«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.
كتب المرحوم كارل ماركس، ضمن كراسات «الغروندريسه»، في منتصف القرن التاسع عشر، بوَحْي الأزمة المالية التي أخذت بخناق الولايات المتحدة الأمريكية عام 1857، وانتقلت إلى المملكة المتحدة بسرعة «التلغراف» حديث الاختراع (1844)، أنّ رأس المال، وقد طغى على «العقل العمومي»، وجنّد ملكته ضمن قوى الإنتاج التي تُحْكِم عليها الطبقة الرأسمالية قبضتَها، يهدِّد بامتصاص قوى العمل امتصاصاً، يَجغمها بالكلية. واختار المرحوم لهذا التهديد صورةَ لوثةِ الغرام؛ السحر الذي يُبطِل الإرادة. فما هو هذا الحبّ الذي «يغيّر اتجاه الزول»؟ لا يفصح المرحوم عن هذا المعنى ظاهراً، لكنّ قوسَ التاريخ شديدُ الانحناء، فما كان غامضاً في 1857 و1858، وماركس يدوّن في كرّاساته بخطّه العصيّ على القراءة؛ قد يتكشّف جلياً بالتاريخ اللاحق، شهادةً على نفاذ سهم المرحوم في «العقل العمومي» الذي «يرتاد الثريّا». لذلك ربما حكَم الفيلسوف الإيطالي بينيديتو كروتشه (1866-1952)، أنّ «كلَّ تاريخ يستحقُّ الاسمَ هو تاريخ معاصر».
يميّز كروتشه بين التاريخ والرواية، «التاريخ رواية حية، والرواية تاريخ ميت؛ التاريخ تاريخ معاصر، الرواية تاريخ ماضٍ؛ التاريخ فاعلية للفكر، والرواية فاعلية للإرادة. وكلّ تاريخ يصبح روايةً متى انقطع عنه الفكر وانحبس كتسجيل لكلمات مجرّدة، كانت في زمانٍ ما ملموسة ومعبرة». وتساؤل كروتشه السليم ألا دافعَ لتفتيش الماضي سوى جلاء الحاضر، وعليه «لا تسدّ الواقعة من الماضي منفعةً مضت ولكن منفعةً حاضرة، ما دامت تُقابل منفعةً في الحياة القائمة». وضرَب كروتشه لذلك مثلاً بَعْث التاريخ الإغريقي والروماني في عصر النهضة الأوروبية، والتنقيب الأوروبي عن العتبات البدائية من الحضارة، وقد اندثرت، في عصر الرومانسية، ولكلّ بعثٍ دافعٌ باطنيٌّ في تناقضات الحاضر (بينيديتو كروتشه، «نظرية وتاريخ علم التأريخ»، جورج ج. هاراب وشركاؤه، لندن، 1921، ص 11-25).
يتفتّق المعنى، الذي جاء به المرحوم كارل ماركس في صورة اللوثة التي تهدّد قوى العمل بالجغم في بطن رأس المال عند الاعتبار، في تعريف جاء به كاتبٌ محسنٌ في جريدة نيويورك تايمز (عدد 24 أبريل 2026) لشهوة «الخلود» التي أخذت بأنفُس سادة الرأسمالية المعاصرة، أباطرة «الإقطاع التكنولوجي». جاء مارك أوكونور في كلمته بسيرة هؤلاء الأباطرة في البحث عن الخلود وقد أهلكوا مالاً لبَدا؛ ملايين فوق الملايين من الدولارات، في مباحث تقنية/ بيولوجية لكسر حاجز الموت، وإدراك الأبدية بظفر وناب. اشتُهِر بهذه الشهوة بيتر تيل (مواليد 1967)، صاحب الشركة المؤسّسة للخدمة المصرفية الرقمية بيي بال (PayPal) الذي نقلت عنه الصحافة في 2012 ضمن مقابلة شهيرة قوله: «في ناس كدا بقولوا ليك الموت حاجة طبيعية، جزء من الحياة، لكن بفتكر دا كلام أبعد ما يكون عن الحقيقة». هذا وكَبَّ سام ألتمان (مواليد 1985) حوالي 180 مليون دولار من ثروته الخاصة في شركةٍ للعلوم الأحيائية مسألتها صدّ الشيخوخة، وكذلك فعَل جيف بيزوس (مواليد 1964)، صاحب أمازون، الذي تشمل استثماراته مالاً غزيراً في شركة تبحث في وسائل لاستغلال الخلايا الجذعية لتعطيل الأجل.
أما برايان جونسون (مواليد 1977)، مؤسّس نظام الدفع المالي الرقمي برين تري (Braintree) فقد تحوّلت حياته، صاحي ونايم، إلى مسعىً دائبٍ للهرب من الموت حتى وِدِر، وصار يهيم، ورهطٌ من حوله، بشعر مسدل ولحية طويلة وهتَش متنوّع، هويّتهم المشتركة تي شيرت أسود مكتوب عليه بحروف بيضاء عريضة «لا تَمُت». قال جونسون إنه ومنذ العام 2021 يصرف مليونَي دولار كلّ سنة على رصد وقياس كلّ جانب من جوانب نشاطه الجسماني، أي حياته العضوية: معدّلات الدهون في دمه وسرعة تبوّله وتراكم العناصر في دماغه وشدّة وطول أمد انتصاب قضيبه في ساعات السحَر، كلّ ذلك بهدف إبطاء شيخوخته. وبلغ به الهوَس بمادة الحياة أن صبَّ في عروقه بلازما صافية (وهي سائل الدم بعد استبعاد الخلايا) من دم ابنه في عمر السابعة عشرة. وبطبيعة الحال، حوّل هذا المسعى إلى تجارة في زيت الزيتون والثمار البرّية والمكمّلات الغذائية والوجبات الجاهزة «الصحية» لجمهور متواضع الدخل يشتهي كذلك حياةً غير (نيويورك تايمز، عدد 12 يناير 2024).
اختصر مارك أوكونور المعنى الباطن، في هذا المسعى، في مفهوم عقَديّ كثيف العبارة، ثقيل الميزان، طرَحه بغير استعراض وشرْح فقالَ «وحدانية الذات»، في معنى أن يعبد المرءُ نفسَه. لا يعبد عبدُ اللهِ ربَّه يتقرَّب إليه بالعمل الصالح وحُسْن المعاملة وإنما يعبد ذاته، فهي العبد والمحراب والمعبود، زيتنا في بيتنا. وقد تَقبَل القارئة هذا التيه بالنفس لمثل برايان جونسون الذي يُهلِك مليونَي دولار على تسخير آخر ما أبدعه «العقل العمومي» من منجزاتٍ تكنولوجيةٍ لرصد وقياس وظائفه العضوية، البول والانتصاب؛ لكنْ ما شقوة حواريّين من العاملين بأجر يُهلِكون قليلَ مدّخراتِهم في زيت الزيتون مضاعف الثمن من ماركة بلوبرينت، شركة جونسون الخاصة بالترويج لمنتجات «وحدانية الذات». ما اللوثة التي أصابت السيد بولوساني الذي يعمل في عيادةٍ طبيةٍ مسألتُها إطالة العمر ويُعاني من التهابٍ جلدي شديد، أو السيدة كوان التي كانت تعمل ممثّلة ومغنية، أصاب زوجَها سرطان المثانة وتربّي طفليها على منتجات بلوبرينت؟
شَهِد المرحوم كارل ماركس الفورةَ العظيمةَ للرأسمالية الصناعية في القرن التاسع عشر، وتعرَّف على صور باكرة للسيطرة على قوى العمل. وشهد أيضاً عصيان قوى العمل على التدجين، على «الجغم»، الجغم الذي شبَّهه بلوثة الغرام يصرع الإرادة، في وقائع «كومونة باريس» قصيرة العمر (18 مارس – 28 مايو 1871). بل شكَّل هذا الشهود مورداً مستمراً لبحث المرحوم عن مخرج «ثوريّ» من حبس الرأسمالية؛ مخرج تتحرَّر به قوى الإنتاج من قيد الملكية الخاصة. كذلك شهد المرحوم ماركس طرَفاً من كمال المَيْكنة في الثورة الصناعية الثانية، في أصيل القرن التاسع عشر، حين أحْكَمت نُظم الإدارة الصناعية سيطرتَها على يوم العمل وإدماج مراحل الإنتاج الصناعي في بعضها البعض، بحيث لا يستقلّ قطاع عمّالي عن الآخر؛ النظام الإداريّ الذي نضج في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان «التيلورية»، نسبة إلى المهندس الميكانيكي الأمريكي فرديريك ونسلو تيلور (1856-1915)، مؤلّف «مبادئ الإدارة العلمية» (هاربر وإخوانه، نيويورك ولندن، 1919).
قاعدة هذا التحوّل الميكانيكي في تنظيم العمل إخضاعُ العامل الحيّ للآلة الميتة، فالعامل لا يوظِّف الآلة كما يوظِّفها الحرفي لخدمة مهارته في الصناعة، وإنما يتحوّل العامل بعلّة التقدم التكنولوجي إلى رديف للآلة، وتتدهور مَلَكته الحرفية، شُغل يده، بهذه العلّة إلى دورةٍ من الحركات المتكرّرة قياسها هذا التكرار، مُدّته وعجلته، وما ينجم عنه من إنتاج آليّ بالدرجة الأولى. وبهذا ينقلب العمل، عزّة الحرفيّ التي لا يتقن كيفَها غيرُه، إلى كمٍّ قد يُحسِنه أيٌّ كانَ بغير حرفة. وما التحوّلات في إدارة العمل، طول النبطشية وعدد عمّالها ومواقيتها ونظامها، سوى ترجمة لهذا المبدأ الميكانيكي، انقلاب «الكيف»، بوسيط الآلة التي جغمت «الحرفة»، إلى «كمّ»، والحساب وَلد. لا غروَ، إذن، أنْ هرب أقرانٌ للمرحوم مبارك الحاج، الصنايعي الشيوعي الستاخانوف، في الدويم الناعسة في باكر القرن العشرين من مدرسة الصنايع في عطبرة بعد إقامة قصيرة، صدّتهم عنها هذه «المَسَاخَة» التي تُخضِع الحياةَ وعملَها إلى سطوة الآلة وساعتها، شوكة صغيرة وكبيرة، بدلاً عن مَهَلة الظهر والعصر، وللمسافر فسحة الجَمْع والقَصْر.
هدف الإدارة «التيلورية» بالزبط هو إحكام هذا الإخضاع، وتعريفها عند الدكتور ميشيل آغلييتا (1938-2025): «جملة علاقات الإنتاج الباطنة في سَيْر العمل التي تنحو إلى زيادة عجلة إكمال الدورة الميكانيكية للحركات التشغيلية وسدّ الثغرات في يوم العمل. وتُعبِّر عن هذه العلاقات مبادئ تنظيم العمل التي تقلّل من درجه استقلال العمّال وتُخضِعهم للمراقبة والضبط خلال تحقيق ربطهم الإنتاجي». وتفسير آغلييتا أنّ هذه المبادئ جاءت ضمن الردّ الرأسمالي على الصراع الطبقي في الإنتاج في فورة القرن التاسع عشر، الصراع الطبقي المباشر الذي ظنّ أقران المرحوم مبارك الحاج أنهم شرَدوا من غلظته بالنجاة من العمل المأجور في رباط ميكانيكا السكّة الحديد وعادوا ترابلة وجزّارين ونجّارين، «ثوّار أحرار»، في الدويم الهانئة. وعند آغلييتا كان سَيْر العمل ما قبل التيلورية قطاعات متعدّدة، لكلّ منها تنظيم ميكانيكي داخليّ خاص بها، بحيث يعتمد الاندماج بينها على العلاقات المباشرة بين فئات العمّال المختلفة، هذه الفئة تغزل، وهذه الفئة تنسج، وهذه الفئة تخيط، كلّ منها مستقلة عن الأخرى (ميشيل آغلييتا، «نظرية للضبط الرأسمالي: الخبرة الأميركية»، دار ڤرسو، لندن، 2015 [1976]، ص 97).
لم ينقطع السحر الرأسمالي بالمَيْكنة ومقابلها التنظيمي في التيلورية، وتحوّلت بالطفرة التكنولوجية التالية في التصنيع في النصف الأول من القرن العشرين إلى مبادئ «الفوردية» نسبة إلى الرأسمالي الأمريكي العظيم هنري فورد (1863-1947). وقاعدة الفوردية المادّية هي التحوّل في عشرينيات القرن العشرين من المَيْكنة متعددة العمليات إلى الميكنة شبه الأوتوماتيكية على «خط التجميع» بغير ثغرات، والعامل ما هو سوى عنصر في خطّ التجميع يخضع لوتيرته الأوتوماتيكية. أتاح هذا التحوّل توسّعاً بالغاً في إنتاج السلع الاستهلاكية للجمهور، الثلّاجة، الغسّالة، الخلّاطة، وسِتّهم العربية، وهلمّجرا، الفي شنو والما في شنو، ثمّ مكونات هذه السلع ذاتها (المصدر السابق، ص 99). وتهيّأ بذلك الأساس الموضوعي لتثبيط حرارة الصراع الطبقي بزلال الاستهلاك. وتَعاهُد «الفوردية»، الذي قام عليه هذا «السلام» الطبقي، هو زيادة القوة الشرائية للعمّال بزيادة الأجور، ثمّ حثّهم على الاستهلاك والاستدانة بالإعلانات وأيديولوجيا «أسلوب الحياة»، ووب عليّ من «رجل المارلبورو»!
ليس أوقع، في شرح هذا الشفاء بالاستهلاك، من النكتة السوڤييتية التي تُخضِع الطبقة العاملة الأمريكية وقرينتها السوڤييتية لفحص متبادل. قيل، زارَ وفدٌ حكومي سوڤييتي مصنعاً للعربات في ديترويت الأمريكية فسأل الزائر السوڤييتي مضيفَه الأمريكي: «لمن هذا المصنع؟»، فقال المرشد الأمريكي: «هذا ملك للملياردير الرأسمالي هنري فورد». «ولمن مئات العربات الرابضة في الموقف هذه؟»، فردّ عليه المرشد: «عربات عمّال المصنع». ثم زار وفد حكومي أمريكي مصنعاً سوڤييتياً للعربات في موسكو، وسأل زائر أمريكي مضيفَه السوڤييتي: «لمن هذا المصنع؟»، فردّ عليه المرشد السوڤييتي: «هو ملك للشعب السوڤييتي». «ولمن هذه العربة الوحيدة في الموقف؟»، أضاف الزائر الأمريكي، فقال المرشد: «هذه عربة مدير المصنع الذي عيّنه الحزب». فيا مبارك: أنجُ سعد فقد هَلَك سعيد!
وقال زياد بن أبي سفيان، لمّا وَلَّاه والدُه البصرةَ، من على المنبر في الخطبة التي اشتُهرت بالبتراء إذ لم يحمد الله فيها: «أني رأيتُ آخرَ هذا الأمر لا يَصلُح الا بما صَلُح به أوّلُه؛ لِينٌ في غير ضعف، وشِدّة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذنّ الوليَّ بالمَولى والمقيمَ بالظاعنِ والمُقبلَ بالُمدبرِ والمُطيعَ بالعاصي والصحيحَ منكم في نفسه بالسقيم، حتى يَلقَى الرجلُ منكم أخاه فيقول أنجُ سعد فقد هَلَك سعيد أو تستقيم قناتُكم» (الجاحظ، «البيان والتبيين»، الجزء الثاني، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1998، ص 63). أهذه لوثة الحبّ يا دكتور ماركس: مَرَة قاسية، عربية وبيت ناصية؟



