أقام فريق زمالة مركز سودان فاكتس للصحافة منتدىً حوارياً بعنوان «أزمة المياه في القضارف»، في يوم 17 أبريل 2026، وعُقد بدار منتدى شروق الثقافي في القضارف بمشاركة 8 حاضرين من المهتمّين والمختصّين بمياه مدينة القضارف. وشمل الحضور رئيسَ المسار الرابع في لجنة مشروع الحلّ الجذري لمياه القضارف التابعة لوزارة المالية، وناشطةً نسويةً تَسكن بحي الميدان، وناشطاً مجتمعياً من حي ديم النور، وعاملاً من هيئة مياه القضارف (40 عاماً في الخدمة). ناقش المنتدى الخلفية التاريخية لأزمة المياه في القضارف، منذ عهد الرئيس جعفر نميري، وخطة حكومة الإنقاذ لمُعالجتها بتوصيل خط مياه من خزان ستيت في أعالي نهر عطبرة ليَخدم مدينة القضارف والقرى المُحيطة بها، كما ناقش التعثّر الذي صاحبَ هذا المشروع. تحدّث الحضور عن العبء المالي لشراء المياه وعن غياب الشفافية من الحكومة حول أزمة المياه وتعثُّر حلولها.
استهلّ الحديث في المنتدى نور الدين محمد، وهو رئيس المسار الرابع في لجنة مشروع الحلّ الجذري لمياه القضارف التابعة لوزارة المالية، وهو المشروع الذي بدأ في 2015 لكنه تعثّر مراراً مع دعوات وتوجيهات رسمية ومساعٍ مُستمرَّة لاستكماله. قدَّم نور الدين رصداً عاماً لطبيعة الأزمة واتجاهات الحلّ قائلاً: «استغرقت أزمة مياه القضارف وقتاً أطول من اللازم، وكان من الممكن حلُّها منذ وقت طويل، لكنّ السياسات الحكومية الخاطئة في السنوات السابقة جعلتها مُستعصية. وقد شغلت الأزمة حيزاً كبيراً في خطابات الولاة، لكن سريعاً ما كانت تُرمى في الأدراج. وتكمن المشكلة في أنّ صلاحيات تنفيذ مشروع توصيل المياه قد نُقلت من حكومة ولاية القضارف إلى وحدة تنفيذ السدود التي كانت تتبع لرئاسة الجمهورية مباشرة. وقرر البنك الإسلامي للتنمية تقديم منحة لكي تُعطى إلى شركة مقاولة صينية تتولّى مدّ شبكة توصيل الخطّ الناقل من سد ستيت إلى مدينة القضارف. ويمرّ الخطّ بـ 25 قرية بمحلية وسط القضارف، ويصل إلى الخزان الموجود بجبل قرية الشميلياب، الذي يبلغ ارتفاعه 676 متراً فوق مستوى سطح البحر الأبيض المتوسط كأعلى منطقة في القضارف، وخزان جبل الجيش. لكنّ السداد المالي للشركة المُقاوِلة تأخَّر فتوقّف مشروع مد الشبكة بعد أن شارف على الانتهاء. وفي مشروع الحلّ الجذري الذي يجري العمل على استكماله، قُسّمت القرى الخمس والعشرون إلى ستة مسارات، وعلى رأس كلّ مسار رئيس».
وفي تفصيل المسارات قال نور الدين محمد، إنّ المسار الأوّل يضمّ قرى الشميلياب والحرية والحسينات والعضل وحلة حسن وود السيد وود الشرفة، وفي هذا المسار جرى توصيل 6 كيلومترات من أصل 18 كيلومتراً و942 متراً. ويضمّ المسار الثاني قرى أم شجرة ورفاعة والرواشدة وقرية دار الزين وود الناير وود كابو والعزازة المحطة، بطول 33 كيلومتراً و340 متراً، والمسافة التي نُفذت فيه 5 كيلومترات. ويضمّ المسار الثالث قرى غبيشة وحلة عمر ودلسة وأم شجيرة والعمارة، بطول 21 كيلومتراً و942 متراً لم ينفّذ فيها التوصيل بعد. يمرّ المسار الرابع بقرى عد الطين وحلة الشيخ وودعلي وأم سنيبرة والكراديس القديمة، وقد جرى استلام الأنابيب لهذا المسار بطول 3 كيلومترات و96 متراً لكن لم يُنفّذ توصيلها بعد. ويمر المسار الخامس بقرى القويعد والهجوكات، وقد أدمج مع المسار الرابع، ولم يُنفذ بعد. وبالمثل لم يُنفذ المسار السادس الذي يشمل داخل مدينة القضارف و18 حياً طرفياً ببلدية القضارف.
وفي ما يتعلق بالشبكة الداخلية لمدينة القضارف وأحيائها، قال نور الدين محمد، إنّ الحكومة قد استعانت بالهيئة الاستشارية لجامعة الخرطوم، لتدعيم الجانب العلمي للمشروع ومدّ الشبكة الداخلية، من جبل الجيش إلى أحياء المدينة. وقال في شأن تنفيذ المشروع: «تفاوضت الحكومة لتنفيذ المشروع قبل الحرب مع شركة الخندقاوي، وقد طلبت مبلغ 12 مليار جنيه سوداني، بينما عرضت الحكومة مبلغ 9 مليارات جنيه. والمحاولة جارية للوصول مع الشركة إلى اتفاق نهائي». واقترح أن يُسهم سكّان القضارف مع الحكومة في سداد هذا المبلغ، معلّلاً ذلك بأنّ السكّان يستهلكون قرابة الـ 40 مليار جنيه شهرياً في شراء المياه من أصحاب الكارو.
بدأت تماضر حسن، وهي ناشطة نسوية وتسكن حي الميدان بالقضارف، مداخلتها بالردّ على ما انتهى به نور الدين محمد، موضحةً أن السكّان قد فقدوا الثقة في الجهات الحكومية، فكيف يَطلب منهم مساعدتها، وأضافت: «هناك مشكلة في تمليك سكّان القضارف للمعلومات الحقيقية وعلى نحو دوري، ما يجعل الهوة كبيرة بينهم والحكومة، لذلك أظن من الصعوبة أن يستجيبوا لمقترح كهذا».
وترى تماضر حسن أنّ هنالك جهات تستثمر في معاناة سكّان القضارف من أزمة المياه، وتجني أرباحاً طائلة عبر بيع المياه، وقالت إنّ هؤلاء المستثمرين سيكونون بمثابة عقبة كبيرة أمام أي حلّ. وتنبّه إلى عنصر آخر من عناصر الأزمة قائلة: «تتحصّل الحكومة على رسوم ثابتة عبر الإيرادات على الجوالات الواردة إلى سوق المحصول بالقضارف، بحجّة أنها مساهمة لأجل حلّ مشكلة المياه في المدينة»، وتسأل: «أين تذهب هذه الرسوم؟».
وردّاً على المقترح ذاته يقول حامد علي، وهو مواطن من ديم النور: «تُدرّ ولاية القضارف على حكومتها دخلاً كبيراً من الزراعة والضرائب والزكاة وغيرها من الإيرادات، فلا يستقيم أن ندفع لها لتحلّ مشكلة خدمية! أرى أنّ حلّ المشكلة يجب أن يُعمَّم على الولاية بأسرها. كذلك أرى أنّ بإمكاننا تفعيل عملية حصاد المياه، وذلك بحفظ المياه في فصل الخريف في أحواض». ويتفق حامد علي مع الرأي الذي يقول بوجود بعض المستفيدين من تعطيل مشروع المياه.
ويرى الناشط المجتمعي جعفر خضر أن «الحل الجذري» لمشكلة المياه في القضارف تسمية خادعة، «لأنها تَعِد بحلّ نهائي لمشكلة المياه وأنها ستُوفَّر طوال اليوم وفي كلّ مكان داخل الولاية، وإذا لم يحدث ذلك لا يمكن أن نسمّيه حلاً جذرياً، فالحلّ الجذري له استمرارية وديمومة لمدة طويلة، لكنني لم ألمس هذا في تصريحات المسؤولين، وهذا ما يجعلني أقول إنه لا توجد شفافية من الحكومة في تناولها لهذه المسألة».
ويذكّر جعفر خضر أنّ خطة مشروع الحلّ الجذري لمشكلة مياه القضارف قد وُضعت قبل 10 سنوات وتعثَّر تنفيذها مراراً: «والآن حدث تغيير كبير، مع زيادة عدد السكّان وتوسّع المدينة، وهذا يحتاج إلى مرونة وتطوير في خطة المشروع». ويضيف جعفر خضر قائلاً: «قد زار بروف عبد الله الصديق القضارف للحديث في ندوة عن أطروحته لحلّ مشكلة المياه من موقعه متخصّصاً في هذا المجال، وكان تصوّره مبنياً على أنه يمكن حلّ المشكلة باستجلاب المياه العذبة من النيل الأزرق، لكنه مُنع من الحديث عن تصوّره هذا. والفساد في هذا الأمر كبير»، بحسب قوله.
عن تاريخ الشبكة الداخلية لمدينة القضارف يقول حسن كنين، وقد عمل في هيئة مياه القضارف لأكثر من 40 سنةً: «وضَع الطاهر بك وزير الأشغال في حكومة نميري حجر الأساس لشبكة مياه مدينة القضارف في العام 1970، وجرى تنفيذها بعمل أنبوب 20 بوصة يمتدّ من سد ستيت بالشواك وحتى خزان جبل الجيش بقيادة الفرقة، ثم بأنابيب 15 بوصة من خزان الجيش إلى داخل المدينة. جرى هذا منذ 56 سنةً، وبفعل طول المدة أخذت الشبكة بالتآكل والتلف، فنجمت عن ذلك انفجارات في الأنابيب بين الحين والآخر. ومن العوامل التي كانت تؤدّي إلى تآكل تلك الأنابيب بمرور الزمن أنها مصنّعة من مادة الأسبستوس، وهي ألياف معدنية كانت تُستخدَم للعزل، وقد ثبت أنها مادة مسرطنة، حسب منظمة الصحة العالمية، لذلك استُبدلت لاحقاً بمادة PPC، لكن رغم ذلك استمر التلف في الأنابيب لأنّ الحلول شكلية والصيانة غير جيّدة».
في ختام المنتدى، قدّم المشاركون حزمة توصيات تتمثل في ضرورة زيادة عدد العمّال في هيئة المياه وتحسين رواتبهم، وتوفير إسبيرات ذات جودة جيدة لمعالجة الأعطال المتوالية، وتنويع الحلول الإسعافية والمستدامة، واستجلاب المنظمات الدولية وجعلها شريكاً في حلّ الأزمة، والعمل على حصاد المياه العذبة للاستفادة منها لاحقاً، والالتزام بالشفافية وتمليك السكّان المعلومات بوتيرة دورية. وشدّد المشاركون على ضرورة أن يكون الحلّ شاملاً لكل الولاية بأريافها ومدنها.



