اليوم يقف البنك الزراعي السوداني، الذي أُسِّس في 1959، أمام مفترق طُرق وهو يواجه آمالاً عراضاً يعلّقها عليه المزارعون في القطاعين المرْوي والمطري: لقد كان بمثابة الخزانة التي يلجأون إليها في بدايات كلّ موسم زراعيِّ، وقد أعتقهم في أزمان سالفة من إسار رِبقة «تجّار الشيل» الذين أفقروا المزارعين ليغتنوا. وكان على رأس مهامه تمويل المزارعين بضمان إنتاجهم دعماً للقطاع الزراعي، لأنه أكثر القطاعات تقلُّباً، وأعظمها تعرّضاً للمخاطر التي تتخطّفه من كلّ جانب، وفي الوقت ذاته هو القطاع الذي تلجأ إليه الدولة كلما استحكمت حلقات أزماتها. وقد أدّى البنك منذ إنشائه دَوراً تنموياً أكثر منه تجارياً.
ذلك هو طريق البنك الزراعي الذي أنشئ لأجله، وأمضى فيه سنينَ عدداً.
أما حالياً فقد وجد البنك الزراعي نفسه يسلك طريقاً آخر مُكرَهاً، وهو طريق ينتهي به إلى التخلِّي عن مهامه الأساسية التي أنشئ من أجلها. وقد ظهرت ملامح هذا الطريق الذي دخله البنك أو أُدخل فيه في الموسم الماضي 2024-2025، حين أَغلقت فروعٌ منه أبوابَها أمام المزارعين، وصدَّتهم بلا تمويل حتى وإن كانوا سدَّدوا سلفاً ما عليهم من مديونيات، وأعطتهم فروعٌ أخرى، تمويلاً جزئياً.
وبينما ترتفع تكاليف الإنتاج، وتزداد المخاطر بفعل المناخ والري، وعوامل أخرى، يُواجه البنك اليوم سؤال المصير: أيبقى بنكاً يخدم أغراضه ويُحقِّق أهدافه، أم ينصرف أو يُصرَف كليةً عن مهمّته؟
توقّف التمويل والحرب سيّان
كان من المُؤمّل أن يتوفر التمويل الكامل والمُبكّر لتعويض المزارعين خسائرهم الفادحة جراء فقدهم الجرارات والآليات والعربات والعائد من خيرات الموسم السابق لكننا حصدنا الهشيم، ومُلِئنا وعوداً لم نرَ منها شيئاً.
في حديث لـ«أتَـر»، يعلّل المهندس الزراعي بولاية سنار، عثمان عبد الماجد فرج، رفض البنك الزراعي تمويل مُزارعي القطاع المطري، وإيقاف بعض صيغ التمويل في الموسم الماضي، بافتقاره إلى المال اللازم لتلبية آمال المزارعين. يعمل فرج مزارعاً بأحد المشاريع الزراعية بالولاية، وشهد كيف خرجت ولاية سنار من موسم 2024-2025 «صفر اليدين» كما يصف، بسبب الظروف الأمنية الناتجة عن سيطرة قوات الدعم السريع على معظم مناطقها حينذاك. لذا فإنّ عدم التمكّن من الزراعة في القطاعين المرْوي والمطري، أوجد نتائج كارثية رُحّلت إلى الموسم الذي تلاه 2025-2026. ووفقاً لحديث فرج لـ«أتَـر»، فإنّ الحرب وعدم التمويل سيّان، إذ إنهما ينطويان على معنى إفقار المزارع في القطاعين المطري والمرْوي.
وبينما يَشتكي مُزارعون في سنار من غياب التمويل الكامل أو شحّه للعمليات الفلاحية التي جرت، يقولون إن البنك الزراعي في معظم فروعه أوصد أبوابه أمامهم. يقول المزارع بمشاريع الزراعة الآلية بسنار، حسين محمد الأمين، إنه كان من المُؤمّل أن يتوفر التمويل الكامل والمُبكّر لتعويض المزارعين خسائرهم الفادحة جراء فقدهم الجرارات والآليات والعربات والعائد من خيرات الموسم السابق «لكننا حصدنا الهشيم، ومُلِئنا وعوداً لم نرَ منها شيئاً».
مبانٍ بلا خدمات
وفي سنار نفسها، وطبقاً لما أفاد به مزارعون «أتَـر»، فإنّ إدارة البنك بفرع الدندر أعلنت في أغسطس 2025 إيقاف التمويل بصيغة المُرابحة أو الأمر بالشراء. وكشف مصدر مسؤول من داخل البنك الزراعي، قطاع سنار، لمراسل «أتَـر» أن مخازنه في ذاك الوقت وحتى وقت كتابة التقرير، خاليةٌ من مدخلات سماد اليوريا والداب اللازمَين لمضاعفة الإنتاجية في جميع المحاصيل، بجانب عدم منح الإذن للتمويل بصيغة السَّلَم لأن الدولة لم تصدر قراراً قاطعاً بتحديد سعر تركيزي. وردَّ المصدر قرار إدارة البنك، بإيقاف التمويل، لأسباب فنية اقتصادية تتعلَّق بعدم كفاية موارده المالية والتعثُّر الكبير من العملاء، قائلاً إنّ هذا الوضع قاد إدارة البنك لقَصْر التمويل على أصحاب الرهونات من العملاء وعدم تمويل صغار المزارعين.
![]()
بَيع السَّلَم هو استعجال رأس المال وتقديمه وهو بيع آجل بعاجل، وهو صيغة تمويل تتّبع معايير الشريعة الإسلامية التي ترى في نظام التمويل بالفوائد تعاملاً ربويّاً. وعبر هذه الصيغة يموّل البنك الزراعي المزارعين في القطاعين المطري والمروي، فيسلّم المُزارع أموالاً سائلة أو مواد عينية تساعده في تمويل زراعته، مقابل التزام بإرجاع قيمة التمويل بعد الحصاد من المحصول، عبر سعر تركيزي معيّن تحدّده إدارة البنك أو الحكومة. ويهدف البنك عبر نظام السَّلَم، إلى تسليف المزارعين أموالاً أو مدخلات إنتاج لتأسيس محاصيلهم، بتحضير الأرض وتوفير التقاوى والوقود والأسمدة، وإعطاء أموال لمقابلة نفقات العمالة اليدوية، ومن ثمّ تمويل عمليات الحصاد، مقابل الالتزام بتسليم المحصول أو جزء منه للبنك بالسعر المقر في بداية الموسم أو في نهايته، حسب الاتفاق الأوّلي، وهو سعر مرن يُراعي التضخم وتكاليف الإنتاج، مع ضمان أرباح البنك.
ونتيجةً لذلك، أضحى عملاء البنك من المزارعين ضحية لذلك القرار، على الرغم من توفيرهم جميع مطلوبات التمويل ومُوافقة الفروع على التمويل، في توقيتٍ يصفه المزارع حسين محمد الأمين، بأنه «قاتل» لأنهم كانوا قد أنجزوا التحضيرات والزراعة للمحاصيل المُستَهدفة وأصبحوا على أعتاب الكَديب والنظافة والسماد والوقاية من الآفات ومن ثم الحصاد.
ويقول الحافظ جلال الدين المزارع بسنجة لـ«أتَــر»، إن المزارعين، كبارهم وصغارهم، أصبحوا بين مطرقة الحاجة المُلحَّة إلى التمويل وسندان الجوكية والسمسارة، ويُتوقَّع أن لا يدخل المزارعون تجارب زراعة جديدة اعتماداً على تمويل البنك في المواسم القادمة.
الوقت من ذهب
الحكاية بسيطة. إن كنتُ مزارعاً صغيراً، فسأحتاج إلى التمويل في شهرَي 5 و6 لكي أُحضّر الأرض، أشتري التقاوي، وأجهز الجاز. وإنْ تأخَّر التمويل إلى شهر أغسطس، أجدني مضطراً للاستدانة من تجار الشيل بأسعار قاسية، ووقتها يكون تمويل البنك قد فقد قيمته بالنسبة إليّ.
«القروش قبل المطر» والتوقيت «هو كل شيء»، يقول المزارع بالقضارف شرقي السودان جعفر عوض الجيد، ويخبر «أتَـر» بأنّ أكبر «وجع» للمُزارع في القضارف هو أنّ التمويل يأتي «بعد ما الفاس تقع في الراس». ويضيف: «الحكاية بسيطة. إن كنتُ مزارعاً صغيراً، فسأحتاج إلى التمويل في شهرَي 5 و6 لكي أُحضّر الأرض، أشتري التقاوي، وأجهز الجاز. وإنْ تأخَّر التمويل إلى شهر أغسطس، أجدني مضطراً للاستدانة من تجار الشيل بأسعار قاسية، ووقتها يكون تمويل البنك قد فقد قيمته بالنسبة إليّ». هذا عن تجربته في المواسم الماضية، لكنه يعلّق أملاً على الموسم القادم: «طلبي الأول أن تكون للبنك نافذة تمويل سريعة تفتح قبل أول مطرة، وعقد سلَم يُنصفني ولا يكسر ظهري، إذ إنّ عقود السلم الحالية في الغالب تُحدِّد سعر المحصول، ذرةً كان أم سمسماً، بسعر اللحظة، ومع التضخّم وقت الحصاد أجد السعر في السوق قد تضاعف، وأنا مُلزمٌ بتسليم محصولي إلى البنك بسعر زهيد لا يُناسب التكلفة»، ويزيد: «لهذا يهمّني أن أحصل على سعر سلم مَرِن»، وهو بالنسبة له: «أن نتفق مع البنك على حدٍّ أدنى للسعر، ولو زاد السعر وقت الحصاد، يأخذ البنك نصيبه، وأجني أنا ربحاً معقولاً يُمكّنني من الزراعة السنة المقبلة».
الفاتح يوسف الحاج، الذي يقول عن نفسه إنه مزارع صغير في القضارف، يؤكّد أن وقته من «ذهب»، كما يصفه، ويقول لـ«أتَـر»: «ما عندنا حيل لجرجرة المكاتب والضمانات التعجيزية. أحلم ببنك زراعي يتعامل بالتلفون، أقدّم طلبي، وتجي المعاينة في المشروع، وينزل إليّ التمويل في تطبيق ابني البنكي على الهاتف، لشراء الجاز والتقاوي وأنا في مكاني».
بنك تنموي أم تجاري؟
المهندس الزراعي والمزارع، مصعب محمد الهادي «التكينة»، يلفت النظر إلى أنّ البنك الزراعي ليس محض بنك تجاري عادي، إنما يُمثل ذراع تمويل زراعية للدولة، وأنّ وزارة المالية الاتحادية هي الجهة الضامنة والمُغذّية لرأسماله، وأنّ أي تمويل واسع للزراعة لا بدّ له أن يمرَّ عبر ضخِّ اعتمادات من وزارة المالية إلى البنك، مُنوِّهاً إلى أن البنك الزراعي قد التزم مع وزارة المالية في الفترات السابقة، ونفّذ المطلوب وقدّم التمويل، واستردَّ أو تحمَّل الخسارة حسب الاتفاق. بَيد أن التكينة يرى أن وزارة المالية في كثيرٍ من الأحيان لم تضخّ موارد كافية للبنك الزراعي. وأنها في الغالب ظلَّت تتعامل مع التمويل الزراعي بما سمّاه «بيروقراطية»، ويشير إلى أن وزارة المالية كانت ترى في الزراعة نشاطاً اقتصادياً ذا «مخاطر عالية»، وأنها تعطّل خطط الوزارة النقدية، معتبراً ذلك بمثابة واحد من الأسباب الأساسية التي أدّت لأن تنهج الوزارة سياسة المماطلة في منح الاعتمادات المالية للبنك، قاطعاً بأن ذلك خطأ استراتيجي، خاصة أن قطاع الزراعة في السودان، يجب أن يكون أولوية اقتصادية.
وتتفق مع التكينة، الموظفة والنقابية السابقة بالبنك، آمال الربيع، وتشدّد على أهمية البنك الزراعي، باعتباره أكبر داعم للقطاع الزراعي طوال تاريخه، لذا فإنه أكبر مؤسسة يمكن أن تكون داعمة للاقتصاد السوداني من خلال التمويل الزراعي والإنتاجي والتمويل الأصغر بضمانات تُراعي خصوصية كلّ منطقة نسبة لانتشاره الجغرافي الكبير في أنحاء السودان. ونوّهت إلى أنه أول بنك وطني، إذ صدر قانونه في العام 1957 قبل إصدار قانون البنك المركزي.
وتقول آمال إنّ «التمويل الزراعي في السودان يُعَدُّ من أنواع التمويل ذي المخاطر العالية، لذا تُحْجم معظم المصارف أو تُقلِّلُ من تمويلها للزراعة في مراحلها الأولى، لكن يمكن أن تدخل في مرحلة المُتاجرة في المحاصيل والمُنتجات»، مشيرةً إلى أهمية البنك الزراعي في القيام بدَوره المنوط في الاقتصاد السوداني، شريطة أن يجري دعمه برأسمال حقيقي وتقييم دوره بجدية.
أين تكمن الأزمة؟
وبحسب التكينة، فإنّ مكمن الأزمة يرجع إلى غياب التفاهمات بين شركاء الإنتاج: الحكومة (وزارة المالية)، والبنك الزراعي، وإدارة مشروع الجزيرة، والمزارعون، والقطاع الخاص. وليس هنالك جسم تنسيقي يوحّد الرؤية. ويقطع بأنّ نتيجة ذلك ستكون تمويلاً بطيئاً، ومساحات لا تُزرع، وإنتاجية أقل، ولجوء المزارع إلى جهات تمويل عالية الفائدة.
ويرى التكينة أنّ المطلوب للخروج من الأزمة الحالية هو إلزام المالية بضخِّ اعتمادات للبنك الزراعي قبل الموسم الشتوي، لأنّ أيَّ تأخير يَعني فقدان فرص الإنتاج، مُشدِّداً على ضرورة التنسيق بين المالية والبنوك وممثلين للمزارعين وشركات تمويل. ويقترح التكينة ربط التمويل بالتسويق، لتفادي إجراءات مثل لجوء إدارة مشروع الجزيرة لرهن الأصول.
ويستشهد بتجارب دول عديدة: «في معظم الدول الزراعية، لا يعمل البنك الزراعي وحده. هناك صناديق ضمان مخاطر زراعية، وصناديق استقرار أسعار. ونحن محتاجون إلى جسم يضمن للبنك أنّ أي خسائر كبيرة (مناخ، آفات، حرب) تتحمّلها الدولة جزئياً، لكي لا يوقف البنك التمويل أو يتشدَّد».
القيود المفروضة على السيولة، وتحديد سقوف التمويل، وعدم توفير نوافذ تمويلية تفضيلية (بأرباح مخفضة أو صفرية) للبنك الزراعي، قيّدت يدي البنك، فضلاً عن غياب أو ضعف سياسات التأمين الزراعي الشامل الذي يحمي البنك والمُزارع معاً في حالات القوة القاهرة
متحدّثاً لـ«أتَـر»، يقول فهمي ناصر، موظف معاشي عمل في البنك الزراعي ومن بعد ذلك في إحدى شركات التأمين الزراعي، إنّ الأزمة الحالية بالبنك ليست وليدة الصدفة، إنما هي نتيجة تضافر قاتل بين عوامل ذاتية وهيكلية وإدارية تتعلّق بالبنك نفسه، وعوامل موضوعية، سيادية واقتصادية، تتعلق بنظرة الدولة ووزارة المالية وبنك السودان المركزي إلى القطاع، والتي جاءت الحرب لتكشف عوراتها بالكامل، وقال إنّ البنك الزراعي لم يكن يوماً جزيرة معزولة، إنما أداة تنفيذية تعكس إرادة الدولة، وهي إرادة وصفها بأنها كانت غائبة أو مشوّهة، وشدَّد على أنّ المالية هي الجهة السيادية المنوط بها إعادة رَسْمَلة البنك وضخّ أموال في شرايينه لتكون ذراعاً تنموية، لكنها تخلَّت عن هذا الدّور، وتركت البنك يواجه السوق وحيداً مثل مصرف تجاري يسعى إلى الربح لتغطية نفقاته.
وأشار إلى أنّ البنك المركزي يتعامل مع التمويل الزراعي بأدوات نقدية صلبة لا تُراعي حساسية القطاع، «فالقيود المفروضة على السيولة، وتحديد سقوف التمويل، وعدم توفير نوافذ تمويلية تفضيلية (بأرباح مخفضة أو صفرية) للبنك الزراعي، غلّت يديه، فضلاً عن غياب أو ضعف سياسات التأمين الزراعي الشامل الذي يحمي البنك والمُزارع معاً في حالات القوة القاهرة».
وقال إنّ ضعف البنك الزراعي هو انعكاس لأزمة دولة، لا تضع الزراعة في قائمة أولوياتها الاستراتيجية الحقيقية إلا في خطابات السياسيين: «وكانت الحرب هي القشّة التي قصمت ظهر بعيرٍ مُثقل أصلاً بالقصور الهيكلي والتهميش السيادي. لذلك اضطر البنك الزراعي إلى العمل بعقلية التاجر بينما يحتاج القطاع إلى عقلية المطوّر التنموي».
بنك قبل الحرب وآخر بعدها؟
تقول النقابية السابقة بنقابة العاملين بالبنك الزراعي آمال الربيع، إنّ تأثير الحرب كان «مدمراً» وكبيراً على البنك، إذ إن إخفاق المزارعين في سداد ديونهم بسبب الحرب والنزوح وفقدان المحاصيل، حرمه من 100 مليار جنيه في سنة الحرب الأولى، بجانب سرقة أو تدمير أو تخريب مدخلات إنتاج تقدر بـ 70 مليار جنيه، كانت معدّة لتمويل المزارعين. وانتقدت الربيع في حديثها لـ«أتَـر»، تحميل هذا العبء الثقيل للبنك الزراعي وحده، وقالت: «بنك السودان المركزي ووزارة المالية، حمّلاً البنك مسؤولية ذلك، واعتبراه جزءاً من رأسماله. وبدلاً من دعمه برأسمال حقيقي وليس ورقياً، لرفع رأسماله الضعيف، بالنظر إلى التمويل الضخم الذي يقدّمه، جرى تحميله الخسائر الناتجة عن حرب لم يكن مسؤولاً عنها». وأضافت: «كان يجب أن تتحمَّل المسؤولية محفظة التمويل القائمة من عدد مصارف التزمت بدعم البنك، أو وزارة المالية الضامنة لمخاطر التمويل».
وتكشف الربيع عن أن البنك، قبل قيام الحرب بسنة، كان يُحقِّق الأرباح، لكن بعد الحرب جرى تصنيفه بنكاً خاسراً، وتقطع بأنه ليس كذلك، إذ لا يمكن تحميله خسائر الحرب. وتُحمّل آمال الربيع، جزءاً من المسؤولية، لمن سمّتهم «سياسيين» يحاولون إثناء البنك عن أداء دَوره الذي كفله له قانونه، وذلك بإبعاده من استيراد مدخلات الإنتاج والآليات الزراعية، ومنعه من شراء الحبوب الغذائية للمخزون الاستراتيجي، والاستيلاء على ما اشتراه والتصرّف فيه بما لا يعود بالنفع عليه.
وتكشف الربيع عن تعيين الحكومة في الفترة الماضية لجاناً إدارية للبنك، حصرت عملها في إرهاب العاملين به وتهديدهم، بدلاً عن تركيز اهتمامها برفع رأس مال البنك بنحوٍ حقيقيٍّ وفاعل، والتركيز على المدخلات الزراعية بما فيها الوقود ووضع الخطط للاستعداد لكل موسم زراعي. وتحمّل الإدارة الحالية مسؤولية عدم القيام بتأهيل وإعادة افتتاح الفروع التي دُمّرت وخُرّبت ونُهبت في الحرب وكشفت عن إحصائياتٍ تفيد بأنّ 60% من فروع البنك لم تعاود نشاطها.
وينوّه الخبير الاقتصادي، فهمي ناصر، إلى أنّ البنك الزراعي، حتى قبل اندلاع الحرب، كان يعاني من أمراض هيكلية أعاقت قدرته على أداء دَوره التنموي، وتحوَّل تدريجياً إلى مؤسسة بيروقراطية، وقال إنّ البنك لم يواكب التضخّم المستمرّ، لكون قاعدة رأس ماله ظلَّت ضعيفة جداً مُقارنةً بحجم القطاع الزراعي المطري والمرْوي الذي يُفترض أن يغطيه، ما جعله يعتمد على ودائع مكلفة أو استدانات قصيرة الأجل.
وأشار ناصر إلى أنّ دورة اتخاذ القرار داخل البنك تتّسم بالبطء الشديد، وأضاف: «في الزراعة، التوقيت هو المعيار الحاسم، إذ يجب إنجاز مراحل التحضير والزراعة والكديب والحصاد في مواقيتها، وتأخّر البنك المتكرّر في توفير التمويل المادي أو العيني عن المواقيت الحرجة للزراعة يُفقد التمويل جدواه، ويحوّل المزارع إلى خاسر».
ويلفت الانتباه إلى أنّ استمرار البنك في تبنّي سياسات تجارية صارمة في الضمانات، مثل الرهن العقاري، والأصول الثابتة، التي لا تتناسب مع طبيعة المُزارع العادي، قد أخْرَجَ شريحة واسعة من صغار ومتوسّطي المزارعين من مظلة التمويل، أو أودى بهم إلى السجون عند تعثر المواسم بسبب تقلبات المناخ. وأشار أيضاً إلى أنّ غياب التحول الرقمي الفعّال ونقص قواعد البيانات الدقيقة للمزارعين والمساحات الحقيقية، يفتح الباب لسوء الإدارة وتوزيع التمويل أحياناً لغير مستحقيه الفعليين.
يقول مصدر مطلع من داخل رئاسة البنك بالخرطوم، إن البنك الزراعي قبل الحرب كان يستحوذ على النسبة الكبرى من التمويل المصرفي للقطاع الزراعي في البلاد. وكشف في حديثه لـ«أتر» عن أن حصة البنك قد بلغت 63.4% من إجمالي التمويل المصرفي الموجه للزراعة في السودان عام 2021، وكان قبلها قد موّل في الموسم الشتوي، مساحة 564 ألف فدان في القطاع المروي، وكان النصيب الأوفر منها للقمح باعتباره محصولاً استراتيجياً، بمساحة 511 ألف فدان، بينما ذهبت 53 ألف فدان للمحاصيل الأخرى، واستفاد من هذا التمويل حوالي 66 ألف مزارع. في 2020، يقول المصدر إنّ ولاية القضارف وحدها، تجاوزت المساحات المموّلة من البنك في عام 2021 حاجز المليوني فدان، لكنها انهارت في عام 2022 لتصل إلى نحو 490 ألف فدان فقط، وانخفض عدد المزارعين المموّلين هناك من حوالي 3936 إلى 605 مزارعين.
ويكشف المصدر عن أن الانخفاض في حجم المساحات المموّلة في بعض السنوات لا يعني بالضرورة انخفاض حجم التمويل المصروف، إنما يعكس التضخم والارتفاع الكبير في تكلفة مدخلات الإنتاج، ونوّه إلى أنّ تعثر شريحة واسعة من المزارعين بسبب الآفات والتغيرات المناخية أو ضعف الأسعار، أثّر في كثير من الأحيان على قدرة البنك على استرداد أمواله ومن ثمّ تقلصت المساحات الممولة في المواسم التي تليها.
يتوقع أستاذ الاقتصاد والتمويل عبد الحليم سليمان رشوان، أن يكون مستقبل البنك الزراعي شديد التعقيد، ويقول في حديث لـ«أتَـر»: «مع تآكل رأس مال البنك الزراعي، بفعل التضخم المفرط وانهيار قيمة الجنيه الموثق، فإنه لن يستطيع التعافي أو أداء دَوره التمويلي دون تدخلات سيادية وهيكلية جذرية». ويرهن تعافيه بإعادة رسملته بضخّ أموال ضخمة، قال إنها ربما تحتاج إلى تمويل خارجي، إضافة إلى إسقاط الديون عن المزارعين أو جدولتها، تقديراً لحالة القوة القاهرة التي أوجدها استمرار الحرب، بجانب إصلاح سياسات التمويل لتشمل التأمين الزراعي الشامل ضد مخاطر النزاعات.


