحمّى الضنك 7930 حالة حتى 11 مايو الجاري، بينها 14 حالة وفاة، أعلاها من وحدة كبوشية الإدارية. غيرَ أنّ مصادر محلية وأطباء شكّكوا في صحة هذه الإحصائيات، مؤكدين أنّ معدل الإصابات اليومي في محلية شندي على وجه الخصوص أعلى بكثير مما أعلنته تقارير وزارة الصحة في الولاية.
وبحسب وزارة الصحة بولاية نهر النيل، بلغ عدد الإصابات بحمّى الضنك 7930 حالة حتى 11 مايو الجاري، بينها 14 حالة وفاة، أعلاها من وحدة كبوشية الإدارية. غيرَ أنّ مصادر محلية وأطباء شكّكوا في صحة هذه الإحصائيات، مؤكدين أنّ معدل الإصابات اليومي في محلية شندي على وجه الخصوص أعلى بكثير مما أعلنته تقارير وزارة الصحة في الولاية. وأفاد مصدر طبي من منطقة كبوشية لـ«أتَـر» بأنّ معدّلات الإصابة بحمى الضنك قد شهدت ارتفاعاً بالغاً ومفاجئاً عقب عيد الفطر مباشرةً، وأنّ كلّ منزل بالمنطقة يسجّل حالياً حالتين إلى ثلاث حالات إصابة بالمرض.
تضُمّ منطقة كبوشية عدداً من المراكز الصحية والمستشفيات، غير أنّ مستشفى كبوشية الريفي هو الوجهة الرئيسة للحالات المحوّلة من المراكز الصحية في المنطقة، ويخدم عشرات القرى الممتدة على الضفة الغربية للنيل، بسبب بُعد المستشفيات الأخرى، إذ يقع أقرب مستشفيان من المنطقة على بُعد 32 كيلومتراً، وهما مستشفيا التراجمة والمسيكتاب. لذلك تلقّى المستشفى اهتماماً حكومياً خلال الأشهر الماضية في مواجهة تفشي حمّى الضنك؛ إذ قدّم ديوان الزكاة في أواخر مارس الماضي أدوية بقيمة 5 ملايين جنيه دعماً للمستشفى، كما زاره وكيل وزارة الصحة الاتحادية، الدكتور علي بابكر، مطلع أبريل بالتزامن مع إطلاق حملة لمكافحة الوباء في محلية المتمة بتمويل من اليونيسف وإشراف وزارة الصحة؛ وفي أواخر أبريل، زاره وزير الصحة الاتحادي، بروفيسور هيثم محمد، الذي تعهّد بتوفير التجهيزات الطبية اللازمة لقسم الطوارئ والعمل على إنشائه خلال العام الجاري. يأتي هذا التحرك الرسمي استجابةً للنداءات الشعبية المتكرّرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي طالبت بتدخّل حكومي عاجل للحدّ من تفشي حمى الضنك.
تضارب: أرقام وشكوك
فسّرت مصادر طبية بالمنطقة، تحدّثت لـ«أتَـر»، هذا التضارب بين أرقام السكّان وأرقام الوزارة بأنه ناجم عن التباين في طرق الإحصاء؛ إذ يجمع السكّان في أرقامهم عدد الحالات الجديدة مع عدد الحالات التي لم تتعافَ بعد، بينما تعتمد الوزارة حالياً على إحصاء الحالات الجديدة فقط.
الطبيبة آلاء فتحي، اختصاصية الطب الباطني ومن سكّان منطقة كبوشية، قالت في حديثها لـ«أتَـر»، إنّ بعض أنواع الملاريا قد تؤدّي إلى تكسُّر الصفائح الدموية في مراحل متأخّرة من الإصابة، وهو تأثير مشابه لما تسبّبه حمى الضنك. وأضافت أنّ فحص الملاريا قد لا يُظهر نتيجة إيجابية في بعض حالات الإصابة المزدوجة بالملاريا والضنك؛ وفي مثل هذه الحالات، يجري التعامل مع المريض في البداية على أنه مصاب بحمى الضنك فقط، حتى تكشف الفحوصات عن وجود الملاريا.
وكشفت مصادر طبية أخرى تحدّثت لـ«أتَـر» عن ظهور أنواع من الملاريا، مثل الملاريا الخبيثة التي يسببها طفيل (Plasmodium falciparum)، إضافة إلى ظهور حالات من التيفوئيد، وهي أمراض قد تتشابه في أعراضها مع حمى الضنك، ما سبّب تضارباً في الأرقام والإحصائيات.
في أبريل الماضي، قالت وزارة الصحة بولاية نهر النيل في صفحتها على فيسبوك، إنها رصدت 3 إصابات بحمى الضنك في كبوشية يوم 7 أبريل، و49 إصابة في 8 أبريل، و65 إصابة في 9 أبريل. بَيدَ أنّ تعليقات السّكان على منشورات وزارة الصحة هذه تقول إنّ الأرقام غير صحيحة، مُشيرةً إلى انتشار المرض على نحوٍ واسع. وفسّرت مصادر طبية بالمنطقة، تحدّثت لـ«أتَـر»، هذا التضارب بين أرقام السكّان وأرقام الوزارة بأنه ناجم عن التباين في طرق الإحصاء؛ إذ يجمع السكّان في أرقامهم عدد الحالات الجديدة مع عدد الحالات التي لم تتعافَ بعد، بينما تعتمد الوزارة حالياً على إحصاء الحالات الجديدة فقط.
![]()
حمّى الضنك هي عدوى ڤيروسية تنتقل عن طريق لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وتظهر أعراضها عادةً بعد 4 إلى 10 أيام من لدغة البعوضة، مُسبّبةً ارتفاعاً في درجة حرارة الجسم قد يصل إلى 40 درجة مئوية، وصداعاً حاداً، وألماً خلف العينين، وآلاماً في العضلات، وقيئاً وغثياناً، وطفحاً جلدياً. وقد يُخلَط بين هذه الأعراض وأعراض أمراض أخرى، مثل الإنفلونزا، ما قد يؤخّر التشخيص والعلاج في بعض الحالات. وقد تتطوّر حمّى الضنك إلى حمّى الضنك النزفية، وتُسمّى أيضاً مُتلازمة صدمة حمّى الضنك، وتكون أعراضها مصحوبة بقيء مستمرّ، ونزف اللثة أو الأنف، وظهور دم في القيء أو البراز، وسرعة وصعوبة في التنفّس، ويَغلب على المريض التعب والأرق.
طُرق كشف الڨيروس
أخبرت مصادر طبية «أتَـر» أنّ التعرّف على ڨيروس حمى الضنك في المرافق الصحية بمنطقة كبوشية يجري عبر رؤيته تحت المجهر. ويمكن التعرُّف عليه أيضاً عبر تقنية الـ ICT، وهي طريقة سريعة لتحليل عينة دم صغيرة على شريحة تعتمد على التفاعل بين الأجسام المضادة (Antibodies) والمستضدّات (Antigens)، وعن طريق جهاز فحص PCR، الذي يتميّز بدقة عالية لقدرته على فحص الحمض النووي للڨيروس، لكنّ هذه الأجهزة لا توجد في منطقة كبوشية وفقاً للمصادر ذاتها. وتوضّح الدكتورة آلاء أنّ فحص الـ ICT فعّال في حالات الإصابة، لكنّه قد يُعطي نتيجة إيجابية حتى بعد أسابيع من تعافي المريض.
وقال الدكتور مصطفى، وهو طبيب بكبوشية، مُتحدّثاً لـ«أتَـر»، إنّ المنطقة تشهد انتشاراً لوباء الملاريا الحبشية أكثر من كونها موجة جديدة لحمى الضنك، وذلك على الرغم من تأكيد مصادر أخرى خلوّ المنطقة من الملاريا الحبشية. ويضيف الدكتور مصطفى أنّ مرَضَي الملاريا والضنك يتشاركان في عرض الحمّى، ويصفها بأنها حادَّة في كلتا الحالتين، ولا يمكن اعتبارها طفيفة، إذ تستدعي شدة الأعراض طلباً للمساعدة الطبية.
جهود شعبية، وتوعية صحية
متحدثة إلى «أتر» تقول الدكتورة سارة أبو المعالي، باحثة في قسم الحشرات الطبية بالمعمل القومي للصحة العامة «استاك»، إنّ ما يُميِّز بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti) الناقلة لحمّى الضنك هو ارتباطها الوثيق بالإنسان وقدرتها العالية على التأقلم. وتُشير إلى أن موسم الخريف القادم سيؤثّر بشدّة على تكاثر بعوض حمى الضنك، نظراً لانخفاض درجات الحرارة وتوفر مواقع تكاثر أكثر، لا سيما في وجود المياه الراكدة النقية؛ إذ تُمثِّل الرطوبة العالية، وانخفاض درجات الحرارة، وتوفّر مياه التكاثر، الظروف المثالية لهذه البعوضة. وترى الدكتورة سارة أنّ المجهودات المجتمعية هي العامل الأساسي في مكافحة الزاعجة المصرية، من خلال تفريغ أوعية المياه بانتظام، واستخدام طارد البعوض، وتكثيف المكافحة الكيميائية بالمبيدات.
نشطت في قرى المِسيكتاب، شمالي مدينة شندي، مبادرة أهلية لمُجابهة الموجة الجديدة، قوامها عدد من المتطوّعين والأطباء لرش المنازل والشوارع بالمبيدات. وكشف مصطفى قسم السيد، أحد سكّان المنطقة ومُشارك في المبادرة لـ«أتَـر»، عن أنّ المِسيكتاب لم تُسجِّل أيَّ إصابات يوم السبت 5 مايو، وهو مؤشّر إيجابي يعكس فاعلية الحملات المجتمعية والتدخّلات الصحية، بينما سجّلت أربع حالات جديدة يوم الأحد 6 مايو، يُرجَّح أنها إصابات قديمة نظراً لتأخّر المرضى في إجراء الفحوصات. وأوضح أنهم أوقفوا عمليات الرش اليدوي بعد تلقّيهم إخطاراً ببدء الرش الجوي تجنّباً للآثار الجانبية المترتّبة على الإفراط في استخدام المبيدات، مُعرباً عن أسفه لأنّ الرشّ الجوي اقتصر على مدينة شندي فقط ولم يُغطِّ جميع المناطق الموبوءة التي هي في أمسّ الحاجة إلى تغطية أوسع. وفي مطلع شهر مايو، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل عن بدء عمليات رش جوي في بعض مناطق محلية شندي. وأفادت مصادر محلية بأن الرشّ شمل منطقة كبوشية أيضاً، ما أدّى، وفقاً لمصدر طبي، إلى انحسار تدريجي في معدلات الإصابة خلال الأيام العشرة الماضية.
من جانبها قالت ضابطة الصحة إيمان محمد أحمد، وتعمل بوزارة الصحة في ولاية نهر النيل، لـ«أتَـر»، إنّ الوزارة تتبنّى أساليب متنوّعة للوصول إلى المواطنين في المناطق الموبوءة لتوعيتهم بمخاطر المرض، كما تُجري زيارات منزلية، وتعمل على نشر محتوى توعوي عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتتعاون مع الأئمة ورجال الدين في المساجد وقيادات المجتمع والمؤثرين، إضافةً إلى استخدام المسرح التوعوي لتبسيط الرسائل الصحية. وأوضحت أنّ فرق الصحة تعمل على تدريب معزِّزين صحيين يجرون زيارات ميدانية لتفتيش المنازل، خاصة أماكن تخزين المياه كالبراميل والأزيار والمكيّفات التي تُعد بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للأمراض. وأكّدت أنّ التوعية تركّز على الوقاية من خلال التخلص من المياه الراكدة وتغطية أواني المياه، مُشيرةً إلى أنّ القضاء على ڨيروس حمّى الضنك لا يكتمل إلا بتكاتف المجتمع.
ملحق
نظرة بيئية إلى منطقة كبوشية: رطوبة التربة والغطاء النباتي يشكلان ظروفاً حرجة
ساري نُقد
إنّ القراءة المركّبة للعوامل البيئية بمدينة كبوشية بولاية نهر النيل تشير إلى أنّ تفشي حمى الضنك خلال صيف 2026 ربما لم يكن مرتبطاً بارتفاع درجات الحرارة فحسب، وإنما أسهم فيه تفاعل معقّد بين ميكانيكية نهر النيل ودورته السنوية من جهة، والري التقليدي وما يصاحبه من تغّيرات في الرطوبة الزراعية من جهةٍ أخرى. لذا كان لا بدّ من محاولة استقصاء الأبعاد الظرفية للعوامل البيئية في المنطقة، عبر تحليل السلسلة الزمنية من صور القمرين الصناعيين Sentinel-2 وSentinel-3، خلال المدة من يونيو 2025 إلى مايو 2026، باستخدام مؤشرات رطوبة التربةNDMI والغطاء النباتي NDVI، وتحليلهما طيفياً.
إنّ منطقة كبوشية وولاية نهر النيل ككلّ، تمرّ بدورة هيدرولوجية تبدأ مع ارتفاع مناسيب النيل وبداية الأمطار في يوليو، ثم تبلغ ذروتها خلال شهر أكتوبر قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى رطوبة أرضية وزراعية ممتدّة حتى بعد انحسار الفيضان.
في يونيو ويوليو 2025، كشفت المؤشّرات الطيفية عن بداية تراكم نسبي للرطوبة داخل التربة والسهول الفيضية وما يتفرّع عنها من جداول زراعية. أما في أكتوبر 2025 فقد أبانت صور القمر الصناعي Sentinel-3 ارتفاعاً ملحوظاً في التشبّع المائي وتوسّع البيئات الرطبة قرب مجرى النيل. ورغم أنّ هذه الظروف تبدو ظاهرياً مُلائمة لانتشار حمى الضنك، فإنّ الطبيعة الفسيولوجية لبعوضة الزاعجة المصرية «البعوضة المسبّبة لحمّى الضنك» تجعلها تُفضّل البيئات المائية الصغيرة والدافئة والراكدة أكثر من الفيضانات المفتوحة أو المجاري المُتدفّقة، إذ إنّ التدفق القوي للمياه قد يؤدي إلى غسل البيوض واليرقات وتقليل فرص نموّها.
وبمتابعة التسلسل الزمني للظروف البيئية، ظهر التحوّل البيئي الأهم خلال شهر فبراير الماضي، وهو الذي يُمثّل المرحلة الانتقالية بين انحسار الفيضان وبداية الموسم الجاف. وكشفت البصمة الطيفية للقمر الصناعي Sentinel-3 وجود رطوبة واضحة داخل التربة والغطاء الزراعي رغم انخفاض مناسيب النيل، وهي رطوبة مُختزَنة ناتجة عن الفيضان السابق واستمرار الري التقليدي. وفي هذه الفترة تبدأ التجمّعات المائية الكبرى بالانحسار، بينما تبقى الجيوب الرطبة الصغيرة والقنوات الزراعية مًستقرّة داخل البيئة الزراعية.
التغير الشهري لرطوبة التربة في كبوشية قبل تفشي حمى الضنك 2025 - 2026
يوضح الرسم أنّ الرطوبة السطحية في كبوشية لم تختفِ بعد موسم الفيضان وإنما عادت للارتفاع تدريجياً داخل البيئة الزراعية خلال فبراير ومارس 2026، وهي الفترة التي سبقت تفشّي حمى الضنك. وتُشير البيانات إلى أنّ نُظم الري التقليدية والرطوبة المتبقية في التربة ربما وفرت بيئات موضعية مناسبة لتكاثر بعوض الزاعجة المصرية رغم دخول المنطقة في الموسم الجاف. المصدر القمر الصناعي Sentinel-3.
تُعدّ هذه ظروفاً حرجة من المنظور الوبائي، إذ إنّ بعوض الضنك يتكاثر على نحو أفضل في البيئات الدافئة ذات المياه الراكدة والمحدودة. كما أنّ ارتفاع درجات الحرارة خلال شهري مارس وأبريل يعمل على تسريع دورة حياة البعوضة من البيضة إلى الحشرة الكاملة ما يزيد من نشاط ڨيروس الضنك داخل أجسامها، ما يقود إلى زيادة احتمالات انتقال العدوى محليّاً. لذلك يُمكن النظر إلى شهر فبراير بوصفه نقطة التحول البيئي التي سبقت توسّع المرض خلال صيف 2026.
كذلك أظهرت البصمة الطيفية لمنطقة كبوشية التي التُقطت خلال فترة تفشّي المرض (مارس وأبريل) 2026، استمرار وجود الرطوبة داخل التربة والمناطق الزراعية، وذلك رغم دخول المنطقة في ذروة الموسم الجاف. ويعود ذلك إلى الاعتماد على الجداول الترابية المفتوحة في الري والتي تتسبَّبُ في فقدان المياه وتكوين برك صغيرة ومياه راكدة حول الحقول والمناطق المُنخفضة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وضعف التصريف.
وتُشير مؤشرات رطوبة والغطاء النباتي إلى أنّ المنطقة لم تدخل حالة جفاف حقيقي خلال فترة التفشي، إنما ظلّت مُحتفظةً ببؤر رطبة موضعية قرب الحقول والمساكن. ومع ارتفاع الحرارة خلال الفترة من مارس إلى مايو، أصبحت هذه البيئات أكثر مُلاءمة لتكاثر البعوض وتسريع دورة انتقال ڨيروس الضنك.
لذا فإنّ نتائج التحليل تُرجِّح أنّ تفشي الضنك في كبوشية لم يكن بسبب الفيضان، وإنما بسبب تداعيات فترة ما بعد الفيضان حين تحوّلت الرطوبة الواسعة إلى بيئات مائية صغيرة ومستقرة داخل المناطق الزراعية. كذلك فإنّ القراءات تشير إلى أنّ نظم الري التقليدية في البيئات النيلية شبه الجافة قد تتحوّل تحت تأثير الحرارة والتغيرات المناخية إلى عامل بيئي يُسهم على نحو غير مباشر في تشكيل بؤر لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض.
تكشف المقارنة الطيفية بين أكتوبر 2025 ومارس 2026 أنّ البيئة الرطبة في كبوشية لم تختفِ بانحسار الفيضان وإنما تحوّلت من رطوبة فيضانية واسعة إلى رطوبة زراعية موضعية أكثر استقراراً داخل الحقول والقنوات الترابية.
تبيّن مؤشرات الرطوبة مشهداً بيئياً مثيراً للحيرة في منطقة كبوشية، فبعد أن انخفضت الرطوبة بوضوح في ديسمبر 2025 في أعقاب انحسار الفيضان، عادت المؤشرات للارتفاع من جديد خلال مارس 2026 وذلك رغم غياب الأمطار وتراجع مناسيب النيل. وتُشير عودة الرطوبة هذه إلى أنّ مصدر المياه لم يكن مرتبطاً بالفيضان الموسمي، إنما كان بسبب النشاط الزراعي والري التقليدي الذي حافظ على وجود بيئات رطبة محلية داخل الحقول والقنوات الزراعية خلال ذروة موسم الجفاف.
وتبدو هذه المرحلة أكثر ملاءمة وبائياً لبعوضة الزاعجة المصرية التي تفضّل المياه الصغيرة الراكدة والدافئة على الفيضانات المفتوحة والمجاري المتدفقة.
وتشير بيانات الاستشعار الحراري إلى أنّ كبوشية لم تدخل مرحلة برودة حقيقية قبل تفشّي الضنك، لكنها حافظت على بيئة حرارية دافئة حتى خلال الموسم الجاف. ومع بقاء الرطوبة الزراعية الناتجة عن الري التقليدي تحوّلت الحرارة المرتفعة إلى عامل محفز لتكاثر بعوضة الزاعجة المصرية التي تنشط حيوياً على نحو أشدّ في البيئات الدافئة والرطبة محدودة المياه.
التغير الشهري لحرارة سطح التربة في كبوشية
يوضح الرسم أنّ درجات حرارة سطح التربة في كبوشية ظلّت مرتفعة خلال معظم أشهر العام، مع انخفاض مؤقت أثناء ذروة موسم الأمطار في أغسطس 2025، قبل أن تعود للاستقرار الحراري خلال الشتاء وبداية ربيع 2026. وتشير البيانات إلى أنّ الفترة التي سبقت تفشّي حمى الضنك تميّزت بحرارة دافئة مستقرة تزامنت مع استمرار الرطوبة الزراعية والري التقليدي، وهي ظروف تُعدّ ملائمة فسيولوجياً لتكاثر بعوضة الزاعجة المصرية وتسريع دورة انتقال فيروس الضنك. المصدر: القمر الصناعيSentinel-3 .


