تمر ولاية جنوب دارفور، منذ سيطرة قوات الدعم السريع على مقر قيادة الفرقة 16 مشاة بمدينة نيالا، عاصمة الولاية، في 26 أكتوبر 2023، بأكثر الأوضاع الأمنية تعقيداً من بعد حرب دارفور 2003. وبات المواطنون يعانون من انتشار القتل والاعتقال والتوقيف والنهب والتهديد والعنف غير المبرر، وهو ما كاد يشل الحركة الاجتماعية والاقتصادية بالكامل.
ومع سيولة الأوضاع الأمنية وكثرة القيود الإجرائية والقانونية التي فرضتها حكومة «تأسيس»، ضاق نطاق حركة المواطنين، وتقلص حضورهم في الفضاء العام، رغم محاولاتهم المستمرة للتكيُّف والمقاومة. وفي العاشر من مايو الماضي، عقد رئيس وزراء حكومة «تأسيس»، محمد حسن التعايشي، اجتماعاً مع وزير الداخلية ومدير الشرطة، في حكومته، للتفاكر حول إنشاء جهاز شرطة يحد من الجرائم ويضبط الوضع الأمني. وناقش الاجتماع هيكل الشرطة ووحداتها، والزي والتسليح، وخطط التدريب والمرتبات والسجل المدني والجنايات والمرور والمباحث والسجون والمحاكم.
وسبق هذه الخطوة تكوين «الشرطة الفيدرالية لحماية المدنيين» التابعة لتحالف «تأسيس»، التي بدأت مزاولة عملها منذ عام 2025، أولاً في ولاية جنوب دارفور، قبل تعميمها على بقية مناطق الإقليم الواقعة تحت سيطرة التحالف.
ما عارفة إنو النقاب ممنوع؟
كان التفتيش مُهيناً للغاية. فتَّشوا أغراضي الشخصية كلَّها، وسألوني لماذا أرتدي النقاب. قلت لهم إنني من أنصار السنة، فرد أحدهم: (إنتِ ما عارفة إنو النقاب ممنوع؟)، ثم جذب النقاب بعنف وكشَف وجهي دون استئذان.
تقول نفيسة، وهي من سكان حي جنوب غرب الإذاعة بمدينة نيالا، إن القيود على الحركة تزداد كلما تصاعدت ضربات سلاح الجو التابع للجيش السوداني. وتوضح أن عمليات التفتيش تنشط بعد كلُّ غارة جوية، ويُنفّذها جنودٌ من الدعم السريع، خاصة عند بوابة طندباي جنوبي المدينة، حيث يُوجّه الجنود للمارة اتهامات بالتخابر مع الجيش أو توزيع شرائح الاتصال وإرسال الإحداثيات.
وتضيف أن هناك أربع ارتكازات بين السوق الشعبي جنوبي وادي بيرلي والسوق الكبير وسط المدينة، إلى جانب ثلاث نقاط تفتيش بين السوق الكبير وموقف الجنينة، حيث يتعرَّض المارة للتفتيش والاستجواب بنحو مستمر، وتُكون النساء اللاتي يرتدين النقاب أكثر عرضة للتفتيش.
وتروي نفيسة أنها تعرضت لتفتيش أثناء عودتها من معسكر كلمة إلى نيالا الأسبوع الماضي: «كان التفتيش مُهيناً للغاية. فتَّشوا أغراضي الشخصية كلَّها، وسألوني لماذا أرتدي النقاب. قلت لهم إنني من أنصار السنة، فرد أحدهم: (إنتِ ما عارفة إنو النقاب ممنوع؟)، ثم جذب النقاب بعنف وكشَف وجهي دون استئذان». وتقول إن السكان اضطرُّوا للتكيُّف مع الواقع الجديد بوسائل مختلفة: «إذا أردتَ الذهاب إلى السوق، أول شيء تتأكد أنك تركت تلفونك في البيت، وما تحمل معك أي كيس أو مبلغ كبير ظاهر».
وخلال مايو الماضي، شهدت نيالا ضربات جوية مُتتالية، بواسطة مسيرات يُرجَّح أنها تتبع للجيش السوداني، وأسفرت عن دمار في البنية التحتية وحالة هلع واسعة وسط السكان. وأعقب ذلك فرض إجراءات أمنية مُشدَّدة، من بينها حظر سفر الشباب خارج ولاية جنوب دارفور، وتقييد استخدام أجهزة «ستارلينك» بين السادسة صباحاً والسادسة مساءً، بحسب إفادات حصل عليها مراسل «أتر».
وفي هذا السياق، يقول محمد عوض، وهو اسمٌ مُستعارٌ لأحد سكان نيالا، إن «إجراء الحظر جيد إلى حد ما، رغم أنه يقطع مصدر رزقنا». ويضيف أنه تعرَّض قبل أسبوعين لهجوم أثناء استخدامه إحدى نقاط الواي فاي، حيث حاول أفراد يتبعون للدعم السريع سرقة هاتفه، وعندما قاومهم تعرَّض للطعن قبل أن يَفرُّوا بالهاتف والنقود.
ويتابع: «أنا نجوتُ بإصابة خفيفة، لكن غالباً ما تنتهي مثل هذه الحوادث بمقتل الضحية. طوال سنوات الحرب لم يمر علينا يومان بلا قتل أو خطف أو سرقة أو جلْد أو إهانة». ويُشير إلى أن أسواق نيالا أُغلقت ثلاث مرات خلال الأسبوع الذي سبق عيد الأضحى الماضي، مرَّة بسبب مَقتل عمدة التُّرجم، وأخرى بعد مقتل مواطن في سوق قادرة، والثالثة نتيجة شجار بين أفراد من الدعم السريع.
ويروي محمد حادثة اختطاف أحد جيرانه من متجره بواسطة مُسلَّحين يَستقلون عربة «كروزر» تحمل مدفع دوشكا. ويقول إن الخاطفين طلبوا فدية قدرها مليونَا جنيه مقابل إطلاق سراحه، وبعد أن جمعت الأسرة المبلغ وسلَّمته للجهة المطلوبة، طُلِبَ من والدة المُختَطف التوجُّه إلى شجرة قرب جبال سقرة شرقيَّ المدينة، حيث وجدت ابنها جثّة هامدة بعد تعرُّضه لتعذيب شديد.
وفي 23 مايو، نشرت الإدارة المدنية التابعة للدعم السريع على صفحتها في «فيسبوك» تصريحات لرئيس الإدارة المدنية يوسف محمد يوسف، أشاد فيها بعملية نفذتها استخبارات الدعم السريع لتحرير رهينة وتوقيف أفراد العصابة المُتورِّطة. وقال إن نسبة الجريمة في ولاية جنوب دارفور تراجعت بنسبة 50% خلال مايو الماضي.
اقتصاديات نقاط التفتيش
في عام 2025، نفذت الشرطة الفيدرالية التابعة لتحالف «تأسيس» حملة ضد ما وصفته بـ«الظواهر السالبة»، وأزالت خلالها عدداً من البوابات غير القانونية. لكن، بحسب يحيى الساير، وهو سائق يعمل على خط نيالا ونيرتتي في ولاية وسط دارفور، عادت جميع تلك البوابات بعد أسابيع قليلة من انتهاء الحملة.
ويقول يحيى إن المسافة بين نيالا ونيرتتي، البالغة نحو 150 كيلومتراً، تستغرق أكثر من ساعتين بسبب كثرة نقاط التفتيش، رغم أن الطريق مُعبَّد. ويُوضِّح أن عدد البوابات ونقاط التفتيش بين المدينتين يبلغ 36 نقطة، منها 33 تتبع للدعم السريع وثلاث لحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، أي بمعدل نقطة تفتيش كل أربعة كيلومترات تقريباً.
وتَفرض كلُّ بوابة رسوماً تبلغ ألفي جنيه على عربات نقل الركاب، ما أدى إلى ارتفاع سعر التذكرة بين نيالا ونيرتتي من 20 ألف جنيه إلى 35 ألفاً، وفق يحيى.
ويضيف أن بطاقة الهُويَّة أصبحت العنصر الأهم في التفتيش، إذ يُواجه القادمون من الولايات الشمالية والشرقية اتهامات مُتكرِّرة بالانتماء إلى الجيش السوداني، قبل أن تُفتُّش هواتفهم، خاصةً تطبيق «واتساب» ومعرض الصور، ويجري الحكم عليهم بناء على محتوى الهاتف.
يصف عمران مشهداً أثار استغرابه، قائلاً إن أحد أفراد الدعم السريع صعد إلى العربة؛ وبدأ، على طريقة الكمساري، يُطالب الركاب بدفع خمسة آلاف جنيه، مردداً: «أخوك لو ما دايرين تدفعوا رسوم التأمين أمشوا خلاص». ويقول عمران إن العبارة بدت في ظاهرها هادئة، وتحمل شيئاً من طابع المزاح أو العفو، لكنها في جوهرها كانت مُشبعة بتهديد واضح.
أما عمران، الذي سافر من نيالا إلى المَلَم لقضاء عطلة العيد مع أسرته، فيقول إن الطريق من نيالا إلى مرشنج، التي تبعد منها نحو 65 كيلومتراً شمالاً، يضم 19 بوابة وثلاث نقاط تفتيش، عند مخرج المدينة ومنطقة دمة ومدخل مرشنج. ويُضيف أن كل عربة تدفع رسوماً قدرها ألفَا جنيه للعبور، بينما تُوجد بوابتان كبيرتان تَدفع عندهما عربات البضائع 50 ألف جنيه. كما تُفرض على الركاب رسومٌ إضافيّةٌ تحت مسمى «رسوم التأمين»، تُدفع على دفعتين، واحدة في مرشنج وأخرى في المَلَم، ما يُوحي بوجود تقاسم منظم للرسوم بين القوات المُنتشرة على هذه البوابات، بحسب قوله.
ويصف عمران مشهداً أثار استغرابه، قائلاً إن أحد أفراد الدعم السريع صعد إلى العربة؛ وبدأ، على طريقة الكمساري، يُطالب الركاب بدفع خمسة آلاف جنيه، مردداً: «أخوك لو ما دايرين تدفعوا رسوم التأمين أمشوا خلاص». ويقول عمران إن العبارة بدت في ظاهرها هادئة، وتحمل شيئاً من طابع المزاح أو العفو، لكنها في جوهرها كانت مُشبعة بتهديد واضح.
شرق بليل: قرى محروقة وحقول مهجورة
في 21 ديسمبر 2022 اندلعت مواجهات دامية في مناطق شرق محلية بليل، أسفرت عن نزوح سكان 21 قرية، ومقتل وإصابة أكثر من مائة شخص، وفق أرقام أعلنتها الإدارة الأهلية لقبيلة الداجو آنذاك.
ويقول موسى، وهو نازح من منطقة جوغان دمبا شرقي بليل، إن جذور الصراع تعود إلى النزاع حول الأرض، مُوضّحاً أن كثيراً من الأُسَر لم تتمكَّن من العودة إلى الزراعة منذ عام 2023 بسبب استمرار التهجير والعُنف. ويُضيف أن المجموعات المُتَّهمة بالمُشاركة في عمليات الحرق والقتل أصبحت تُسيطر على الأراضي الزراعية، مُشيراً إلى أن الرعاة الذين كانوا يتحرَّكون موسميَّاً شمالاً «للنشوق» وجنوباً في موسم «الطلقة»، باتوا يَستقرُّون داخل مناطق مثل عشما وشنقي وكمسكي الواقعة شرقيَّ بليل، ما أدَّى إلى دخول الماشية إلى الأراضي الزراعية وإتلاف المحاصيل.
ويُضيف موسى أن بعض الأراضي في منطقة عشما، وهي واحدة من القرى الـ 21 التي أُحرقت خلال النزاع، زُرعت في عام 2025، لكن الماشية دخلت إليها قبل أن تُنبت المحاصيل، ما أدى إلى إتلافها.
وفي بداية 2023، أصدر قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو توجيهات بإعادة بناء القرى المحروقة شرقيّ بليل، وبدأت السلطات المحلية في تشييد بعض المنازل وتأهيل مصادر المياه في منطقة «أموري» تمهيداً لعودة الضحايا من النازحين. لكن موسى يقول إن نفس من أجبروا الناس على النزوح في السابق، أحرقوا المنازل مُجدَّداً بعد شهر واحد فقط، وعطلوا مضخات المياه وسرقوا مُمتلكات العائدين.
وفي عام 2024، أطلقت الإدارة الأهلية بمحلية بليل، بقيادة رئيس الإدارة الأهلية بالمحلية عبد الرحمن أبو، مبادرة لتمكين الأسر من العودة إلى الزراعة، وشُكلت ثلاث لجان لتغطية مناطق جنوب غرب وشمال غرب وشرق المحلية، لكن موسى يؤكد أن هذه الجهود لم تحقق نتائج ملموسة.



