أتر

التعليم في طويلة: كيف يبدو حال المدارس والمعلّمين والطلاب؟

في 3 مايو 2026، عقد فريق زمالة مركز سودان فاكتس للصحافة منتدىً حوارياً عن أوضاع التعليم في محلية طويلة بولاية شمال دارفور، لتسليط الضوء على مشكلات المدارس وأوضاع المعلّمين والطلاب. ضمّ المنتدى مجموعةً من الفاعلين في أوضاع التعليم وأصحاب المصلحة من المعلّمين وأولياء الأمور، ودار بين الحاضرين حوار ودّي استمَعْنا من خلاله إلى معلّمين يعملون بلا رواتب، وأولياء أمور ينظرون بحزن شديد إلى مستقبل أبنائهم الذي بدا كما لو أنه بات خلفهم وهو يتآكل يوماً تلو يوم. وتحدّث أيضاً ممثّلو المنظمات الذين ركّزوا على قلة عدد المدارس وضعف استعدادها.

تقع محلية طويلة، بولاية شمال دارفور، غرب مدينة الفاشر، على المنحدرات الشرقية لسلسلة جبل مرّة على الطريق الرابط بين مدينتي كبكابيّة والفاشر. تتميّز المحلية بتربة خصبة بسبب الطمي الذي تجرفه مياه الخريف من سفوح جبل مرّة، وتُعدّ من أكثر المناطق إنتاجاً للتمباك في دارفور، كما تنتج الذرة والدخن والفول السوداني. تعرّضت المنطقة للتخريب والنهب في حرب دارفور في العام 2003، وفي حرب السودان الجارية، إذ شنّت قوات الدعم السريع هجوماً مسلّحاً على المدينة في 16 يونيو 2023 وسيطرت عليها في 18-19 يونيو 2023، ما أجبر المدنيين على الفرار إلى الفاشر. بعد سيطرة قوات حركة/ جيش تحرير السودان، جناح عبد الواحد محمد نور، على طويلة في سبتمبر 2023، عاد الهدوء إلى المنطقة، وتحتضن حالياً آلاف النازحين من الفاشر والمناطق الأخرى. وبحسب مكتب الشؤون الإنسانية التابع للسلطة المدنية في مناطق سيطرة حركة/ جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور، فإنّ مدينة طويلة تحتضن حالياً أربعة معسكرات جديدة، هي معسكر رواندا، ومعسكر برقو، ومعسكر طويلة حلة عمدة، ومعسكر دبة نايرة الذي يضمّ سنتر كرر، وشكشكو، وسلبلابة، وطينة. وهناك أيضاً 11 معسكراً صغيراً في تبرا، وكاتور، وكويا، وخزان تنجر، ودوبو، وتبسا، وكنجارة، ومرتال.

تلاميذ بلا فصول دراسية

بدأ حوار المنتدى برصد ما يشكو منه مشهد التعليم الحالي في طويلة، وكان مأمولاً أن يتحسّن الحال بعد المؤتمر الذي عقَده مكتب التعليم التابع للسلطة المدنية في مناطق سيطرة حركة/ جيش تحرير السودان، جناح عبد الواحد محمد نور، في 15 أبريل 2025، وحضرته عدد من المنظمات الوطنية والدولية، وجرى الاتفاق على افتتاح المدارس والتزمت المنظمات بدعم العملية التعليمية. في شهر يونيو 2025 افتُتحت المدارس، وأقبل عليها التلاميذ، لكن لقلّة عددها مقارنة بعدد السكّان والنازحين وقفت المدارس عاجزة عن استيعاب جميع التلاميذ.

معلّقاً على هذا المشهد، تحدّث المعلّم شاذلي سليمان، ويُدرّس بالمرحلتين الابتدائية والمتوسّطة في طويلة: «هذه هي الظروف التي نعمل فيها، ونبذل قصارى جهدنا لينال أبناؤنا وبناتنا حظّهم من التعليم». واستدرك متسائلاً: «لكن كيف لـ 6 معلمين أن يديروا مدرسة ابتدائية يبلغ متوسّط الفصل الواحد فيها 200 تلميذ وتلميذة؟».

ومضى شاذلي في تفصيل الحال: «لم تَفِ المنظّمات بالعهد الذي التزمت به أثناء المؤتمر في ما يخصّ دعم التعليم، وتركت المعلّمين والأسر يواجهون تحديات بالغة التعقيد، بخاصة أنّ المدارس تبعد مسافات طويلة من مكان سكن النازحين، إذ يحتاج التلميذ أو التلميذة التي تقطن في شكشكو مثلاً إلى 4 آلاف جنيه سوداني لتغطية تكاليف المواصلات وحدها، فضلاً عن تكاليف الأكل والشرب ورسوم الدراسة».

كذلك شارك في المنتدى نصر الدين كويا، ممثّل «مبادرة يلا نبتسم»، وتحدّث قائلاً: «لمشكلة التعليم في دارفور أبعاد تاريخية، وما نمرّ به الآن هو تجلّ لفشل إدارة الدولة. ومنذ سقوط الفاشر ونزوح الأسر إلى طويلة، بات التعليم أمراً ثانوياً، وأصبحت الشواغل الأساسية هي الأكل والشرب والإيواء». وأضاف: «لا توجد مدارس كثيرة في طويلة ووحداتها الإدارية، وقد نجد مدرسة واحدة في كلّ وحدة إدارية شُيِّدَتْ بنفرة شعبية وبمواد محلية».

لا ينفصل وصف مشكلة التعليم عن دَور الفاعلين المدنيين. ولظروف الحرب والنزوح وجّهت المنظمات خدماتها إلى الإيواء والطوارئ وأهملت التعليم. يقول كويا: «إذا فتحتَ مدرسة فقد أغلقتَ باب السجن. وإيماناً منا بهذا القول، شيّدنا في مبادرة «يلا نبتسم» مدرسة العهد الجديد في معسكر رواندا، وهي أول مدرسة في المعسكر. ورغم بساطتها، إلا أنها تقدّم الخدمة حالياً لأكثر من 800 تلميذ وتلميذة».

بدأت أميرة سليمان، عضو «منظمة صوت النازحة»، حديثها بالتأكيد على أنّ «التعليم حقّ يجب أن يحصل عليه الجميع بلا تمييز». ومضت قائلة: «قلّ عدد التلميذات والتلاميذ الدارسين بسبب قلة المدارس في طويلة وعجزها عن استيعابهم جميعاً، وصار كثير منهم خارج فصول الدراسة، ومعظمهم يدرسون في الساحات الصديقة التي هي ساحات للنزهة والترفيه وتقديم الدعم النفسي».

وأكّد ذلك صلاح الدين، وهو أحد أولياء الأمور الذين حضروا إلى المنتدى، قائلاً إنّ هناك مدارس بلا سبورات في طويلة وطينة وكويا، مشيراً إلى قلة عدد الفصول في المدرسة الواحدة: «هناك تلاميذ يدرسون تحت الأشجار، وفي بداية العام الدراسي الجاري دعمت منظمة اليونيسف المدارس بالطباشير، وهو دعم زهيد جداً». وبخصوص المنهج الدراسي قال إنّ مكتب التعليم بالسلطة المدنية يتبع المنهج السوداني ويوزّعه للمدارس سنوياً.

كذلك تحدّث في المنتدى المعلّم بمدرسة طويلة الثانوية، محمد صالح سليمان، قائلاً: «التعليم مسؤولية الدولة، والدولة تنازلت عنه، وما نقوم به هو جهد ذاتي». وأضاف: «لم يصل إلينا منهج الصف الثالث متوسّط ونحن في خواتيم العام الدراسي، فاضطرّ معلمو الصفّ لتنزيل المنهج من الإنترنت».

وقالت أميرة جنقو، مديرة «منظمة ميارم الخيرية»: «تحوّلت بعض المدارس في طويلة إلى ساحات صديقة، وأخرى خرجت من الخدمة. وفي مطلع يناير هذا العام شيّدنا مدرسة في شكشكو وبدأت تقدم الخدمة لآلاف التلاميذ والتلميذات».

وبحسب مكتب التعليم فإنّ إجمالي عدد المدارس في مدينة طويلة ومعسكراتها يبلغ 27 مدرسة للمراحل الدراسية الثلاث: 14 مدرسة ابتدائية، و7 مدارس متوسطة، و6 مدارس ثانوية. بينما يبلغ إجمالي عددها في دائرة طويلة وفيدرالياتها 64 مدرسة، منها 33 مدرسة ابتدائية، و23 مدرسة متوسطة، و8 مدارس ثانوية.

معلّمون متطوّعون

في بداية العام الدراسي الجاري، اجتمع المجلس التربوي مع أولياء أمور التلاميذ، للنظر في أمر حافز المعلّم. وخَلُص الاجتماع إلى أن يُدفع للمعلّم حافز 5000 آلاف جنيه سوداني يومياً، ما يساوي 110 آلاف جنيه في الشهر. وبحسب المعلّم شاذلي سليمان فإنّ معظم المعلّمين نازحون، وقد نكصت المنظّمات عن التزامها بتوفير حوافز للمعلّمين. في منتصف العام الدراسي، رأى المجلس التربوي أنّ الحافز الذي يتقاضاه المعلّم ضئيل، فعقد اجتماعاً آخر أضاف بموجبه 40 ألف جنيه إلى الحافز ليصبح مقداره 150 ألف جنيه سوداني شهرياً.

وهنا تحدّث نصر الدين كويا عن حال المعلمين في مدرسة العهد الجديد قائلاً: «أدركنا حجم التحدّيات ومدى مثابرة المعلّمين عندما تلقّينا منهم شكوى مفادها أنهم لا يستطيعون تأمين وجبة الإفطار أحياناً». وأضاف: «على الفاعلين في أمر التعليم توجيه خدماتهم في الوقت الحالي لتحسين حافز المعلّم، وتوفير الكتاب المدرسي، وصيانة وبناء مدارس خاصة بعد أن غاب دَور الدولة».

وقالت أميرة جنقو إنّ المدارس تعاني حالياً من مشكلة نقص المعلّمين: «بسبب ضعف الحافز الذي يتلقّاه المعلم، بات التدريس مهنة طاردة. ومعظم المشروعات الذي نقدّمها للمانحين لدعم العملية التعليمية تُرفض بدعوى أنّ الأولوية للطوارئ».

وأضاف المعلّم محمد صالح سليمان أنّ المعلمين اضطرّوا لأن يدخلوا الأسواق ويشتغلوا عمّالَ يوميات بعد نهاية اليوم الدراسي، لأنّ الحافز الذي يتقاضونه لا يغطي احتياجات أسرهم.

أولياء الأمور أمام سؤال المستقبل

بحسب عاصم سوداني، وهو وليّ أمر، فإن «هناك مستفيدين من تردّي التعليم في دارفور لأنّ أطراف الصراع تريد استخدام الشباب وقوداً في حربها الجارية. والطلاب وأسرهم يعانون جميعاً من آثار نفسية، فقبل أن نتجاوز صدمة الحرب والنزوح دخلنا في صدمة الحرمان من الامتحان، وهذه أكثر حدةً مما سبق».

حضر المنتدى ولي أمر أحد الطلاب، الشيخ سليمان، وهو إمام المسجد العتيق في طويلة. وقال إنّ مشكلات الامتحانات في دارفور ليست بالأمر الجديد. وروى جانباً من تجربة دراسته في طويلة قائلاً: «جلستُ لامتحانات الشهادة الثانوية في العام 2001 في مدرسة طويلة الثانوية. في تلك السنة أُطلِقت بين الطلاب شائعة بأنّ الرياضيات مادة اختيارية، لذلك لم أجلس لامتحان الرياضيات وأحرزتُ نسبة 71,7%، لكن عندما سحبتُ دليل التقديم فؤجئتُ بأنها مادة أساسية!».

وأشار مولانا سليمان إلى أنّ التحدي الأساسي أمام طلاب الشهادة الثانوية حالياً هو الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، وتساءل نيابة عن الطلاب المحرومين من الامتحانات: «لماذا أدرس إن كنتُ لا أستطيع الجلوس للامتحان؟ يشبه هذا التحدي حال تاجر يأتي ببضاعة لا يرغب فيها الزبون».

ووصَف مسألة ذهاب الطلاب للامتحان في الولايات الشرقية أو تشاد، على نفقة أولياء أمورهم، في ظلّ التحديات الأمنية الحالية، بأنها «أمر صعب للغاية»، واقترح تجهيز مراكز محلية في مدن دارفور يجلس فيها الطلاب الممتحَنون، وتكوين لجنة فنية مختصّة تراقب سَيْر الامتحان والتأمين.

ووافقه في ذلك صلاح الدين، مقترحاً أن تُقام امتحانات الشهادة الثانوية، للطلاب الذين حُرموا من الامتحانات في دارفور وكردفان، في مناطق سيطرة حركة/ جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد وذلك لحياديتها وقُربها من مناطق المحرومين، بحسب تعبيره.

في 5 مايو الماضي، اعتقلت قوات الدعم السريع 5 طلاب في مدينة زالنجي كانوا في طريقهم من طويلة إلى تشاد للجلوس للامتحانات، واتّهمتهم بأنهم مستنفَرون في طريقهم إلى تشاد لدعم القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح. وفي 21 مايو نشرت مبادرات شبابية بيان إدانة على خلفية اعتقال 23 طالباً من طلاب الشهادة السودانية في زالنجي، مطالِبةً الدعم السريع بإطلاق سراحهم. ووفقاً للبيان فإنّ الطلاب المعتقلين من قولو وطويلة.

وفي إفادة لاحقة لفريق زمالة سودان فاكتس، قال محمد صالح سليمان، المعلّم بمدرسة طويلة الثانوية، إنّ قوات الدعم السريع قد أطلقت سراح 15 طالباً من بينهم 5 طلاب من طويلة، وإنهم قد وصلوا إلى دولة تشاد في انتظار الإشعار ببداية الامتحانات.

وقال عاصم موسى، النازح من الفاشر ومؤسس مبادرة «صوت النازحة»، في ختام المنتدى: «إنّ الإجابة عن سؤال: كيف يُمحتن طلابنا؟ تَبدأ من الضغط على أطراف الصراع بالسماح للطلاب بالجلوس لامتحانات الشهادة دون الاضطرار إلى السفر». ومضى قائلاً: «إنّ عدد الطلاب المحرومين من الجلوس للامتحانات، الذي أعلنته المبادرة القومية الطارئة لدعم امتحانات الشهادة السودانية، يُنذر بالخطر، وأتوقَّع تطفو خطورته إلى السطح بعد عدَّة سنوات».

وأضاف مقترِحاً: «على مكتب التعليم بالسلطة المدنية حصر عدد الطلاب الممتحَنين، وتقييم مستوياتهم، ثمّ منحهم شهادات تقديرية للدعم والتحفيز. ويمكن أن يُعدّ الطالب بذلك محلياً حامل شهادة سودانية، إلى حين وجود طريقة أخرى للجلوس للامتحانات».

Scroll to Top