أتر

مدينة تعيد اختراع نفسها: نموّ الأعمال الصغيرة في بورتسودان

احتضن مركز دراسات السلام، بجامعة البحر الأحمر في مدينة بورتسودان، منتدىً حوارياً نظّمه فريق زمالة مركز سودان فاكتس للصحافة، يوم 30 أبريل 2026، حمل عنوان «نموّ الأعمال الصغيرة في العاصمة الإدارية المؤقتة»، جامعاً بين أصحاب أعمال ومهنيين من خلفيات وتجارب مختلفة؛ مقيمين ونازحين، نساءً ورجالاً، مشاريع بدأت قبل الحرب وأخرى وُلدت داخل ظروفها القاسية.

لم يكن المنتدى نقاشاً اقتصادياً تقليدياً بقدر ما كان محاولةً لفهم المدينة نفسها وهي تتغيّر أمام سكّانها والقادمين إليها معاً. كيف تبدو المدينة حين تُجبَر على التغيّر فجأة؟ وماذا يحدث عندما تتحوّل مدينة ساحلية هادئة إلى مركز مزدحم بالأفكار الجديدة، والوجوه الجديدة، ومحاولات النجاة اليومية؟ هل جاءت الأعمال الصغيرة إلى بورتسودان استجابةً مؤقّتةً للحرب فقط، أم أنها بدأت فعلياً في إعادة تشكيل السوق والشارع وحتى العلاقات الاجتماعية داخل المدينة؟

حمل 12 مشاركاً ومشاركةً في المنتدى تنوّعاً واضحاً في التجارب والأعمار والخلفيات؛ فمن صفاء محمد علي خبيرة التجميل، إلى عائشة أحمد الاختصاصية النفسية بمستشفى الصحة النفسية، مروراً بميادة الحسن صاحبة «قرنفلة هاند كرافت» للمصنوعات الجلدية، ورزاز إدريس مؤسِّسة «سمر الليل ستور»، وتعمل في صناعة طِرَح بتصاميم مبتكرة، وحنين إيهاب العاملة في تنظيم الفعاليات والتسويق، إلى جانب خيّاطات وطاهيات وصاحبات مشاريع منزلية وشباب دخلوا مجالات الضيافة والتسويق وتنظيم المناسبات؛ يربط بينهم جميعاً خيطٌ مُشتركٌ وهو: محاولة بناء شيء جديد داخل مدينة تغيّرت بسرعة أكبر من قدرة الناس على استيعابها.

ناقش المشاركون كيف كان شكل السوق في بورتسودان – قبل الحرب – مختلفاً تماماً عما هو عليه الآن. إذ اعتادت المدينة على أنماط محدّدة من الأعمال، يغلب عليها الطابع الذكوري، مثل القهاوي والخياطة وبعض الأعمال التجارية التقليدية، بينما بقيت كثيرٌ من أعمال النساء محصورة داخل المنازل في مجالات الحنّاء والتجميل والطهي والأعمال اليدوية. لكنّ الحرب، وما تبعها من نزوح واسع وتحوُّل بورتسودان إلى عاصمة إدارية مؤقتة، دفعت المدينة إلى شكل جديد من الحركة الاقتصادية. ظهرت مشاريع جديدة، وتوسّعت أعمال منزلية، وخرجت النساء إلى السوق بكثافة مشهودة، كما تغيّر شكل الشوارع نفسها؛ من مدينةٍ تُوصَف بالهدوء والركود إلى شوارع مزدحمة بالحركة والقهاوي والأنشطة الصغيرة.

ميادة الحسن، صاحبة «قرنفلة هاند كرافت»، كانت من أكثر الأصوات تعبيراً عن هذه التحوّلات. تحدّثت عن رحلتها الطويلة لاستعادة ورشتها بعد فقدان كلّ شيء في الخرطوم، وكيف احتاجت إلى سنة ونصف تقريباً لتبدأ من الصفر داخل بورتسودان. شرحت ميادة كيف بحثت عن مصادر جديدة للمواد الخام، واكتشفت وجود تجّار محليين للجلود في سوق ديم عرب، لكنها واجهت مشكلة اختلاف جَودة وسُمْك الجلود المتوفرة، الأمر الذي دفعها للاعتماد على المواد المحلية في بعض التفاصيل فقط، مع استيراد الجلود المناسبة من مصر رغم تكلفتها العالية.

لكنّ التحدي الأكبر بالنسبة لها لم يكن تقنياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً. قالت خلال المنتدى: «أنا ما جاية أشيل شغل زول»، جملة قصيرة اختصرت مُحاولتها للاندماج داخل السوق المحلي دون أن تُفهَم بأنها تحدٍّ للمجتمع المضيف أو تهديد للأعمال القائمة. وهو شعور تكرّر بأشكال مختلفة لدى أكثر من مشارك، خاصة بين الوافدين إلى المدينة بعد الحرب. ورغم ذلك، أشارت ميادة إلى أنّ التغيير لم يكن سلبياً بالكامل. فبعد الحرب أنشئت لأول مرة جمعية لمصنّعي الجلود، وانضمّ إليها نحو خمسين شخصاً، في محاولة لتحويل التنافس إلى تعاون وتنظيم مهني داخل المجال.

ناقش المنتدى أيضاً التغيُّر الكبير في أدوات التسويق والعمل. مع ارتفاع أسعار الطباعة، واختفاء كثير من الخدمات، اتّجه العديد من أصحاب المشاريع إلى التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبيع بالتوصيل، ولجأ آخرون إلى تصنيع أدواتهم الخاصة في ورش محلية أو استيرادها لتقليل التكلفة. وبينما رأى بعضُ الحضور أنّ السوق أصبح أكثر تنوّعاً وفرصاً، وصفه آخرون بأنه أكثر ازدحاماً وفوضى، خاصة مع دخول أعداد كبيرة من المشاريع الجديدة دون تنظيم واضح. كذلك تحدّث المشاركون عن التحوّل النفسي الذي أصاب سكان المدينة؛ فكثير من الأعمال لم تَعُد محض وسائل للربح، بل أصبحت محاولة لإيجاد الاستقرار وسط القلق وعدم اليقين.

ظهر هذا المعنى بوضوح في ختام المنتدى، خلال الحوار الذي جمع بين محمد فايز، مؤسس «قولدن وينقز» للخدمات والضيافة، والاختصاصية النفسية عائشة أحمد. تحدّث محمد عن تجربته في إدخال مفهوم جديد نسبياً إلى بورتسودان، قائم على الضيافة الحديثة، وتنظيم الفعاليات والمُنتديات والورش، بطاقم احترافي ومُنظّم. وصَف كيف واجهت فكرته تهميشاً في البداية، بسبب عدم اعتياد المدينة على هذا النوع من المشاريع، وكيف خاطر بكُلِّ ما يملك في تنظيم البازارات والفعاليات. قال إنّ كثيرين نصحوه بالتخلِّي عن حلمه والاتجاه إلى أعمال «مضمونة»، وإنه مرّ بلحظات كان مستعداً فيها للتخلّي عن المشروع.

لكنّ عائشة أحمد أعادت قراءة حديثه من زاوية مُختلفة، إذ قدّمت تحليلاً نفسياً لتجارب المشاركين، مُعتبرةً أنّ الحرب، رغم قسوتها، دفعت كثيراً من الناس إلى الحركة والتطوّر. وشرحت أنّ الإنسان أحياناً لا يتحرّك ما دام مستقراً، بينما يدفعه القلق والخوف وعدم وضوح المستقبل إلى البحث عن طرق جديدة للبقاء والنمو. واستخدمَت قصص محمد وميادة وغيرهما لتوضيح فكرتها حول قدرة بعض الأشخاص على تحويل اللحظات القاسية إلى دوافع إيجابية. قالت إنّ بورتسودان نفسها كانت مدينة هادئة نسبياً، لكنّ الحرب بما صاحبها من اضطراب «حرّكت الجميع»، ليس الوافدين فقط، بل حتى المقيمين الذين وجدوا أنفسهم مضطرّين لإعادة التفكير في أعمالهم ومستقبلهم وخططهم الاقتصادية.

وفي لحظة بدت وكأنها تُلخّص روح المنتدى بالكامل، تحوّل الحديث من السوق والأرباح والمنافسة إلى حديث عن الإنسان نفسه؛ عن الخوف والتأقلم والرغبة في النجاة، ومُحاولة صنع معنى جديد للحياة وسط الفوضى.

لئن روَى الحضور قصصهم خلال رحلة العمل، فقد كان المنتدى أيضاً محاولة للبحث عن إجابات نهائية ومساحة لفهم مدينة تتغيّر بسرعة، وسكّان يحاولون إعادة تعريف علاقتهم بالعمل والاستقرار والمستقبل. وربما لهذا السبب، لم يخرج الحضور بصورة واحدة عن بورتسودان، بل بعدّة صور متداخلة؛ مدينة مُرهَقةٌ بالحرب، ومُزدحمةٌ بالتناقضات، لكنها أيضاً تتحرُّك وتتعلّم كيف تعيد اختراع نفسها كل يوم.

Scroll to Top