أتر

التسرّب المدرسي في نهر النيل: مستقبل يتلوّى في قبضة الحاضر

نظّم فريق زمالة مركز سودان فاكتس للصحافة، في يوم 11 أبريل 2025، منتدىً حوارياً بعنوان «التسرّب المدرسي في ولاية نهر النيل» استضافه مركز الليدر للتدريب في مدينة عطبرة. ضمّ المنتدى أساتذةً وأولياء أمور ومديرة إدارة رعاية الطفولة بوزارة الرعاية الاجتماعية ومحام، وكان عدد الحاضرين 12 مشاركاً ومشارِكةً. وعزا معظم الحضور أسباب انتشار ظاهرة التسرّب المدرسي في الولاية إلى المحيط الاجتماعي، والحالة الاقتصادية العامة، إذ ينقطع الفتية عن الدراسة بحثاً عن عمل لتحسين وضع أسرهم، ويتّجه بعضهم إلى العمل في التعدين الأهلي المنتشر في ولاية نهر النيل.

يَروي الطفل رزق الله الطاهر، البالغ من العمر 13 سنة، خلال المنتدى، تفاصيل خروجه من التعليم واتجاهه إلى العمل قائلاً إنه كان يَدرُس بمدرسة الوحدة بمدينة عطبرة قبل أن يُنقَل إلى مدرسة كمبوني، حيث فوجئ بقرار إعادته من الصف الخامس إلى الصف الثالث بسبب تدنّي مستواه الأكاديمي، ما شكّل صدمة كبيرة له ودفعه إلى ترك الدراسة كلياً. بعد تسرّبه، اضطرّ رزق الله إلى العمل في غسيل السيارات، لمساعدة نفسه في مواجهة ظروف المعيشة، في واقع يعكس التحديات التي تواجه عدداً من الأطفال الذين يجدون أنفسهم خارج مقاعد الدراسة.

أوضح المعلّم أحمد سليمان بمحلية بربر أنّ ظاهرة التسرّب المدرسي في ولاية نهر النيل تعود إلى عدة أسباب، في مقدّمتها الظروف الاقتصادية، وضعف متابعة أولياء الأمور لأبنائهم. وأشار إلى أنّ بعض البيئات المدرسية طاردة، وتُسهم في ابتعاد التلاميذ عن الدراسة، إلى جانب تأثير الأقران، وسعي بعض الطلاب إلى تحقيق دخل سريع. وأضاف أنّ نِسَب التسّرب تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ تقلّ داخل المدن وتزداد في المناطق الطرفية والمُجاوِرة للمدينة.

وقالت المعلّمة نسيبة محمد عثمان، وهي معلّمة بمناطق الرّحل، إنّ الظروف الاقتصادية وطبيعة البيئة في مناطق الرحّل تُعدّ من أبرز أسباب التسرّب المدرسي. وأشارت إلى أنّ ضعف اهتمام بعض الأسر بالتعليم يؤثّر على استمرار التلاميذ، لافتةً إلى أنّ بعض المعلّمين يُواجهون صعوبةً في توعية الطلاب بأهمية التعليم، في ظلّ قناعة بعض الأهل بأنّ دَور المُعلِّم يَقتصر على تدريس المنهج المُقرَّر. وذكرت تجربةً لها في منطقتي قوز المناصير والريضان بمحلية عطبرة، حيث كان عدد التلاميذ في الصف السادس 22 تلميذاً، جلس منهم للامتحان 9 تلاميذ، ونجح تلميذ واحد بعد جهود كبيرة بذلها المعلّمون، بينما تسرّب الباقون واتجهوا إلى العمل في التعدين أو رعي الحيوانات.

وقالت النعمة الرشيد، وهي وليّة أمر لطالب متسرّب عن التعليم بولاية نهر النيل، إنّ ابنها ترك الدراسة واتجه إلى العمل في التعدين، ولم يكتفِ بذلك بل أصبح يسعى إلى منع شقيقته من مواصلة دراستها، مُعتبراً أنّ المرحلة الثانوية تُمثّل الحدّ الكافي لتعليمها، وهو ما يعكس، على حدّ قولها، تأثير البيئة الاجتماعية المحيطة به ونمط التفكير السائد في بعض المجتمعات. وأشارت إلى أنّ العوامل الاقتصادية، والحاجة إلى العمل، من أهم العوامل التي تُسهم في التسرّب المدرسي، كما أشارت إلى أنّ ضعف التواصل بين الآباء والأبناء يُسهم في تزايد الظاهرة.

كشفت الاختصاصية النفسية د. فاطمة السر، أنّ ظاهرة التسرّب المدرسي في ولاية نهر النيل ترتبط بعدد من العوامل المتداخلة، في مقدّمتها التفكّك الأسري، وضعف متابعة الأبناء، إلى جانب غياب البيئة الدراسية الجاذبة. وأوضحت أنّ البيئة المحيطة تؤدّي دَوراً كبيراً في دفع التلاميذ لترك الدراسة، بخاصة في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة، وحالات النزوح والتنقّل المستمرّ من مدرسة إلى أخرى، ما يُؤثّر سلباً على استقرار العملية التعليمية.

وأشارت إلى أنّ التسرّب المدرسي لا يتوقّف عند حدود التعليم، إنما يمتدُّ إلى آثار نفسية واجتماعية كبيرة، إذ إنّ المتسرّب قد يشعر بالدونية مع تقدّمه في العمر، خاصة عندما يجد نفسه أقلّ من أقرانه في فرص العمل والتعليم. وأضافت أنّ هذه المشاعر قد تتطوّر إلى إحباط وضغوط نفسية، وقد تصل إلى حالات اكتئاب، فضلاً عن انعكاسات أخرى سالبة، مثل زيادة معدّلات تعاطي المخدرات، وانتشار الجريمة، وعمالة الأطفال، وظهور أطفال الشوارع.

من الجانب القانوني، يرى المحامي تاج السر الخضر أنّ ظاهرة التسرّب الدراسي لم تعد مقتصرة على مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، بل امتدّت لتشمل حتى من صمدوا ووصلوا إلى المرحلة الجامعية؛ في تطوّر يعكس عمق الأزمة التعليمية في السودان. ويَعزو الخضر أسباب التسرّب إلى عدة عوامل، أبرزها الفقر ونقص الكوادر التعليمية، إلى جانب تأثير الحرب، فضلاً عن البيئة المدرسية غير الجاذبة مثل اكتظاظ الفصول. ولم يَقتصر الأمر على تسرّب الطلاب، بل وصل إلى «تسرّب المعلّمين» أنفسهم، بحسب وصفه، نتيجة ضعف الرواتب، ما يَدفعهم للاتجاه نحو المدارس الخاصة أو غيرها باحثين عن دخل أفضل، واستدلّ على ذلك بمعلّم يعمل بدرداقة في سوق عطبرة لتأمين احتياجاته المعيشية.

ويؤكّد الخضر أنّ التعليم يُعدّ حقاً أساسياً من حقوق الإنسان دون تمييز، مشيراً إلى أنّ هذا الحقّ مكفولٌ في القانون الدولي عبر مواثيق مثل الإعلان الدولي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل. غير أنه يرى أنّ هذه القوانين الدولية معطَّلة وتفتقر إلى آليات إلزام حقيقية، إلى جانب تأثرها بطابع غربي قد لا يراعي ثقافات بعض الدول. أما في الإطار المحلي، فيوضح أنّ السودان يَعتمد على قانونَيْن أساسيَّيْن يُنظّمان حقّ التعليم، هما قانون تخطيط التعليم العام وتنظيمه لسنة 2001 بتعديلاته، وقانون الطفل لسنة 2010. وينصُّ قانون تخطيط التعليم العام على إلزامية ومجانية التعليم في المرحلة الابتدائية مع فَرْض عقوبات وغرامات على من يمتنع عن تعليم أبنائه دون عذر مقبول. إلا أنّ الخضر يشير إلى أنّ مجانية التعليم لا تتحقّق فعلياً على أرض الواقع، بل بات أمرها أصعب، إذ أدّى الاستثمار في التعليم إلى إضعاف المدارس الحكومية. وانتقد الخضر غياب معالجات واضحة لقضية التسرّب في قانون تخطيط التعليم العام. وفي ما يتعلّق بقانون الطفل أشار إلى أنه نصَّ صراحةً على حقّ الطفل في التعليم، مثل ما ورد في المادة (5هـ)، لكنه يرى أنّ تطبيق هذا القانون يتطلب التزام الدولة بتوفير تعليم مجاني حقيقي، إلى جانب تأهيل المعلّمين وتحسين أوضاعهم، باعتبارهما شرطين أساسيين لضمان استمرارية العملية التعليمية والحدّ من ظاهرة التسرّب المدرسي.

أوضحت رشيدة عطا المنّان، مديرة إدارة الرعاية والطفولة في وزارة الرعاية الاجتماعية بولاية نهر النيل، أنّ ظاهرة التسرّب المدرسي في الولاية تعود إلى جملة من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وأشارت إلى أنّ الفقر يؤدّي دَوراً رئيساً، إلى جانب ضعف متابعة الأُسَر، بخاصة في المناطق الريفية، حيث يقلّ الاهتمام بتعليم الذكور، إضافة إلى عدم رغبة بعض التلاميذ أنفسهم في مواصلة التعليم. ولفتت إلى أنّ البيئة المدرسية تُعدّ عاملاً مؤثراً؛ موضحةً أنّ المُعاملة السيئة والتنمّر والعقاب المدرسي من أبرز أسباب التسرّب، وأنّ عدداً كبيراً من الطلاب تركوا الدراسة بسبب أساليب العقاب داخل المدارس.

وفي ما يتعلّق بدَور الرعاية الاجتماعية، أكّدت رشيدة أنّ من أهمّ الحلول، للحدّ من الظاهرة، توفير مرشدين نفسيّين واجتماعيّين داخل المدارس، مشيرةً إلى أنّ التجارب العالمية أثبتت نجاح هذا النموذج في دعم الطلاب وتقليل التسرّب. وأضافت أنّ الولاية طبّقت هذه التجربة بالفعل، وحققت نتائج إيجابية في بدايتها، إلا أنها لم تستمر بسبب الضغط الكبير على المعلّمين الذين كُلّفوا بأدوار مزدوجة ليصبحوا مُعلّمين ومُرشدين في الوقت ذاته.

وكشفت مديرة إدارة الرعاية والطفولة بولاية نهر النيل عن غياب إحصائيات دقيقة ومحدَّثة حول نِسَب التسرّب المدرسي، موضحةً أنّ آخر بيانات أتاحتها وزارة التربية والتعليم، في مطلع أبريل (الماضي) تُشير إلى أنّ نسبة التسرّب المدرسي في المرحلة الابتدائية بلغت 5%، بينما وصلت إلى 7% في المرحلة الثانوية للعام الدراسي 2025–2026. وأكّدت أنّ الظاهرة تتفاوت بين محليات الولاية، حيث تبرز بكثرة في محليتي أبو حمد وبربر، حيث تنتشر أنشطة التعدين الأهلي بكثافة، ما يحضّ الطلاب على ترك الدراسة والالتحاق بالعمل.

ركّزت توصيات المنتدى على الجوانب التربوية والقانونية والإعلامية، بمشاركة مختصين في مجالات الرعاية الاجتماعية والقانون والصحة النفسية. في محور الرعاية الاجتماعية، أوصت رشيدة عطا المنّان بضرورة تعيين مرشدين نفسيين داخل المدارس، والتشديد على منع العقاب المدرسي؛ لما له من آثار سلبية تدفع الطلاب إلى ترك الدراسة. وفي المحور الإعلامي، دعا الصحافي السموأل حسن إلى إنشاء إعلام متخصّص في قضايا التعليم من خلال برامج تناقش مشكلات القطاع التعليمي وتَستضيف خبراء ومختصّين، وإلى تنفيذ حملات توعوية تسلّط الضوء على مخاطر عمالة الأطفال وعلاقتها بالتسرّب المدرسي. وفي المحور القانوني، أوصى المحامي تاج السر الخضر بتحسين الوضع المادي للمعلّمين، وضمان مجانية التعليم في مرحلتي الأساس والثانوي، وبوضع قانون واضح ومخصّص لمعالجة ظاهرة التسرّب المدرسي، وبالعمل على تعديل قانون الطفل لسنة 2010 بما يتلاءم مع التحديات الراهنة. أما في المحور النفسي، فقد حذّرت الاختصاصية النفسية دكتورة فاطمة السر من التداعيات الخطيرة للتسرّب المدرسي، مشيرةً إلى ارتباطه بزيادة معدّلات الجريمة وانتشار عمالة الأطفال، مؤكّدةَ على ضرورة تعيين اختصاصيّين نفسيّين داخل المدارس لمتابعة الطلاب ومعالجة مشكلاتهم. وتعكس هذه التوصيات أهمّية التكامل بين الأدوار التربوية والإعلامية والقانونية والنفسية للحّد من الظاهرة ومعالجة أسبابها من جميع الجوانب.

Scroll to Top