أتر

دفتر أحوال السودان 124: من فوجا وجزيرة بدين

فوجا تستغيث: الكوليرا تخرج عن السيطرة في غرب كردفان

مراسل أتر

تفشَّتْ في الآونة الأخيرة الإصابات بمرض الكوليرا في ولاية غرب كردفان، مُسجِّلة معدلات عالية، وأصبح الآلاف من سكان الولاية تحت التهديد المُباشر للمرض، في ظلِّ غياب أبسط مقومات العلاج.

ورصَدَتْ غرفة طوارئ دار حمر، في آخر تحديث لها، ارتفاع حالات الوفيات إلى 69 حالة وفاة، والإصابات إلى 92 إصابة، بينما سُجِّلت أول حالة إصابة بالكوليرا، في منجم الرقيق للتعدين الأهلي، بمنطقة فوجا. وكانت الغرفة في بيان سابق، أعلنت خروج الوضع الصحي عن السيطرة في فوجا والقرى المحيطة بها، بسبب التفشي المُتسارع للكوليرا، وانعدام المحاليل الوريدية والأدوية والمُضادَّات الحيوية الأساسية، وأدوات التعقيم والإصحاح البيئي؛ بينما كشفت مصادر محلية، تحدثت لمراسل «أتر»، عن اتساع رقعة انتشار المرض خلال اليومَيْن الماضيَيْن، إذ وصلت إلى مناطق جديدة في غرب مدينة النهود وشرقها.

وعقدت وزارة الصحة التابعة لـ«تحالف السودان التأسيسي» (تأسيس)، الخميس 14 مايو مؤتمراً صحافياً، أقر خلاله وزير صحتها بتسجيل حالات إسهالات مائية بمحلية النهود وإدارية فوجا، بينها حالتا وفاة، مشيراً إلى أنهم بصدد استكمال الفحوصات اللازمة، للتأكد من طبيعة الإصابات ومدى ارتباطها بالكوليرا. وذكر أن الفرق الطبية باشرت تنفيذ إجراءات العزل والعلاج ومتابعة المخالطين، وأعلن عن وصول لقاحات إلى غرب كردفان من جنوب كردفان، تمهيداً لانطلاق حملة تطعيم خلال الأيام المقبلة.

وبسيطرة قوات الدعم السريع، على مدينة بابنوسة آخر معاقل الجيش في ولاية غرب كردفان منذ ديسمبر 2025، غدت الولاية من حينها بالكامل تحت قبضتها، وطال التدهور الأوضاع الصحية بها، إذ أخبرت مصادر محلية مراسل «أتر»، عن تفشٍّ مُتزايد وغير مسبوق لوباء الكوليرا، في عدد من محليات الولاية، منها النهود وود بندة وأبو زبد والخوي.

ووفقاً لمواطنين من منطقة فوجا، تحدثوا لمراسل «أتر»، تُوفّي الأحد الماضي، الشاب مدثر إبراهيم محمد إبراهيم، جراء إصابته بالكوليرا، وبينما كانت أسرته تتلقَّى العزاء فيه، ورد إليهم نبأ وفاة محمد إبراهيم حامد من نفس العائلة، بمدينة غبيش الواقعة على بعد 130 كيلومتراً غربي النهود، بسبب الكوليرا أيضاً.

وأكد مصدر طبي، يعمل بأحد المراكز الصحية شمال غربي مدينة النهود، فضل حجب اسمه، لمُراسل «أتر»، خطورة الأوضاع ليس في فوجا وحسب، بل في عدد من المناطق شمال وغرب مدينة النهود، بسبب مرض الكوليرا، مُشيراً إلى شح الأدوية لا سيما المحاليل الوريدية، التي بات يتراوح سعر المحلول منها ما بين 15 و20 ألف جنيه سوداني.

وكشف المصدر، عن انتشار أنواع أخرى من الأمراض، التي لا تقل في خطورتها عن الكوليرا، وتعتمد في علاجها بالأساس على المحاليل الوريدية أيضاً، مثل اليرقان المتفشي في مناطق غرب النهود، بجانب الحصبة.

ويعمل مستشفى النهود التعليمي «البشير»، وهو الوحيد الذي يعمل بالمدينة، في ظل نقص حاد في الكوادر الطبية والأدوية والمعدات، إثر إغلاق عدد من المراكز الصحية والمستشفيات الخاصة. وقد تحدث مراسل «أتر»، لعدد من السكان الذين قدموا إلى المدينة من منطقة فوجا، ذكروا أنهم هربوا من الأوضاع الوبائية هناك، إذ لقي العشرات حتفهم بسبب الكوليرا، كما أن وتيرة الوفيات باتت مُتسارعة على نحوٍ ملحوظ، وسط انعدام كامل للمحاليل الوريدية وملح التروية.

ويعود التفشِّي الأول لمرض الكوليرا، في منطقة فوجا بولاية غرب كردفان، والواقعة على بعد 163 كيلومتراً شمال غربي مدينة النهود، إلى مطلع العام 2025، بحسب عدد من المصادر المحلية، التي أكدت ظهور أعراض متمثلة في الإسهال الحاد والقيء والجفاف على عدد من السكان حينها، ثم تراجع المرض قبل أن يعود أشد ضراوة، في ظروف معيشية صعبة وتدهور مريع في الأوضاع الصحية بالولاية.

وفي أغسطس من العام الماضي، كشف المجلس الأعلى لشؤون دار حمر، عن وفاة 80 شخصاً في مدينة أبو زبد بسبب الكوليرا، و40 شخصاً كذلك في مدينة النهود خلال يوم واحد، بجانب إصابة المئات، كما أشار المجلس إلى شُحِّ الأدوية المُنقذة للحياة، وتسرُّب ما توفَّر منها إلى الأسواق، وأن ما فاقم من انتشار الوباء على نطاق واسع، هو هطول الأمطار الموسمية التي أدت إلى تلوث البيئة.

وتُعَدُّ منطقة فوجا، التي تُجاورها عدة قرى ومناطق، ذات أهمية زراعية وتجارية، إضافة إلى كونها جاذبة للتنقيب الأهلي عن الذهب، ويعتبر سوقها من الأسواق المعروفة بالمنطقة ويفد إليه الناس من مناطق وقرى كثيرة، ويربطها بمدينة النهود طريق بري، ولها أهمية استراتيجية لارتباطها بالعاصمة الخرطوم عبر «طريق الأربعين».

جزيرة بدين بالولاية الشمالية: بنطون مُصادَرٌ بأمر السلطات والسكّان يعتصمون مطالبين باستعادته

مراسل أتر

في مطلع مايو الجاري، احتج سكان من جزيرة بدين بالولاية الشمالية، مُطالبين بإرجاع حقهم في الإشراف على «بنطون»، كان يعمل في نقل السكان والبضائع والمحاصيل من الجزيرة وإليها، امتلكوه من مالهم الخاص في عام 2005، وصادرته السلطات المحلية في يناير 2024، بحسب ما أفاد سكان الجزيرة مراسل «أتر»، ونظموا وقفات احتجاجية، سبقتها مُخاطبات واجتماعات مع الجهات المسؤولة، بيد أن جميع هذه الجهود باءت بالفشل، ما دفعهم للاعتصام في المرسى المخصص للبنطون على ضفَّةِ الجزيرة.

وقال سكان من الجزيرة لمراسل «أتر» إن المحلية صادرت البنطون لصالحها، مقابل إعطاء نسبة منها لهم لتسيير الخدمات، خاصة أن جميع البنطونات في المحلية تتبع لها. لكن حجة أهل الجزيرة أن البنطون من حُر مالهم واشتروه في 2005 وطوال هذه المدة يعمل لصالح الجزيرة برسوم نسبية، لكن بعد الحرب زاد سكان الجزيرة بالنازحين إليها من الخرطوم، وزادت أهمية البنطون، ما فتح شهية المحلية له، بحسب ما أفادوا.

يشرح أحد السكان، لمراسل «أتر» خلفية البنطون التاريخية قائلاً: «ظلّ بنطون جزيرة بدين يمثل شريان الحياة لأهالي المنطقة، منذ بدء عمله بين كرمة وجزيرة بدين في أواخر ستينيات القرن الماضي، إذ أُدير منذ بداياته بروح أهلية جسّدت قيم التعاون والتكافل التي اشتهرت بها المنطقة. وعندما تعطل البنطون القديم بعد سنوات طويلة من الخدمة، بادر اتحاد أبناء الجزيرة في عام 2005 بإطلاق حملة تبرعات وسط أبناء المنطقة في الخرطوم، وتمكن من توفير تكلفة بنطون جديد بالكامل ونقله إلى الجزيرة ليواصل خدمة المواطنين».

ويضيف المواطن، أن عملية إدارة البنطون لاحقاً، شهدت تدخلاً من السلطات المحلية، رغم أنه أُسَّسَ بجهد أهل الجزيرة وأموالهم، وتفاقمت الأزمة منذ 2023 بعد فرض عطاء استثماري ترتبت عليه زيادة كبيرة في ثمن تعرفة البنطون، ما أثقل كاهل المواطنين وضاعف معاناتهم.

وأسهم رفض المدير التنفيذي لمحلية البرقيق، مقابلة اللجنة الممثلة للسكان، في تعميق أزمة البنطون، إضافة إلى تغيُّبه عن اجتماعات مُتَّفق عليها، بحسب مصادر في اللجنة لمراسل «اتر»، مؤكدةً إصرار المدير على المضي في تنفيذ العطاء الجديد وزيادة التعرفة، متجاهلاً مطالب الأهالي بإعادة إدارة البنطون إلى الجهات المجتمعية بالجزيرة، حفاظاً على رسالته الخدمية وتاريخه التعاوني.

واكتظت جزيرة بدين بالنازحين الفارين من ويلات الحرب في الخرطوم، وشكلت لهم ملاذاً آمناً، وغدت الحاجة للبنطون مُلحَّة لأنها وسيلة آمنة للعبور من الجزيرة وإليها. وذكرت مصادر من اللجنة الممثلة للسكان لمراسل «أتر»، أن الخدمة بالبنطون كانت بأسعار رمزية حتى عام 2024، وقد بلغت حينها 500 جنيه سوداني، لكن المحلية بدلاً من أن تقوم بواجبها في رعاية النازحين وأهل الجزيرة وتوفير حياة كريمة لهم، عمدت إلى رفع قيمة العطاء الخاص للبنطون حتى بلغت تعرفة البنطون حوالي 20 ألف جنيه، ما حوله من خدمي إلى استثماري.

وحصر سعد قُلة، عضو لجنة سكان الجزيرة لمُراسل «أتر»، مطالب السكان في أن ترجع ملكية البنطون لهم، ووضع حدٍّ لتغوُّل المحلية على حقهم، ومطالبة والي الولاية بإصدار قرار إرجاع البنطون لهم. وقال قُلة، إن السكان يُطالبون بإلغاء العطاء الاستثماري، وإرجاع البنطون مرفقاً خدمياً، بجانب إلغاء احتكار المرسى وتوفير مرسى ثابت داخل الجزيرة، مؤكداً أن المحلية لا تمتلك مرسى على النيل داخل أو خارج الجزيرة، إنما هي أراضٍ مُسجَّلة بأسماء أهلها.

وأعلن سكّان الجزيرة، عبر لجنتهم جملة من القرارات، منها مقاطعة شاملة لسوق كرمة النزل المركزي، وعدم استخدام البنطون في العبور من الجزيرة أو إليها، واتخاذ المرسى الخاص بها مقراً لاعتصام لا يزال منعقداً، حتى نيل مطالبهم. وشدد قُلة عضو اللجنة، على استمرارهم في ما وصفه بـ«الحراك السلمي» حتى تحقيق مطالبهم.

وقطع سعد قُلة بأن اعتصامهم القائم الآن في مرسى البنطون سيظل قائماً إلى حين تحقيق المطالب، وقال إنه جاء بعد سلسلة من المطالبات والاجتماعات، وشدَّد على أن المواطنين يريدون حلاً من اثنين، إما صدور قرار بتمليكهم البنطون، أو قرار ينزعها منهم، ليمضوا في طريق شراء بنطون آخر، تعمل بأسعار رمزية كما كان في السابق.

وقال فكري صلاح، وهو تاجر في سوق كرمة النزل، بمحلية البرقيق في الولاية الشمالية لمراسل «أتر»، إن غياب التجار والمشترين من جزيرة بدين، أثر على الحركة التجارية بالسوق كثيراً، وأضاف: «غياب سكان بدين عن السوق شلَّه شلَلاً تام، فقد كانوا عن حقٍّ روح السوق». وأكد مواطنون وتجار من سوق كرمة النزل، لمراسل «أتر»، أن السوق يعتمد بنحو أساسي على الخضروات والفواكه الواردة من جزيرة بدين، إضافة إلى القوة الشرائية لمواطنيها، وهي سوق أساسي بمحلية البرقيق.

ودعت المواطنة بالجزيرة سماح سامح، للإسراع في حل أزمة البنطون، لأن توقف الناس عن استخدامه، احتجاجاً على الرسوم العالية ومطالبةً بحقهم فيه، أثر سلباً على مناحي الحياة داخل الجزيرة. وأضافت: «لا بدَّ من أن تعمل العبارة ليس للوصول إلى السوق، فالناس يذهبون إليه عبر المراكب واللَّنشات، لكن الحياة كادت تتوقف بالجزيرة، فالمباني التي تنتظر الأسمنت والسيخ، والخرصانة والرمل، وهناك أشياء أخرى يحتاج إليها الناس من خارج الجزيرة، كما أن سلع ومحاصيل المواطنين يجب الذهاب بها إلى السوق». وزادت سماح: «كل شيء له حل ولا بد من البحث عن حل».

Scroll to Top