عَقَدَ فريق زمالة سودان فاكتس للصحافة في 25 أبريل الماضي منتدىً حوارياً، استضافته قاعة 249 بفندق البرنس بلازا في مدينة كسلا، بعنوان «الشباب السوداني بين الواقع الاقتصادي والهجرة»، لمُناقشة رؤى الشباب حول سوق العمل حالياً، وهل تُمثّل الهجرة الخيار اﻷسهل لهم في ظلّ استمرار الحرب والأوضاع الاقتصادية التي تمرُّ بها البلاد. استضاف المُنتدى اثنتي عشرة شابةً وشاباً مُقبلين على التخرج، وحديثي التخرّج، وموظّفات وموظّفين في القطاعين الخاص والعام، كما استضاف مديرة إدارة العمل بولاية كسلا وباحثة اجتماعية بوزارة الرعاية وباحثة اجتماعية مُستقلَّة.
![]()
رغم أنّ غالبية سكّان السودان من الشباب، إذ تبلغ نسبة من هم دون سنّ الـ 24 نحو 60% من السودانيين، لكنّ شُحَّ الفُرص وضعف الأجور يرسمان السواد الأعظم من واقع التوظيف بالبلاد. وبدَورها فاقمت الحرب، وفق تقارير منظمة ميرسي كور، أزمة البطالة بالبلاد، ورفعت مستويات الفقر والانهيار الاقتصادي. كما أنّ الحرب التي طالت ثلاث عشرة ولاية من أصل ثماني عشرة دمَّرَت المصانع والشركات الحكومية والخاصة، تاركةً الآلاف بلا عمل، ما اضطرَّ البعض لامتهان مهنٍ في غير مجالات دراساتهم أو اتخاذ قرار الهجرة إلى دول أخرى لتحسين أوضاعهم الاقتصادية.
سوق العمل بين الفرص والتحديات
قالت نفيسة إبراهيم، وهي مديرة إدارة العمل بالولاية، إنهم يحصرون القوة الباحثة عن فرص العمل وذلك جزءٌ من عملهم، لكن الفُرَص المُتاحة للعمل لا تكفي لتغطية رغبات الجميع، مُشيرةً إلى اتّساع الفجوة بين عدد الخرّيجين وفُرص العمل. وأوضحت أنّ أغلب الفرص في مكتب العمل تَكُون للعمل في المُنظمات عبر عقود قصيرة الأجل لا تتجاوَزُ السنة، لارتباطها بمشاريع قصيرة المدى وإن كانت مُجزية، لافتةً إلى أنّ وظائف القطاع الحكومي تُعَدُّ طاردةً لرواتبها الضعيفة وعدم قدرتها على تغطية ومواكبة الاحتياجات الشهرية للموظفين. وقالت مديرة مكتب العمل، إنّ المكتب قد تمكّن من توظيف 29 شخصاً من أصل 250 متقدّماً خلال ثلاثة أشهر لافتةً إلى تزايد أعداد الخريجين وتناقص فرص العمل.
من جانبه أوضح جعفر الحاج، وهو مفتش بوزارة الرعاية الاجتماعية، أنّ اﻷجور في القطاع الحكومي متدنّية إلى درجة أنها لا تغطّي تكلفة المواصلات اليومية من العمل وإليه، وهو ما وافقه فيه عدد من المشاركين.
بينما قال حسن طاهر، وهو متخرّج حديثاً من كلية الهندسة قسم الميكانيكا، إنّ خريجي التخصّصات التطبيقية بخاصة يُواجهون سوق العمل بلا خبرة، بفعل للدمار الذي حلَّ بالبلاد نتيجة الحرب. وأوضح حسن أن الطُلاب الذين كانوا يقصدون العاصمة للاستفادة من فرص التدريب التي تُقدِّمها مؤسسات في مجال دراستهم مُنعوا من هذه الفرص، وأصبحوا يُواجهون سوق العمل بعد التخرّج بلا خبرة عملية، ما يُقلّص فرص حصولهم على وظائف في مجالهم، وقد يضطرُّون للعمل في مجال آخر في منظمات أو شركات وهو ما لا يتطلَّعون إليه، أو توفير رأس مال لبداية عملهم في مهنتهم بنحوٍ مُستقلٍّ وهو ما يتطلَّبُ دعماً مادياً.
وفي ما يلي العمل في القطاع غير المُنظَّم، تحدَّث المُشاركون عن الصعوبات والتحدّيات التي يُواجهها المُنضمّون الجُدد إلى السوق الكبير، على سبيل المثال سيطرة تجار ورؤوس أموال قديمة على السوق وعدم إتاحة الفرصة للشباب لدخول السوق والعمل فيه.
وأضاف خالد عبده، وهو مستشار ومُدرِّب، أنّ التأثيرات السياسية والاقتصادية على الخدمة المدنية جعلت القطاع الخاصّ أكثر جدوى من القطاع العام بالنسبة للشباب على عكس العديد من الدول. ولفت خالد إلى وجود فرص في الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة الحدودية، والتي يُمكن تمويلها وتوظيف التحوُّل الرقمي لتوسيعها لتحقيق تنوّع كافٍ في فرص العمل والوظائف، بدلاً عن النمط السائد لعمل الشباب في المنظّمات والوظائف المكتبية.
انعكاس التعليم على الواقع
يرى منيب داؤود، وهو مُحاضرٌ في جامعة كسلا، أنّ أحد أهم التحديات التي تُواجه مستقبل الشباب الوظيفي هو نمط التعليم، وقال: «اعتدنا أن نُشجَّع على دراسة مساق أكاديمي والعمل في أحد مجالَي الهندسة أو الطب، وإذا درَس أيٌّ منا مجالاً فنياً أو عمل في الزراعة يُنظر إليه نظرة دونية، كما لو أن الشابّ لا ينال الاحترام إلا إذا عمل في مكتب وارتدى بدلة، وهذا خطأ». ولفت منيب إلى تراجُع دَور الدولة في دعم الطلاب في التعليم والتدريب الأكاديمي والتوظيف، ما أثّر على الاستقرار المادي للشباب. في السياق ذاته قالت فريدة بخيت، وهي موظفة بالقطاع الخاص، إنّ أسلوب التعليم في السودان لا يحثّ الطلاب على الإبداع، إنما على التعلم الجامد، ما ينتج شباباً يسعون إلى التوظيف ويعجزون عن خلق فرص عملهم بأنفسهم ويتوقّعون من الدولة خلقها.
من جانبها، تقول وعد معتصم، وهي خريجة حديثة، إنّ الخبرة التي تطلبُها المؤسسات للقبول في الوظيفة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، وهو ما يُصعِّبُ توظيف الشباب حديثي التخرّج، ويدفعهم للتفكير في الهجرة. وفي السياق ذاته تقول أسماء حسن، وهي باحثة اجتماعية بوزارة الصحة، إنّ المطالبة بسنوات خبرة طويلة عاملٌ طارد، فضلاً عن التشتّت الذي يعيشه الشباب بين محاولة تحصيل الخبرة في مجالهم عبر العمل في القطاع العام أو الخاص، ومحاولة مواكبة مُتطلَّبات المجال الجديدة عبر بناء معرفة في مجالات تكميلية لتخصّصاتهم.
الاضطرار لتغيير مجال العمل
تناول عدد من المشاركين تجربة الاضطرار إلى تغيير مجال العمل مراراً وتكراراً، والسعي لاكتساب مهارات جديدة ومختلفة كلياً عن ما درسوه وما عملوا فيه سابقاً للتكيف مع الفرص المُتاحة في سوق العمل والإيفاء بالالتزامات المادية. وأشارت رزان عمر، وهي طالبة مقبلة على التخرج، إلى ضرورة الانتباه إلى عدم تمكن الجميع من تغيير وظائفهم والتكيّف مع وظائف جديدة بمُسميات جديدة وعوائق عديدة، خصوصاً مع شح وصول البعض للتكنولوجيا المُعِينة على تحقيق هذه النقلة. بينما أشار منيب، الشاب المحاضر بجامعة كسلا، إلى استمراره في العمل في مجاله بالجامعة لكنه يعمل كذلك في عُدة مؤسسات أخرى بالقطاع الخاص ليتمكن من اﻹيفاء بالتزاماته المادية الشهرية.
التدخّلات: كيف يرونها؟
أوضح عدد من المشاركين أنّ التدخّلات تتركّز في الغالب في المدن الكبيرة لسهولة الوصول والتواصل مع المجتمعات. لكنهم لفتوا إلى أنّ أثر هذه التدخّلات لا يكون إيجابياً دوماً، فقد قيّموا أثر خدمات توزيع الكاش التي تقدّمها مجموعة من المنظمات بأنها سلبية وذات أثر عكسي على كثير من الشباب، وأنها تمنعهم من الحركة والاجتهاد لتطوير أنفسهم، فضلاً عن تلقّي الدعم لتنفيذ مشروع صغير ومن ثمّ عدم الالتزام بتنفيذه.
بينما يقول المستشار والمدرّب بجامعة كسلا خالد عبده، إنّ تجربة جهاز تشغيل الخرّيجين بالولاية كانت بلا رؤية للاستدامة أو تخطيط مسبق، وأضاف: «يُواجه العديد من روّاد الأعمال الذين جرى تمويلهم عبر الصندوق السجنَ نتيجة لانعدام الرؤية والتخطيط، فضلاً عن تصاعد التضخّم، وضعف التمويل، وتعقيد الضمانات». وانتقد المُشارِكون ضعف التدخّل الحكومي لتحسين أوضاع الشباب الخريجين، وتعقيدات التمويل والضمان لتسهيل تمليك الشباب مشاريع خاصة تساعد في توظيف آخرين وتُسهم في تنمية البلاد.
أثر الحرب وخيار الهجرة
تَشَارَكَ عدد ممن جمعهم المنتدى الخوفَ من فقدان وظائفهم مُجدَّداً بعد أن فقدوها بسبب الحرب. تقول أسماء، وهي باحثة اجتماعية ونازحة، إنّ أكبر مخاوفها هو فقدان وظيفتها من جديد بسبب الحرب أو أيِّ ظروف أخرى، وأن تضطر للبدء ثانية. وعبّرت رزان، وهي طالبة مُقبلةٌ على التخرُّج، رغم أنها لم تمرّ بنفس التجربة، عن قلقها كذلك من فقدان عملها في حال وصلت الحرب إلى كسلا، وقالت: «هذا الهاجس والقلق والضغط أصبح السمة السائدة للشباب في ما يلي العمل، والاستقرار الوظيفي، والحصول على أجر مُجزٍ وعمل لائق». وأكّد المُشاركون موافقتهم على أنّ الهجرة «المدروسة» خيار جيد حالما أُتيحت فرص عمل جيدة على الرغم من اتفاقهم على صعوبتها من الناحية النفسية والاجتماعية، إلا أنّ الحاجة المادية رغم ذلك تجعلها خياراً مُناسباً، كما يقولون.
وبالحديث عن السياسات المُتعلِّقة بالتوظيف، أوضح منيب أنّ عملية سَنِّ السياسات لا تَستصحب الشباب، وهو سبب أساسيّ في قصورها وعدم تلبيتها لطموحاتهم، كما أنها رأسية ولا تُراعي الخرّيجين، وقال: «مِن المستحيل أن تجد شاباً مديراً لمؤسسة حكومية»، لافتاً إلى ضرورة الجمع بين خبرات الموظّفين والمختصّين وإشراك الشباب في عملية سَنّ سياسات التوظيف. ومن جانبه يقول خالد عبده إنّ الحكومة لا تمتلك رؤية واضحة في ما يخصّ التوظيف ومحاربة البطالة، وهو ما يفاقم أزمة الشباب، لافتاً إلى تأثر الأجهزة الحكومية بالقرارات السياسية، إذ يُغيِّر المسؤول الجديد القرارات السابقة حال تعيينه، لذا لا يوجد أساس ثابت في ما يخصّ السياسات الوظيفية بالمؤسّسات.
وأعرب المشاركون عن ضرورة تبنّي سياسات داعمة للشباب وإشراكهم في عمليات تحديدها. من ضمن هذه السياسات التحاق الخريجين الجُدد ببرامج تدريب مدفوع القيمة لمدة سنة بعد التخرُّج، وتعديل المناهج وتضمين ريادة الأعمال، وتضمين مكاتب مُختصَّة بشؤون العاملين في المؤسسات الحكومية لتسهيل وصول المُوظَّفين إلى الخدمات والترقيات، ومراقبة سَيْر تطبيق السياسات على أمثل وجه، وإصلاح المؤسَّسات وتهيئتها لاستقبال وتطوير الموظفين. ويقول منيب إنه مُؤيّدٌ للخدمة الوطنية، لكنه يعتقد أنها لا بدَّ أن تتطوَّر لتشمل مجالات مُتنوِّعة وأن تتضمّن تعاوناً بين القطاعين الخاص والعام، وعبرها يمكن أن يفي القطاع الخاص بمسؤوليته تجاه المجتمع، بذلك يستفيد الخريجون من بناء خبراتهم في مجالاتهم وتستفيد الدولة والمؤسسات عبر تشغيل جزء من الشباب وتقليل فرص البطالة، وضمان استمرار الشباب في تأدية الخدمة الوطنية، وفقاً لمنيب.
توصيات المشاركات والمشاركين
أوصى المشاركون والمشاركات في المنتدى بتوسيع فرص التدريب والتأهيل بما يتناسب مع سوق العمل، ودعم مشاريع ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة، وتعزيز الوصول إلى فرص العمل عبر شبكات شبابية محلية، وإشراك الشباب في وضع ومراجعة السياسات على المستويين المحلي والقومي، ودعم الشابات والشباب الأكثر تأثراً بالوضع الاقتصادي، وتعزيز الشراكة بين السُّلطات المحلية والقطاع الخاص ومنظّمات المجتمع المدني لخلق فرص أفضل للشباب، وتنظيم حوارات ومنتديات دورية لمناقشة اقتصاد الشباب ورفع توصياتها لصناع القرار، وتشجيع اكتساب مهارات رقمية ولغوية جديدة للشباب لزيادة فرصهم في العمل.



