على الجهة الجنوبيّة الغربيّة لمدينة القضارف، يرتفع مبنىً خرسانيٌّ ضخم يبلغ طوله ثلاثين متراً. ومن بعيد، قد يبدو محضَ كتلةٍ أسمنتيةٍ صامتة، لكنّ هذا الانطباع يتبدّد سريعاً مع حركة اللواري التي تنقل المحاصيل من المبنى وإليه، وضجيج عمّال العِتَالة وهم يتبادلون الهتافات ويُنشدون «جلالاتهم» الحماسيّة. وقد يبدو محضَ مبنىً للتخزين، لكنه أيضاً جزءٌ أساسيّ من دورة الحياة الاقتصادية في المدينة، وحافظ لذاكرة زراعية تراكمت على مدى نحو ستة عقود. هذه صومعة القضارف.
تُخزِّن الصومعة محاصيلَ زراعيةً متعدّدة، تشمل الذُّرة والسمسم والقمح وحَبّ البطيخ وزهرة الشمس والفول والكبكبي. وتبلغ سعتها 100 ألف طن، ما يجعلها الأكبر في السودان، إذ تستحوذ وحدها على نحو سُدس السعة التخزينيّة لصوامع البلاد، التي تبلغ مجتمعةً حوالي 650 ألف طن موزّعة بين عدة مدن، أبرزها بورتسودان وربك. وتشرف على هذه الصوامع جميعاً إدارة البنك الزراعي.
حمّالون يحملون المحاصيل في محيط الصومعة
تصوير: مراسل أتر
مع اتساع نطاق الزراعة شبه الآلية، تسارعت وتيرة التوسّع الزراعي بشدّة، فبعد أن كانت المساحات المزروعة لا تتجاوز خمسة آلاف فدان عام 1945، ارتفعت إلى 56 ألف فدان في منتصف الخمسينيات، ثم إلى 200 ألف فدان عام 1957. وخلال سنوات حكم الفريق إبراهيم عبود تجاوزت المساحات المزروعة مليون فدان.
أُنشِئت صومعة القضارف عام 1967 لتلبية الطلب المتزايد على تخزين المحاصيل، مع التوسّع الكبير في الزراعة المطرية شبه الآلية خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. وكان هذا النوع من الزراعة قد دخل السودان في عهد الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري، ضمن مساعي الإدارة الاستعمارية لتوفير احتياجات قوّاتها المشارِكة في الحرب العالمية الثانية بإثيوبيا وإريتريا.
لاحقاً، تعرّض هذا التوسّع الرأسمالي لانتقادات واسعة من باحثين واقتصاديين سودانيين، رأوا أنه قد غيّر أنماط الملكية الزراعية، وأسهم في الإضرار بالنشاط الرعوي، وتسبَّب في تدهور التربة والنظام البيئي.
بدأت الحكومة الاستعمارية بإنشاء مشروع زراعي في منطقة القَدَمْبَليّة، الواقعة على بعد نحو 48 كيلومتراً غربيّ القضارف، بمساحة بلغت 12 ألف فدان. وهناك أُدخلت الآلات الزراعية للمرة الأولى إلى هذا النوع من الزراعة، بعد أن كانت العمليات تُجرى يدوياً. ثم توسّعت المشاريع لاحقاً إلى مناطق أم بِليل وأم ليونة والعزازة صقورة. واعتمدت علاقة الإنتاج آنذاك على تقسيم الأدوار بين الحكومة والمزارعين: تتولّى الحكومة حرث الأرض وحصادها بالآليات مثل الجرّار والديسكي، بينما يتولّى المزارعون عمليات الكَدِيب، أي تنظيف الأرض من الحشائش، إضافة إلى قَطْع المحصول وجمعه. وكانت الأرباح تُقْسَم بينهما مناصفةً. لكنّ هذه التجربة لم تحقّق نتائج مُرضية للطرفين، بحسب ما أورده تيسير محمد علي في كتاب «زراعة الجوع في السودان»، ما دفع الحكومة لاحقاً إلى الانسحاب من القطاع الزراعي وترك إدارته للقطاع الخاص.
ومع اتساع نطاق الزراعة شبه الآلية، وانتقال ملكية المشاريع إلى المستثمرين والتجّار والموظفين الحكوميين وضباط الجيش، تسارعت وتيرة التوسّع الزراعي بشدّة. بعد أن كانت المساحات المزروعة لا تتجاوز خمسة آلاف فدان عام 1945، ارتفعت إلى 56 ألف فدان في منتصف الخمسينيات، ثم إلى 200 ألف فدان عام 1957، بعد إضافة مساحات جديدة إلى المشاريع الخاصة في النيل الأزرق جنوب غربيّ المشاريع الأولى بمنطقة القضارف. وخلال سنوات حكم الفريق إبراهيم عبود، أول نظام عسكري في البلاد، تجاوزت المساحات المزروعة مليون فدان.
حينها، كانت المحاصيل تُخزن بوسائل تقليدية، أبرزها «المطمورة»، وهي حفرة عميقة تُغطّى بالقشّ والرماد لحماية المحصول من الرطوبة، إضافة إلى «القطاطي»، وهي مبانٍ طينية دائرية مسقوفة بالقشّ. لاحقاً ظهرت فكرة الصوامع الحديثة، فشُيّدت صومعتا القضارف وبورتسودان.
صورة من داخل الصومعة
تصوير: مراسل أتر
عمل عبد الجليل شعيب داخل الصومعة لأربعين عاماً، تنقّل خلالها بين مواقع مختلفة حتى أصبح مدير التشغيل والمُلاحظ العام. يقول شعيب إنّ الهدف الأساسي من إنشاء الصومعة كان الحفاظ على المحاصيل الاستراتيجية للدولة وتقليل الفاقد، لأنّ كثيراً من المحاصيل كانت تتلف عند تخزينها بالطرق التقليدية.
ويشرح شعيب الهيكل الإداري للصومعة قائلاً: «هنالك المدير والمدير الفني، إلى جانب الوحدة الإدارية، والمالية، والأمن والسلامة. كما يوجد قسم التشغيل، وهو من أكبر الأقسام، لأنه مسؤول عن جميع العمليات المرتبطة بالمحصول من غربلة وتخزين ومناولة وفرز وتبخير. ولدينا أيضاً المعمل الفني، ويشرف على المحصول الداخل والخارج، والورش الميكانيكية ومحطة الديزل والمركز الصحي».
وتبدأ دورة التخزين عندما يتقدّم صاحب المحصول بطلب إلى إدارة الصومعة، بشرط ألا تقلّ الكمية المراد تخزينها عن 150 طناً، أي ما يعادل 1500 جوال. بعد ذلك يفحص المعمل المحصول للتحقّق من خلوّه من الإصابات الحشرية. وإذا اكتُشفت إصابات، تُجرَى عملية تبخير خارجي باستخدام المبيدات.
ويضيف أنّ بعض المحاصيل يمكن تخزينها لفترات طويلة تصل إلى 15 عاماً، باستثناء السمسم الذي لا يَحتمل التخزين لأكثر من سنتين بسبب احتوائه على مواد دهنية. كما أشار إلى تحويل مخزن قديم قرب الصومعة إلى مركز لغربلة «التسالي» وتجهيزه للتصدير، بعد التوسّع الكبير في زراعته أخيراً.
صورة من داخل الصومعة
تصوير: مراسل أتر
وبعد ضمان نظافة المحصول، يُؤخذ إلى الطرْنَادة «الميزان»، ثم إلى بناكر استلام المحصول داخل الصومعة، التي تتكوّن من ستة أبواب، وكلّ ثلاثة منها تمثل خطّ سير. وعند هذه الأبواب أحواضٌ مربوطةٌ بموتورات، يتحمّل كلٌ منها 30 طناً من المحصول (300 جوال). وبعد أن يمتلئ الحوض، يشغّل عمّال الصومعة سير الحوض ليرفعه إلى برج التشغيل، وفيه الروافع والغرابيل. والروافع سيور تمتدّ على طول العمود الخرساني بالصومعة، وفيها قواديس، وهي مواعين مناولة، تَرفع المحصولَ إلى الأعمدة الخرسانية، وهي مكان التخزين. وإذا كانت بالمحصول شوائب، يؤخذ قبل ذلك إلى الغربال.
وتضمّ الصومعة 144 أسطوانة تخزين، و96 «نجمة»، وهي الفراغات الواقعة بين كلِّ أربع أسطوانات. وتستوعب الأسطوانة الواحدة 600 طن، بينما تستوعب النجمة 150 طناً.
ويتحدّث شعيب عن المسائل الفنّية المتعلّقة بتخزين المحاصيل ومشكلات التخزين قائلاً: «نستلم الذُّرَة بأنواعها وحَبّ البطيخ وزهر الشمس والفول المصري والكبكبي والدخن والسمسم والقمح. ورغم أنّ القمح لا يُزرع في القضارف، إلا أنه يصل أحياناً إلى الصومعة عندما لا تكفي سعة صومعة بورتسودان».
ويضيف أنّ بعض المحاصيل يمكن تخزينها لفترات طويلة تصل إلى 15 عاماً، باستثناء السمسم الذي لا يَحتمل التخزين لأكثر من سنتين بسبب احتوائه على مواد دهنية. كما أشار إلى تحويل مخزن قديم قرب الصومعة إلى مركز لغربلة «التسالي» وتجهيزه للتصدير، بعد التوسّع الكبير في زراعته أخيراً.
ويخضع المحصول المُخزَّن لفحوصات دَورية كلّ ستة أشهر؛ لقياس نسبة الرطوبة، والتحقّق من خلوّه من الإصابات الحشرية. وإذا ظهرت إصابات، تُستخدم مادة فوسفيد الألومنيوم في عمليات التبخير داخل الصومعة، وهي مادة تنتج غازات سامّة تستدعي إغلاق الموقع لمدة 72 ساعة.
ويقول شعيب إنّ الذرة تُعدّ المحصول الأوسع تخزيناً في الصومعة حالياً، وإنّ الكمّيات المخزّنة تعود لتجّار ومزارعين كبار وشركات ومؤسّسات، بينها البنك الزراعي وبنك النيل وسيقا وبرنامج الغذاء العالمي (WFP)، الذي يعتمد على الصومعة في تخزين المواد الغذائية.



