يتجاوز سحرُ الأمومة التجربةَ الشخصية إلى فعل جَماعي؛ تُحيط فيه النساء بالحامل منذ البداية، ويتقاسمن معها ثقل الانتظار، ويتداولن الخبرة المتوارثة جيلاً بعد جيل. لكن حين تكون الأمّ ذات إعاقة، ورغم هذه الإحاطة الجماعية، تجد نفسها في مواجهة تجربة لم يُفكّر أحد في تصميمها لها.
كان هذا التحدي صامتاً إلى حدٍّ بعيد قبل الحرب. وكانت الأمهات ذوات الإعاقة يبتكرن حلولهنّ في الخفاء، يُعدّلن بيوتهن، ويُعلّمن أطفالهن لغة خاصة، ويُفاوضن منظومة صحية لم تسألهن يوماً عن احتياجاتهن الخاصة. ورغم صعوبة الحياة، لكنها كانت قابلة للإدارة.
لكن مع اندلاع الحرب، وجدت آلاف النساء اللائي يعشن مع إعاقات جسدية أنفسهنّ أمام معادلة مستحيلة، كيف تفرّ من حرب: كيف تَحمي طفلك حين تحتاج إلى من يحميك؟ كيف تطلب المساعدة في منطقة محاصرة لا تعرف لغة إشارتك، ولا تَملك مُنحدرات لكرسيَّك المتحرّك، ولا تسمع صوتك وسط دوي المدافع وأصوات الرصاص؟
ورغم أنّ الخوف على الأطفال كان موجوداً. لكنّ الحرب أضافت إليه طبقات لم تكن في الحسبان، خوف من طريق لا يتسع لعكاز، وخوف من مستشفى لا يملك دماً للنازف، وخوف من منظومة إنسانية تعدّهن في آخر القائمة إن رأتهنّ أصلاً. «ذوو الإعاقة دائماً آخر الناجين، وآخر من تُسمع استغاثتهم»، تقول منى قاسم من أوغندا.
صناعة الأمان
تحكي ريّان بشير، 36 سنة، من أم درمان، وهي أمّ كفيفة لثلاثة أطفال، لمراسل «أتَـر»، كيف يبدأ يومها قبل أن يصحو أطفالها. تُجهّز الأكل، وتُرتّب المنزل، وتتحقّق من كل شيء بيديها. «كل حاجة عندها مكان محدّد عشان ما أتعرض لأي خطر، وبعتمد على الترتيب والحفظ في البيت عشان أقدر أتحرك بسهولة. في تغيير الحفاضات أو النظافة الشخصية بعتمد على اللمس والترتيب والنظافة المستمرة عشان أتأكد إنو كل حاجة تمام». هندسة يومية ابتكرتها ريان لتجعل بيتها قابلاً للعيش، وأمومتها ممكنة.
تُعلّم ريان أطفالها أن يكونوا شركاءها. والدتها وزوجها هما، في تعبيرها، السند الحقيقي، ويمنحها وجودهما الإحساس بالأمان الذي تحتاج إليه كل يوم. «زوجي دائماً بساعدني وبيشجعني وبخفف عني المسؤوليات، ووجوده بدّيني إحساس بالأمان والقوة. كمان والدتي واقفة معاي في تربية الأطفال وفي أمور الحياة اليومية، وبتدعمني نفسياً ومعنوياً بصورة كبيرة».
لكن ثمة لحظات لا يسعفها فيها أحد: «طبعاً في صعوبات خاصة وقت الدورة الشهرية أو العناية بالنفس، لكن تعودت على التعامل معها بالتنظيم والصبر واستخدام أدوات تساعدني. وهناك تحديات في الأعمال اليومية مثل تجهيز الطعام، ومتابعة نظافة الأطفال، والتأكد من سلامتهم أثناء اللعب. أوقات انقطاع الكهرباء أو تغيير ترتيب الأثاث في البيت يسببان لي صعوبات إضافية».
وحين تحتاج إلى مركز صحي في مكان جديد أو مزدحم، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: الانتظار حتى تجدَ من يرافقها، أو التأخر عن الموعد. وتقول إنها سبق وتأخرت في الوصول لموعد طبي بسبب عدم توفر مساعدة.
أصعب ما تصفه ريان هو الخوف على سلامة أطفالها حين يلعبون بعيداً عن متناول يدها. «أكتر حاجة صعبة هي المسؤولية الكبيرة والخوف على سلامة أطفالي وأنا ما بشوف. لكن اتعلّمتَ أعتمد على التنظيم، وحفظ الأماكن، وتقوية سمعي ولمسي، وكمان بطلب المساعدة وقت الحاجة». ورغم ذلك كله، تعمل ريان بفاعلية في المجتمع المدني. «رغم التحديات أنا شغالة في منظمات المجتمع المدني وبحاول أكون قوية ومفيدة للمجتمع وأطفالي. الدعم خلاني أواصل وأواجه الحياة بثقة وأقدَر أوازن بين دوري كأم وشغلي في المجتمع المدني».
حبل المسافات
في صباح الخامس عشر من أبريل 2023، كانت نازك حيدر، 55 سنة، تُراجع الدروس مع طالبتين صمّاوَين كانتا تستعدان لامتحان الشهادة السودانية بحكم أنها صَمَّاء أيضاً. لم تسمع القصف. جاء أبناؤها يُخبرونها بأصابعهم: «في حرب». طلبت الأسرة من الطالبتين المبيت، وفي الصباح جاء إخوانهما وأخذوهما. تقول نازك «دي آخر مرة أشوف فيها طالباتي».
خرجت نازك من الخرطوم في سيارة إسعاف، لأن والدتها كانت ترقد بضغط مرتفع لثلاثة أيام دون دواء. وصلوا إلى القضارف فجراً قبل عيد فطر ذلك العام بيوم، واتجهوا إلى المستشفى مباشرة حيث تنتظرهم بقية العائلة، لكن حالة والدتها تدهورت وبحلول مساء العيد دخلت غرفة العمليات لمعالجة الفتاق الذي أصابها. تقول نازك «حضرنا العيد في المستشفى».
بقيت نازك وأسرتها في القضارف لفترة، ثم جاء الخريف ومعه حمى الضنك التي أصابت الجميع، لكن مضاعفاتها في جسد نازك كانت مختلفة؛ فهي تعاني أصلاً من ضعفٍ في الجهاز العصبي أثّر حتى على حركتها، وكانت تتلقى علاجاً له قبل الحرب. لكنها وفي عجلة النزوح تركت خلفها أدويتها التي كان خالها يحضرها لها من مصر، ولم تجد بديلاً لها في القضارف. «تعبت، ألم العصب حار، إلا مسكّن» تقول نازك. وصلت إلى حدٍّ عجزتُ معه عن الحركة إلا بعصا طبية.
قرَّرَت الأسرة التوجه إلى بورتسودان، حيث يمكن أن تكون العناية الطبية أفضل، والأدوية متوفرة. لكن الطُّرق بعد الحرب تمدَّدَتْ، والانتقال إلى بورتسودان كان امتحاناً آخر. تقول نازك «أصعب حاجة كانت الطريق، بعد الحرب بقي طويل شديد». وتشرح أن الرحلة من القضارف إلى كسلا كانت تستغرق 3 ساعات ومن كسلا إلى بورتسودان تقريباً 5 ساعات. لكن في حالتهم تحركوا من القضارف في السادسة صباحاً ووصلوا إلى كسلا في الرابعة عصراً، بسبب التوقيف المتكرر في نقاط التفتيش. وتحركوا من كسلا في الرابعة عصراً ليصلوا إلى بورتسودان في التاسعة مساءً. طوال الرحلة كانت رجلها تؤلمها.
في إحدى نقاط التفتيش طُلب من ركاب الحافلة النزول. لكن ابنة نازك طلبت منها البقاء في الحافلة بسبب صعوبة الحركة. «قام البقول للناس انزلوا قال لي بنهرة مش قاعد اتكلم معاك، قومي! أنا شايفة حركة الشفايف بس ما قايلة بتكلَّم معاي، بتي سمعتوا جات تساعدني أنزل لما شاف العصاية وشاف تعبي، قال لي خلاص اقعدي ونزل» تقول نازك. وبقيت وحيدة في الحافلة الساخنة خلال وقوفهم الطويل، ولما تحركت المركبة أصابها تيار الهواء بعد الحر بالتهاب رئوي.
في بورتسودان، اشتدَّ عليها الالتهاب وهبط ضغطها، توجّهت ليلاً إلى مستشفى الموانئ البحرية الأقرب إليها، لكنهم ردّوها بحجة أنها لا تعمل في الموانئ وليس معها بطاقة. اتجهت إلى عيادة خاصة قبلت علاجها بالمال. وفي اليوم ذاته كانت ابنتها تتلقى ثلاث زجاجات دم بسبب فقر الدم الحاد الذي أصابها.
عندما وصلت أسرة نازك إلى المخيم في يوغندا تدهورت حالة والدتها من جديد، ولزمت مستشفى المعسكر، وطوال هذه الفترة كانت نازك تعاني من ألم أعصابها الذي لم تجد علاجه. «ناس المفوضية في المعسكر قالوا نمشي كمبالا عشان الأدوية والعلاج والأطباء في كمبالا».
وصلت نازك أخيراً إلى كمبالا عاصمة يوغندا، بحثاً عن العلاج، وجدَت اختصاصي مخ وأعصاب أعطاها الدواء المناسب وتحسّنت تدريجياً، لكن بعد شهر واحد من العلاج بدأ نظرها يتدهور: «غشاوة وطشاش وصداع» كما تصف. تقول «أنا بعتمد على النظر بدل السمع». اكتشفتْ بالصدفة عبر صيدلاني أنّ دواء الأعصاب ذاته كان يُتلف شبكية عينيها. أوقفته وبدأت علاج العيون.
في كمبالا، لا تجد نازك منظّمة واحدة تدعمها خارج أسوار المعسكر. يُساعدها أبناؤها وأخوها في التنقل إلى المستشفى، ويسمعون بالإنابة عنها. في مدينة لا تعرف لغة إشارتها ولا تُقرّ بوجودها خارج المعسكر، باتت الأسرة هي المنظومة الصحية والترجمة والأمان في آنٍ واحد.
![]()
بحسب الاتحاد العالمي للصُّم، يوجد أكثر من 70 مليون شخص أصمّ حول العالم، يعيش أكثر من 80% منهم في الدول النامية، وتتنوَّع لغات الإشارة التي يَستخدمونها، إذ يصل عددها إلى أكثر من 300 لغة. وفي أفريقيا وحدها يُوجد ما لا يقل عن 23 لغة إشارة. وتختلف لغات الإشارة باختلاف الدول والمناطق المحلية والمجموعات الإثنية، كما أن معرفة لغة إشارة مُعيَّنة لا تَعني معرفة الأخرى، إذ إنّ اللُّغات قد تختلف عن بعضها اختلافاً جذرياً. هنالك لغة إشارة عالمية يُمكن للصمِّ تعلُّمها للتواصل مع أقرانهم من مُتحدِّثي لغات الإشارة الأُخرى.
في السودان، هناك تنوّع كبير في لغات الإشارة، وتختلف باختلاف الولاية والمنطقة، ويظهر ڤيديو نُشر في 2009 أن ولايات الخرطوم والجزيرة وكسلا تستخدم لغات مختلفة. في 2009 قاد اتحاد الصم القومي السوداني مبادرة لتوحيد اللغات المختلفة وطوَّر لغة إشارة سودانية مُوحَّدة. وفي 9 مايو الجاري، أطلق الاتحاد بالتعاون مع كلية كمبوني منصة إلكترونية لتعليم لغة الإشارة السودانية.
جغرافيا لم تُصمَّم لها
تقف منى قاسم (38 عاماً) كلّ صباح أمام مهمةٍ تبدو بسيطة للوهلة الأولى، اصطحاب ابنتها ذات الثلاث سنوات إلى الروضة. لكن في كمبالا، حيث تتموّج الشوارع على تلال وعرة وتُحوّل الأمطار الدائمة ترابَها إلى طين زلق، تتحول هذه المهمة إلى مفاوضة يومية مع جغرافيا لم تُصمَّم لعكازها. «كل ما يكون في مطر في الشارع، تطلع أختي تودّيها»، تقول منى. أختها الصغيرة رفيقتها الدائمة في التفاصيل التي تعجز عنها.
لكن رحلة منى مع الأمومة بدأت قبل ولادة طفلتها بسنوات من القلق والخسارة. فالحمل، بالنسبة لامرأة تتحرّك بمُساعدة العكاز، ظل باستمرار اختباراً دائماً للتوازن والخوف من السقوط. تقول لمراسل «أتَـر»: «كنت بتعرّض لوقعات كثيرة ومُخيفة، وكنت دايماً خايفة على الحمل». قبل أن تُرزق بابنتها، فقدت أكثر من جنين، وهي تربط ذلك جزئياً بظروف نشاطها الميداني خلال الثورة والمواكب، وما تطلَّبته من حركة مُستمرَّة وإجهاد جسدي كبير. وتضيف: «أجهضت أكثر مرة بسبب حراكي الكثيف في الثورة».
حين ثبت حملها الثالث، اتخذت قراراً بالتوقف عن المشاركة في الأنشطة الميدانية حتى تكتمل أشهر الحمل بسلام. لكن حتى الولادة نفسها لم تترك لها مساحة للاختيار، فبسبب حالتها الحركية وعدم قدرتها على الدفع خلال المخاض، كان التدخّل الجراحي هو الخيار الطبي الوحيد. تقول: «الولادة القيصرية ما كانت خياراً، إنما ضرورة بسبب الشلل وعدم القدرة على الدفع».
وتُوضِّح أنّ التحدي الأعمق أنّ ابنتها باتت تكبر وتطلب ما تطلبه كل طفلة: أن تُحمَل، أن تلعب في الشوارع، أن تجري. «بحس إني مابقدر أفهِّمها إني بتحرك بعصاية، لكن كل ما هي بتكبر بتتعلَّم، لحدي نصل لأنو يكون ما في حرج». يُضاف إلى هذا هاجس التنقّل بالبودا، الدراجة النارية التي تمثّل شريان المواصلات في العاصمة اليوغندية كمبالا. «كل ما نطلع مشوار مع بعض بفكر: إذا حصل أي إشكال ونحنا برة كيف حأتصرف». وحين تمرض ابنتها تلجأ إلى عيادة الحارسات الطبية المجانية، التي تصفها بأنها قدمت فائدة كبيرة للاجئين الذين يعانون من ضعف الخدمات وتداعي قدراتهم المادية.
لم تصل منى إلى كمبالا مباشرة. نزوحها شقّ طريقه عبر عطبرة وحلفا وكسلا والقضارف قبل أن يعبر الحدود. ومحطات النزوح الداخلي تركت ندوبها الخاصة: «في وضع زي داك، ما بكون في خصوصية وأمان ومساحة تعلم وتربي طفلك بأريحية».
لكن منى لم تكتفِ بالبقاء، وصارت جزءاً من مبادرة «ممرات آمنة» التي انطلقت في مايو 2023، حين لاحظ ذوو الإعاقة ألّا أحد يُخطّط لإجلائهم. «كان في ذوي إعاقة سمعية فقدوا أرواحهم». فأصدروا مناشدة دعم نشروا فيها أرقام حسابات بنكية لاستقبال التبرعات، ورتّبوا حافلات نقلت ذوي الإعاقة من الخرطوم إلى مدني وعطبرة. امتدَّت المُبادرة لتشمل الجزيرة والفاشر وزالنجي والأبيض. «وكنا بنفكر في إجلاء تالت من الفاشر لولا السقوط، فقدنا فيه حتى ناسنا البيتعاونوا معانا من هناك».
واليوم، لا تتوقف منى عن رفع صوتها من أجل من لم يصلوا بعد. في المدن والمناطق المحاصرة، لا يزال أشخاص ذوو إعاقة عالقين في ظروف إنسانية بالغة القسوة. «ذوو الإعاقة دايماً آخر الناجين، وآخر من تُسمع استغاثتهم».
تقول منى: «في فوضى الحرب، حيث يتحرك الإجلاء بسرعة، من لا يحتاج إلى مساعدة يبقى، ومن يحتاج إلى كرسي أو عكاز أو مُترجم إشارة يقف في آخر الطابور، إن وُجد طابوراً أصلاً». وتُناشد منى المنظمات الإنسانية أن تُدرج ذوي الإعاقة في صميم خططها لا في هوامشها. تُعرّف إعاقتها بعيداً عن جسدها: «بشوف إنو الإعاقة ما إشكال فيني، لكن في الحواجز الحولي البتكون عائق ليّ». وتقول: «التحدي في كل شيء كان مضاعفاً، لكن فكرة الأمومة نفسها تجعلك تقاوم جميع الصعاب».