مدينة البحر والشّمس والرياح المالحة. كانت بورتسودان تنبض منذ القدم بهدوء خاصّ. عند كلّ منعطف، يمكن أن تشمّ عبق القهوة الممزوج برائحة البحر، وتشعر بانتظام الحياة في الشوارع والأرصفة. تزدحم الأسواق أحياناً، لكنْ بطريقة يمكن التنبؤ بها؛ يركض الأطفال بين الأحياء، ويرفع الباعة أصواتهم المألوفة، وتتحرّك السيارات بوتيرة ثابتة. كان كلّ شيء هنا، من أصغر التفاصيل إلى التنظيم الأكبر، يوحي بأنّ المدينة تعرف نفسها جيداً، وأنّ سكانها يعرفون إيقاعها.
ربّما بدا هذا الإيقاع محضَ عادة اجتماعية، لكنه جزءٌ من طبيعة مدينةٍ نشأت أصلاً على فكرة التنظيم. بُنيت بورتسودان، بين عامي 1905 و1909 لتحلّ محلّ سواكن، الميناء التاريخي الذي ضاق بقناة بحرية معقّدة وشعاب مرجانية أعاقت حركة السفن الحديثة. منذ ذلك الوقت، أصبحت بورتسودان الميناء الرئيس للسودان وممرّه الأكبر للتجارة الخارجية.
في كتابه عن نشأة المدينة، يوضح المؤرخ كينيث ج. بيركنز أنّ اختيار موقع بورتسودان لم يكن عشوائياً؛ فقد رأى المخطِّطون البريطانيون في منطقة «الشيخ برغوت»، التي قامت عليها المدينة لاحقاً، مرفأً أصلحَ لميناء البلاد الرئيس وموقعاً أفضل لبناء مدينة جديدة، لأنها «خالية» من العقبات والناس، مقارنة بسواكن المزدحمة ذات الشوارع الضيقة والتوسّع المحدود. ويذكر بيركنز أنّ الأرض حول الموقع الجديد وُصفت آنذاك بأنها «مثالية لمدينة» وتتيح مساحة للتوسّع، قبل أن يبدأ العمل في إنشاء الميناء والمدينة في يناير 1905.
انعكس ذلك التخطيط على شكل الشوارع نفسها في قلب المدينة. يذكر بيركنز أنّ وسط بورتسودان صُمِّم في مربّعات منتظمة، طول كلّ مربع نحو مائة متر، تتخلّله أزقة بعرض ستة أمتار، لا لتكون محضَ ممرّات خلفية، إنما لتسهّل الدخول إلى القطع السكنية، وجمع النفايات، ومدّ شبكات المياه والصرف لاحقاً بأقلّ قدر من الاضطراب. حتى اتجاه الواجهات كان محسوباً للاستفادة من الرياح الشمالية الشرقية في مناخها الحار الرطب.
لذلك، لم يكن غريباً أن تبدو الحركة اليومية في بورتسودان سهلة ومفهومة لسكّانها. لقد اهتمّت قيادة حكومات الولاية المتعاقبة بالحفاظ على هذا الطابع المرتّب؛ شوارع نظيفة، أرصفة واضحة، وخدمات أساسية قريبة نسبياً من حياة الناس. وحتى حركة المشاة، وكبار السنّ، وذوي الإعاقة، كانت جزءاً من هذا التصوّر اليومي للمدينة: مسافات يمكن قطعها، وأسواق معروفة، وأحياء يعرف أهلها متى تزدحم ومتى تهدأ.
وظلّ هذا التنظيم العمراني، رغم التحوّلات اللاحقة، يمنح بورتسودان إيقاعاً يومياً مستقراً نسبياً، يمكن لسكّانها توقّعه والتكيف معه بسهولة. لكنّ هذا الإيقاع نفسه بدأ يتغيّر على نحو متسارع مع الحرب والنزوح.
![]()
حال كثير من المدن الكولونيالية التي شُيدت في مطلع القرن العشرين بالمستعمرات، لم يكن إيقاعها الحضريّ منفصلاً عن الطريقة التي صُمّمت بها المدينة نفسها. منذ تأسيس بورتسودان، خُطِّطت المدينة وفق تصوّر استعماري صارم، جعل من المكان أداةً لتنظيم السكّان والعمل والحركة معاً. فقد شُيدت على هيئة نصف دائرة تمتدّ من الميناء نحو الداخل، وقُسّمت إلى مناطق سكنيّة منفصلة وفق أسس عرقيّة ومهنية واضحة. خُصّصت المنطقة الأقرب إلى البحر للسُّلطات البريطانية والمباني الحكومية، وتمتّعت بخدمات واسعة وشوارع معبّدة ومبانٍ فاخرة، بينما سَكَن التجّار الأجانب، من هنود ويونانيين وأتراك ومصريين، في أحياء أخرى ذات وفرة نسبية في الخدمات. أما الموظفون السودانيون والتجّار المحليون فخُصِّصت لهم مناطق أقلّ اتساعاً وخدماتٍ، بينما دُفعت العمالة المرتبطة بالميناء والسكك الحديدية، ومعظمها من البجا واليمنيين وغرب الأفريقيين، إلى أطراف المدينة في أحياء فقيرة تفتقر إلى المياه والكهرباء وحقوق الملكية المستقرة.
ومع أن هذا التقسيم عُدّل رسمياً لاحقاً، إلا أنّ أثره ظلّ واضحاً في المظهر الاجتماعي والعمراني لبورتسودان: لقد شُكِّلت الأحياء بحسب مستوى الدخل، ووفق الانتماءات القبَلية والوظائف المرتبطة بالميناء والعمل اليدوي. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه التكتّلات، التي شجّعتها السُّلطات البريطانية أساساً لضبط العمَالة وتنظيمها، إلى وسيلة للحفاظ على الهوية القبَلية داخل المدينة، خاصة وسط الجماعات ذات الأصول الرعوية. لذلك، فإن بورتسودان لم تعرف الفصل الواضح بين الريف والمدينة، كما هي الحال في مدن سودانية أخرى، إنما ظلّت تحمل داخلها امتداداً دائماً للعلاقات القبَلية ومسارات الهجرة الموسمية من ريف البحر الأحمر إلى مركز الميناء والعمل والخدمات.
يفسّر هذا الإرث العمرانيّ والاجتماعي جانباً من حساسية المدينة الحالية تجاه الضغط السكّاني المتسارع. ذلك لأنّ بورتسودان لم تُبنَ لتكون مدينة مفتوحة بلا حدود داخلية، إنما مدينة ميناء منظّمة وفق وظائف محدّدة ومساحات موزّعة بدقة. ومع التحوّلات التي فرضتها الحرب والنزوح، بدأت هذه الحدود القديمة تتداخل على نحو غير مسبوق، لتظهر المدينة اليوم في مساحة مزدحمة تختبر قدرتها على استيعاب أدوار جديدة تتجاوز كثيراً ما خُطّط لها في الأصل.
نهى، أم لثلاثة أبناء، وتعمل ضمن الكادر الطبي في أحد مستشفيات بورتسودان، تحنُّ إلى تلك الأيام. تقول إنّ الوصول إلى العمل لم يكن يستغرق أكثر من ربع ساعة، وإنّ المواصلات في السوق كانت واضحة وسريعة، بحيث يمكنها العثور على وسيلة نقل خلال دقائق قليلة. كانت الحركة، كما تصفها، «مريحة ويمكن التنبؤ بها»، وهو ما جعل روتينها اليومي سلساً، من البيت إلى العمل، ومن السوق إلى المدرسة، ومن المساء الهادئ إلى صباح اليوم التالي.
لكنْ، مع الحرب والنزوح، تغيَّر كلّ شيء.
فجأةً، وصلت أقدام كثيرة من مدن أخرى، تحمل حاجاتها ومساراتها المختلفة، فازدادت الكثافة السكانية في المدينة، وأصبح من الصعب التنبّؤ بالحركة اليومية. أحياء كانت هادئة أصبحت مكتظّة، وشقق سكنية تحوّلت إلى مكاتب ومقار عمل، وساحات صغيرة إلى نقاط انتظار دائمة. حتى إيقاع اليوم تغيّر؛ ما عاد الصباح بداية واضحة للحركة، فالتحرّك يبدأ منذ الفجر، وطوابير المواصلات تتمدّد، وما عاد المساء وقتاً للاستراحة، إنما أصبح امتداداً ليوم طويل لم ينته بعد.
تشير بيانات أممية عن النزوح السكّاني في البحر الأحمر في أبريل 2024 إلى أنّ الولاية استقبلت أكثر من 247 ألف نازح داخلياً، يقيم 93% منهم في بورتسودان، كما سُجّل في آخر تقرير لمصفوفة تتبع النزوح أنّ 81% من النازحين في الولاية ما زالوا يقيمون في المحلية. لقد أضافت هذه القفزة السكّانية إلى المدينة ما هو أكثر من تعداد إحصائي للوافدين: أنماط جديدة من الحركة، واحتياجات مختلفة للسكن والعمل والمواصلات، والماء والكهرباء والخدمات.
تؤكّد نهى أنّ الشوارع المؤدّية إلى السوق أصبحت مكتظّة خلال ساعات الذروة، وكذلك الطرق أمام الجامعات المعروفة. ورغم بطء التنقّل من مواقع العمل وإليها، فإنّ وتيرة الحياة اليومية نفسها تبدو أسرع من ذي قبل. فالضغط الاقتصادي وتعدّد الأعمال يدفعان الناس للعمل في أوقات أطول، بدوام صباحي ومسائي.
وتبدو خصوصية بورتسودان هنا في أنها ليست مثل مدن النيل الداخلية المفتوحة من جميع الجهات، وذات الموارد المائية الوافرة. إنها مدينة ساحلية، قائمة على البحر الأحمر، ومتصلة تاريخياً بالميناء والسوق والطرق المؤدّية إلى الداخل. مناخها قاس، حارّ ورطب خلال أشهر ممتدة من العام، وتعتمد في مياهها العذبة على وادي أربَعات في تلال البحر الأحمر ومحطّات التحلية، وهي مصادر محدودة بطبيعة الحال، ما يجعل مسألة الخدمات الأساسية جزءاً دائماً من جغرافيا المدينة.
هذه الجغرافيا هي ما يجعل وطأة الازدحام في بورتسودان أشدّ من كونها بطئاً في الطريق فحسب. إنّ المدينة التي عرفها سكّانها بإيقاع واضح، وجدَت نفسها أمام ضغط مفاجئ على قلبها التجاري والوظيفي: السوق والميناء والمؤسسات والجامعات والمستشفيات ومواقف المواصلات. لم تتغيّر الشوارع وحدها، بل تغيّرت وظيفة الشارع نفسه؛ صار مكاناً للعبور والانتظار والعمل والبحث عن فرصة.
تؤكّد نهى أنّ الشوارع المؤدّية إلى السوق أصبحت مكتظّة خلال ساعات الذروة، وكذلك الطرق أمام الجامعات المعروفة، بينما تبدو الشوارع داخل الأحياء السكنية هادئة نسبياً. ورغم بطء التنقّل من مواقع العمل وإليها، فإنّ وتيرة الحياة اليومية نفسها تبدو أسرع من ذي قبل. فالضغط الاقتصادي وتعدّد الأعمال يدفعان الناس للعمل في أوقات أطول، بدوام صباحي ومسائي، وتظلّ بعض المحال والمقاهي مفتوحة إلى ساعات متأخّرة، في مدينة كانت تنام مع هدأة الشمس.
على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، انعكس النزوح على مستوى الرفاهية وتربية الأبناء. كانت نهى سابقاً تستطيع الخروج مع أبنائها في نزهات أو تناول الطعام في المطاعم، أما اليوم، فالدخل بالكاد يغطي احتياجات المعيشة الأساسية.
ولا يَقتصر أثر هذا التحوّل على السيارات والمواصلات. الأرصفة التي كانت جزءاً من سهولة المشي أصبحت، في بعض المناطق، مجالاً مزدحماً بالبضائع والانتظار وحركة العابرين. وذوو الإعاقة، الذين كانت حركتهم أسهل في بعض شوارع المدينة، يواجهون اليوم صعوبة أكبر في عبور المساحات العامة حين تضيق الأرصفة أو تتداخل حركة المشاة مع المركبات والبضائع. تتولد عن هذه «الحركة» أسئلة من مثل: من يستطيع الوصول؟ ومن يحتاج إلى مساعدة؟ ومن أصبح الطريق بالنسبة له أطول ممّا كان؟
على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، انعكس النزوح على مستوى الرفاهية وتربية الأبناء. كانت نهى سابقاً تستطيع الخروج مع أبنائها في نزهات أو تناول الطعام في المطاعم، أما اليوم، فالدخل بالكاد يغطي احتياجات المعيشة الأساسية. وتلاحظ أنّ اختلاف العادات بين القادمين الجدد وسكّان المدينة خلق أنماطاً جديدة في استخدام الشارع والمرافق العامة، خصوصاً في ما يتعلّق بالنظافة والازدحام والسلوك في المساحات المشتركة. لكنها لا تنظر إلى الأمر باعتباره مسؤولية طرف واحد؛ فالحرب، كما تقول، دفعت الجميع إلى حياة ضاغطة، وجعلت المدينة نفسها تختبر قدرةً غير مألوفة على الاحتمال.
على الجانب الآخر، ظلّت بورتسودان في الذاكرة السودانية القريبة (خلال عقد الـ2010) مدينةَ بحرٍ ورحلات، أكثر من كونها مدينةَ إقامةٍ قسريةٍ طويلة. وقد اشتُهرت ولاية البحر الأحمر بشواطئها وشعابها المرجانية، وكانت مدينتا بورتسودان وسواكن من أبرز الوجهات على الساحل، خاصةً في المواسم التي يصبح فيها الطقس ألطف. لكنّ المدينة التي اعتاد عليها الزائرون وجهةً موسميةً للبحر والهواء المالح، أصبحت فجأةً مأوىً طويلَ الأمد لأُسَرٍ خرجت من الخرطوم ودارفور ومدن أخرى، لا بحثاً عن السياحة، إنما عن الأمان والعمل والخدمات.
تحدّثت رفاء حسين، وهي نازحة من الخرطوم، عن تجربتها بعد وصولها قبل نحو ستة أشهر إلى بورتسودان، واستقرارها في السكن المشترك الذي توفّره مؤسستها الخاصة. تصف رفاء تجربة التنقل الأولى في المدينة بأنها سهلة وواضحة، حتى بالنسبة للقادمين من خارجها. تقول إنّ موقع السوق في منتصف المدينة ساعدها على فهم المكان والتجوّل دون الحاجة إلى حفظ الشوارع أو المعالم بالتفصيل. وتُشير رفاء إلى اختلاف بورتسودان عن بعض المدن التي مرّت بها خلال رحلة النزوح. فقد جاءت من الخرطوم، وانتقلت عبر عدة مدن في الولاية الشمالية، حيث كانت المواصلات، بحسب تجربتها، أكثر اعتماداً على وسائل محدودة وفردية مثل عربات التكتك والكارّو والعربات الصغيرة، ما جعل التنقّل أبطأ وأكثر تعقيداً. في المقابل، وجدت أنّ بورتسودان توفر مسارات أوضح وشوارع أسهل للفهم، وهو ما جعلها تتأقلم سريعاً مع المدينة رغم الضغط والازدحام.
في مدينة ارتبطت تاريخياً بالميناء والتجارة وحركة العبور، أصبح الضغط الحالي يكشف جانباً آخر من هشاشة المكان. لئن بُنيت بورتسودان مدينةً سكنيةً، فقد بُنيت أيضاً باعتبارها مدينةَ ميناءٍ تتحرّك حوله البضائع والعمّال والطرق والأسواق. ومع تحوّلها خلال الحرب إلى مركز إداري وإنساني وسكاني، تداخلت وظائفها القديمة مع وظائف جديدة لم تكن مهيأة لها بهذا الحجم.
غير أنّ سهولة قراءة المدينة لا تعني سهولة احتمالها. لقد بقيت بورتسودان أكثر هدوءاً من مدن سودانية كثيرة منذ اندلاع الحرب، لكنها وجدت نفسها لاحقاً أمام ضغط إضافي على منشآتها وخدماتها الحيوية. ومع تزايد أعداد السكّان والوافدين، لم تعد الكهرباء والمياه والوقود تفاصيل خدمية منفصلة عن سؤال الحركة، إنما أصبحت جزءاً منه: حين تتأثّر الكهرباء، تتأثر المستشفيات والمكاتب والمنازل، وحين يضطرب الوقود، تتباطأ المواصلات وترتفع تكلفتها، وحين تتأخر الخدمات، يصبح الطريق إلى العمل أو المدرسة أو السوق أطول، حتى إنْ بقيت المسافة كما هي.
وفي مدينة ارتبطت تاريخياً بالميناء والتجارة وحركة العبور، أصبح الضغط الحالي يكشف جانباً آخر من هشاشة المكان. لئن بُنيت بورتسودان مدينةً سكنيةً، فقد بُنيت أيضاً باعتبارها مدينةَ ميناءٍ تتحرّك حوله البضائع والعمّال والطرق والأسواق. ومع تحوّلها خلال الحرب إلى مركز إداري وإنساني وسكاني، تداخلت وظائفها القديمة مع وظائف جديدة لم تكن مهيأة لها بهذا الحجم. وبعد أن كان الميناء أكبر مركز للحركة، صارت المستشفيات ومكاتب المنظمات ومقار العمل والأسواق ومواقف المواصلات، كلها نقاط جذب وحركة يومية تضغط على الشوارع نفسها.
يظهر هذا الضغط في الزحام، وفي تبدّل الإحساس بالوقت. كانت المدينة تعرف ساعاتها الهادئة، أما الآن فقد تمدّد اليوم على نحو غير مألوف. تبدأ الحركة مبكراً، والعمل لا ينتهي عند وقت محدّد، والانتظار أصبح جزءاً من روتين الناس. وبين من يبحث عن وسيلة مواصلات، ومن ينتظر خدمة، ومن يحاول الوصول إلى عمله، تبدو المدينة كأنها تتحرّك طوال الوقت، حتى عندما تكون شوارع بعض أحيائها ساكنة.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا التحوّل بوصفه عبئاً صنعه النازحون وحدهم. فالوافدون إلى بورتسودان لم يصلوا إليها اختياراً، إنما دفعتهم الحرب إلى مدينة يبحثون فيها عن الأمان والعمل والخدمات. والسكّان الأصليون، بدَورهم، لم يفقدوا تعاطفهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع يوميّ أثقل من قدرة المدينة القديمة على الاحتمال. لذا، فإنّ التوتر الحقيقي ليس بين السكّان والوافدين، إنما بين مدينة محدودة الموارد وواقع سكّاني متسارع فرضته الحرب فجأة.
في هذا المشهد، تصبح الأرصفة والأسواق ومواقف المواصلات مساحات كاشفة تقول إنّ المدينة مزدحمة، لكنها تكشف أيضاً كيف تغيّرت استخداماتها. الرصيف الذي كان مخصّصاً للمشي قد يصبح مكاناً للانتظار أو عرض البضائع. الساحة الصغيرة قد تتحوّل إلى نقطة تجمّع. الطريق المعروف قد يحتاج وقتاً أطول. والمسافة التي كانت مألوفة لسكّان المدينة تصبح، مع التكدّس وارتفاع التكاليف، عبئاً يومياً جديداً.
تعكس الحركة الحالية في بورتسودان صراعاً هادئاً بين ذاكرة مدينة مُخطَّطَة تعرف إيقاعها، وواقع جديد فرضته الحرب والنزوح على سكّانها والوافدين إليها معاً. مثلما يكشف في هذا التداخل ازدحام الطرق، فإنه يكشف أيضاً تحولّات اجتماعية واقتصادية أعمق: كيف يتقاسم الناس المكان؟ كيف تتغيّر عادات السوق والشارع؟ وكيف تحافظ مدينة ساحلية، محكومة بالبحر والميناء والمناخ والخدمات، على روحها وسط هذا الضغط؟
ورغم أنّ المدينة تُظهر اليوم قدرة واضحة على الاستيعاب والتكيّف، إلا أنّ هشاشتها البنيوية تبدو أوضح: لم تفقد بورتسودان ملامحها؛ ما زالت تعرف رائحة البحر، وصوت السوق، وهدوء بعض الأحياء، لكنها لم تعد تتحرّك بالإيقاع القديم ذاته. وبين ذاكرة المكان وحركة القادمين الجدد، تبرز الحاجة إلى حلول طويلة الأمد: تنظيم أفضل للمواصلات والأسواق، حماية الأرصفة ومسارات المشاة، مراعاة ذوي الإعاقة، وتوسيع الخدمات بما يناسب واقعاً سكّانياً لم تعد المدينة قادرة على التعامل معه كحالة مؤقتة.



