أتر

عين على ديار المناصير: البحيرة التي أنارت السودان وغرقت في الظلام

منذ 23 سنة وحتى الآن لا تزال قضية أبناء المناصير قائمة. ومرت 17 سنة منذ أن ضحى أبناء المنطقة بقراهم وأراضيهم الزراعية لصالح قيام سد مروي وبحيرته التي بدأ ملؤها في عام 2008. قُدم المشروع حينها بوصفه مشروعاً قومياً لتوليد الكهرباء وإنعاش اقتصاد السودان بالطاقة، لكن المفارقة التي يرددها أهل محلية البحيرة بولاية نهر النيل اليوم بمرارة أن منطقتهم التي غرقت أراضيها من أجل الكهرباء لا تزال حتى الآن تَعيش في الظلام.

الأرض التي رفض أهلها الرحيل

عند توقيع الاتفاقيات عامي 2002 و2003 وبدء العمل في السد عام 2004 وضعت حكومة الإنقاذ خياراً وحيداً أمام المتأثرين بقيام السد البالغ عددهم 78 ألفاً، يسكنون في الحماداب وأمري وديار المناصير وأجزاء من مناطق الرباطاب. في حالة المناصير، وجُل المتأثرين بقيام السد منهم، قررت الحكومة إعادة توطينهم في مناطق بعيدة كل البعد عن أرضهم وتحديداً في منطقة المكابراب (المناصير الجديدة) بمحلية الدامر جنوب ولاية نهر النيل، ومنطقة الفداء بأبو حمد. قاوم السكان قرار الترحيل حتى قبل أن يبدأ العمل في السد في 2003، وبعد بداية ملء البحيرة وغرق قراهم في 2008. وفي 2009 بعد عام من غرق ديار المناصير رفض حوالي 68% منهم خيار الرحيل وتمسكوا بالبقاء على ضفاف البحيرة، بلا خدمات لكن في أرضهم. لم تكن القضية بالنسبة لهم مجرد انتقال من مكان إلى آخر، إنما كانت قضية هُويّة وميراث وأرض عاش فيها أجدادُهم. بعد قيام السد تصاعدت احتجاجات أبناء المنطقة وامتدّت لسنوات بعد افتتاح السد مُطالبين بحق «الخيار المحلي»، أي حقهم في البقاء داخل ديارهم الأصلية وإعادة توطينهم فيها بدلاً عن تهجيرهم بعيداً عنها، بحق (الخيار المحلي).

وفي 2012 خاض أبناء المناصير اعتصاماً استمر أربعة أشهر كاملة أمام أمانة حكومة ولاية نهر النيل بالدامر. وانتهى اعتصامهم باعتراف رسمي بالخيار المحلي، لكن ورغم الاعتراف الرسمي بقي التنفيذ متعثراً حتى اليوم.

توطين لم يكتمل

بحسب حجازي عبد الله حجازي، وهو ناشط مجتمعي ومن أبناء المنطقة المهتمين بتوثيق القضية، كان من المفترض أن تشمل عمليات التوطين إنشاء مساكن جديدة وتعويضات بأراضٍ زراعية لأهل المنطقة، الذين يعتمدون على الزراعة في معيشتهم وفقدوا أراضيهم عندما غمرتها مياه بحيرة السد. لكن بعد مرور كل هذه السنوات لا تزال المشاريع السكنية غير مُكتملة: هناك 500 منزل في منطقة أب حراز إلى جانب نحو 500 بمنطقة أب سرح يسكنها المعلمون فقط، و250 منزلاً بمنطقة أم سهيل ومثلها في منطقة الطوينة. جميع هذه المنازل غير مُكتملة وتفتقر إلى الخدمات، لذا لم ينتقل إليها أهل البحيرة ويرون أنها لا تكفي لاستيعاب سكان المنطقة المُمتدّة على عشرات القرى والمجالس. تنقسم محلية البحيرة إلى عدد من المجالس الأهلية يضمُّ بعضها خمس قرى بينما تصل أخرى إلى أكثر من 25 قرية ما يعكس اتساع المنطقة وكثافة مجتمعاتها المحلية.

يقول السكان، إن القضية لم تكن مجرد بناء بيوت، بل ينبغي أن تكون تعويضاً عادلاً عن حياة كاملة فقدوها، بما في ذلك الأراضي الزراعية التي لم تُعوِّضْهم الدولة عنها حتى الآن.

عقارب تخرج من الماء

بحسب إفادات أطباء وسكان محليين، فإن أكثر من 300 طفل توفّوا بسبب لدغات العقارب منذ إنشاء السد وحتى اليوم. يقول حجازي إنه رصد بنفسه وفاة 168 طفلاً في عدد من القرى بسبب لدغات الحشرات.

لم تقف آثار السد عند التهجير وتعثر التوطين، فبعد إقامة السد بدأت تظهر كوارث أخرى أبرزها الانتشار الكبير للعقارب والحشرات السامة في المنطقة. وبحسب إفادات أطباء وسكان محليين، فإن أكثر من 300 طفل توفّوا بسبب لدغات العقارب منذ إنشاء السد وحتى اليوم. يقول حجازي إنه رصد بنفسه وفاة 168 طفلاً في عدد من القرى بسبب لدغات الحشرات. يَروي حجازي تفاصيلَ البحيرة كأنها جرح مفتوح، ويقول إن الكارثة الحقيقية ليست فقط في العقارب، إنما في غياب أيّ استجابة صحية حقيقية تنقذ الأطفال.

ورغم وجود أكثر من عشرين مركزاً صحياً في محلية البحيرة، إلا أن أغلبها غير مؤهل على نحوٍ كامل، ويفتقر إلى الكهرباء. والمفارقة التي تؤلم السكان، أن السبب الرئيس في هذه المعاناة هو المشروع نفسه الذي أُنشئ لتوليد الكهرباء. ويلفت حجازي إلى أن المراكز التي بها كهرباء هي الموجودة في منطقتي أم سرح والطوينة، وأن هذه مناطق إدارية، وتوجد فيها إدارة محلية البحيرة. ويستشهد أبناء المنطقة دائماً بكلمات الشاعر محمد البرعي، عن الخزان الذي أنار السودان كله لكنه ترك أصحاب الأرض أنفسهم في الظلام، حين قال: «يعوسْ خزَّانَّا لي غِيرْنا ويجدَعْ لِينا شكلوكة * يعوس ياكلْ خلايقَ الله وبَلَدْنا يمسَحْبَها الدّوكة».

أمصال لا تصلح لإنقاذ الأطفال

لو حاولنا نودِّي الطفل المستوصف بيموت قبل نصل، وحتى لو وصلنا المصل بكون مدتو منتهية أصلاً.

ويقول أهالي البحيرة إن غياب الكهرباء انعكس مباشرة على حفظ الأمصال الخاصة بلدغات العقارب، إذ تَتلف في أحيان كثيرة بسبب سوء التخزين وانعدام ثلاجات مُناسبة وفي كثير من الحالات يصبح الوصول إلى العلاج مُستحيلاً قبل فوات الأوان.

ومن بين القصص التي لا تزال حاضرة في ذاكرة السكان قصة الطفل حسين علي حمزة الذي توفي وعمره تسع سنوات فقط، بلدغة عقرب عام 2015 في قرية الجابية بجزيرة بوني. يروي شقيقه محمد حسين علي حمزة تفاصيل وفاته قائلاً إن أقرب مركز صحي يبعد ساعتين كاملتين عن القرى الأربع المُكوِّنة لجزيرة بوني، وهي جزيرة مُحاطةٌ بالنيل من جميع الاتجاهات، ولا يوجد بها أيُّ مركز صحي. ويقول محمد حسين، إن الأهالي غالباً ما يلجأون للعلاج البلدي باستخدام البصل والزنجبيل والليمون وبعض الأعشاب، لأن محاولة نقل الطفل إلى المركز الصحي تعني غالباً أن الموت سيكون أسرع من الوصول إلى المصل. ويُضيف بحسرة: «لو حاولنا نودِّي الطفل المستوصف بيموت قبل نصل، وحتى لو وصلنا المصل بكون مدتو منتهية أصلاً».

وبما أن جزيرة بوني لا تُوجد بها مراكز صحية، تتضاعَفُ مشقَّة أهلها خلال فصل الخريف، فالخروج من الجزيرة يَصْعُبُ حتى يكاد يستحيل بسبب العواصف والفيضانات، إذ يعتمد السكان على العبّارات والمراكب للوصول إلى منطقة مروي لتلقي العلاج وهي رحلة قد تستغرق أربع أو خمس ساعات وربما أكثر أثناء فصل الخريف، وفي كثيرٍ من الأحيان تنقطع القرى تماماً عن العالم الخارجي.

مدارس تنهار وطلاب يبتلعهم التعدين

يقول أستاذ أحمد إن التعليم يواجه أيضاً نقصاً حاداً في المعلمين، فمنذ بداية حرب أبريل أحيل 51 معلماً إلى المعاش بينما عُين 17 معلماً فقط، ناهيك عن 23 معلماً آخرين سيُحالون إلى المعاش خلال العام المقبل. ولا تقف الأزمة عند المعلمين فقط، إذ تعاني المدارس من نقص كبير في الكتب المدرسية لدرجة أن الفصل الواحد قد يحتوي على كتاب أو كتابين فقط.

لا تختلف صورة التعليم كثيراً عن بقية الخدمات في البحيرة. في 15 أغسطس 2018 شهدت محلية البحيرة حادثاً مأساوياً حين غرق 24 تلميذاً أثناء عبورهم النيل للوصول إلى مدارسهم، وهي حادثة هزَّت البلاد ووصل صداها إلى العالم. وفي بعض الأحيان لا يجد التلاميذ والطلاب بُدّاً من ركوب القوارب للوصول إلى مدارسهم.

بحسب مدير التعليم بمحلية البحيرة، الأستاذ أحمد محمد علي، فإن المحلية تضمُّ ما يُقارب خمسين مدرسة أساس وخمس مدارس ثانوية فقط، لكن أغلب هذه المدارس تعاني من تدهور حاد في البيئة المدرسية، فالفصول مُنهارة والمباني غير مُكتملة، ويصفها الأستاذ بأنها بيئة لا تصلح للدراسة. ويضيف أنه في بعض المدارس لا تُوجد فصول مُكتملة لاستيعاب الطلاب ما يضطرُّ الإدارة إلى تدريس صفوف في عام والأخرى في العام الذي يليه؛ مثلاً يدرس الفصل الأول والثالث والخامس هذا العام، وفي العام المقبل يدرس الصف الثاني والرابع والسادس. ويوضح أن هناك بوادر للتحسن حيث شيد صندوق تنمية المحليات بولاية نهر النيل أربع وحدات (فصلين ومكتبين) في بعض المدارس.

يقول أستاذ أحمد إن التعليم يواجه أيضاً نقصاً حاداً في المعلمين، فمنذ بداية حرب أبريل أحيل 51 معلماً إلى المعاش بينما عُين 17 معلماً فقط وهو رقم لا يغطي العجز الحالي، ناهيك عن 23 معلماً آخرين سيُحالون إلى المعاش خلال العام المقبل، ويضيف: «ما عارف حنعوض العجز دا كيف». ولا تقف الأزمة عند المعلمين فقط، إذ تعاني المدارس الثانوية ومدارس الأساس من نقص كبير في الكتب المدرسية لدرجة أن الفصل الواحد قد يحتوي على كتاب أو كتابين فقط، خاصة الفصل السادس، لافتاً إلى أن المرحلة المتوسطة لا تواجههم بها مشكلة في نقص الكتب فهي مكتملة. لكن أخطر ما يهدد التعليم في البحيرة بحسب مدير التعليم هو ظاهرة التسرُّب المدرسي المرتبطة بالتعدين الأهلي، إذ إن كثيراً من الطلاب الذكور يَتركون الدراسة تدريجياً للعمل في التعدين. ويشرح الأستاذ أحمد أنه في بداية العام الدراسي يكون في الصف الثالث الثانوي 70 طالباً وطالبة، ثم يتناقص العدد تدريجياً، فإذا كان عدد الطلاب 40 والطالبات 30 في بداية العام، يتناقص عدد الطلاب إلى 25 ومع حلول امتحان الشهادة الثانوية يتبقّى 10 طلاب فقط. ويرى أن ضعف البيئة المدرسية والفقر والتعدين جميعها عوامل تدفع الطلاب بعيداً عن مقاعد الدراسة.

عقدان من الانتظار

اليوم وبعد مرور 23 عاماً على إنشاء السد، يقول أبناء البحيرة إن قضيتهم لا تزال بلا حل جذري. يرى أهالي البحيرة أن حل مشكلاتهم جميعها بما فيها لدغات العقارب يكمن في التوطين وتوصيل الكهرباء. ويقول حجازي إن ولاةً كثراً مرّوا على ولاية نهر النيل، لكن قضية البحيرة لم تُحل، بل ازدادت سوءاً. ويُضيف حجازي أن مخاوفهم تجدَّدَتْ بعد ظهور خُططٍ جديدةٍ للتعدين الأهلي داخل المحلية في مايو 2026، وهو ما قابله أهالي البحيرة برفض تام لأنهم ما زالوا يعانون من آثار السد حتى اليوم ولا يُريدون كارثة جديدة فوق الكوارث القديمة. وبالنسبة لهم ليست ديارهم مجرد منطقة غمرتها المياه، إنما حكاية مجتمع كامل لا يزال يقاوم من أجل حقه في الحياة.

Scroll to Top