أتر

الهجرة غير الشرعية: هل في المخاطرة جزءٌ من النجاة؟

في العادة يَعْلم المسافر أين وجهته، ويعلم أغراض رحلته ومواقيتها، ويحقّ له أن يختار الرّفقة، وبصحبته حقائب السفر، وفي وجدانه طمأنينة، وشيء من زاد الطريق، وبعضٌ من أحلام الصبا، وبريق من ضوء الطموح. لكنّ الرحلة هنا مختلفة وعرضة لكثير من العوامل المتغيّرة على مدار اللحظة، تزيد من مشقة المشوار في البرّ والبحر: اختلاف الطريق ووعورته، سوء الطقس، ارتفاع درجات الحرارة، شدّة العواصف الرملية في الصحراء، أعطال المركبات، بطش قُطّاع الطرق، أدوات أولية بدائية لتدارك المخاطر، دراية متواضعة بكيفية التصرّف السليم، سماسرة السفر وباعة المرور إلى وعد الأمل السعيد عبوراً للضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط. وبين براثن المياه، يبحر المسافر تحت رحمة العواصف الرعدية والأمطار العارمة التي تضرب عرض البحر على وتائر مُغايرة لأحوال اليابسة، وتوهان السُّمبك وأعطاله، واحتمالات الغرق المحدقة.

بفعل حرب السودان وآثارها المتراكمة على الوضع الاقتصادي المتردّي، تبدّدت آمال كثير من الشباب في الزواج، وتهاوى الحلم الجميل بتكوين أسرة وابتدار مشاريع تقي مسغبة الحياة، وعصفت الأحداث بالطموح اليافع في قدوم الفرح المأمول. لهذا وغيره، رأى هؤلاء الشباب في خوض تجربة الرحيل خياراً أفضل، وأملاً في «تحقيق بعض الأحلام، وتدارُك عَدَّاد العمر المتسارع»، هكذا لخّصها «تجاني»، وهو شابّ سودانيّ ما زال ينتظر على الشاطئ الجنوبي للمتوسط آملاً أن يتمكّن من اجتياز مخاطر البرّ والبحر إلى أوروبا ولسان حاله يقول: «في المخاطرة جزء من النجاة».

تجاني: لا بدّ من روما

عند وصولنا إلى الكفرة، قال لي السائق الليبي إنّ السمسار السوداني لم يدفع له، فلم يكن أمامي خيار سوى الدفع مرة ثانية، وقد دفعت له ما يعادل 300 ألف جنيه سوداني (ما يعادل ألفي دولار أو أكثر حينها)، ولا أعرف من منهما خدعني.

التحق تجاني بالجامعة في 2016 لدراسة الآثار، ومع تكاثر المتغيّرات على البلاد وتوقف الدراسة مع ثورة ديسمبر 2018 ثم كوڤيد 19، توجَّه لمزاولة الأعمال الحرة، لكنّ العائد المالي لم يَفِ بالتزاماته المالية ومطلوبات الحياة وتحقيق الآمال. بعد مضيّ سنوات دون أن يلحظ تغيّراً في الحال يغريه بالمواصلة، اتخذ قراره: لا بدّ من عبور المتوسّط.

لتحقيق حلمه، سافر تجاني إلى ليبيا مرتين. يروي تجاني: «كانت رحلتي الأولى إلى ليبيا في 2020. خرجت من المنزل بضاحية دار السلام، مربع 10، إلى سوق قندهار غرب أم درمان وذهبت على باصّ سفريّ إلى مدينة الخنّاق بالولاية الشمالية على الجانب الغربي للنيل، ومنها عبر منطقة المثلث الحدودية إلى مدينة الكُفرة الليبية. في سوق قندهار، عادةً ما يتواصل الراغبون في عبور الحدود إلى ليبيا مع سماسرة سودانيين لتسهيل السفر، بطلب الوصول إلى بنغازي أو أجدابيا أو طرابلس. وهذا ما فعلتُه، وطلبتُ من سمسار تسهيل وصولي إلى طرابلس ودفعت له المبلغ المتفق عليه للرحلة كلها وهو حوالي 140 ألف جنيه سوداني (ما يزيد حينها عن الألف دولار)». يضيف تجاني: «عند وصولنا إلى الكفرة، قال لي السائق الليبي إنّ السمسار السوداني لم يدفع له، فلم يكن أمامي خيار سوى الدفع مرة ثانية، وقد دفعت له ما يعادل 300 ألف جنيه سوداني (ما يعادل ألفي دولار أو أكثر حينها)، ولا أعرف من منهما خدعني. ومركبات السفر شاحنات كبيرة يقودها سائقون ليبيون ينقلون المسافرين إلى الكُفرة، ويتحفّظون عليهم رهائن في أغلب الأحوال داخل مزرعة نسمّيها هنا «تركينة»، وهي مكان معزول من الحركة والتواصل والخدمات، ومن ثمّ يطلبون من المسافرين التواصل مع أهلهم للحصول على فدية مُتعلِّلين بأن السمسار السوداني لم يدفع لهم مبلغ السفر. ويعتمد الأمر على الحظّ، فبعض السائقين يوصلون المسافرين دون مُطالبتهم بالدفع مرة أخرى. لكن احتمالات الاحتيال أكبر، وقد جرى هذا لكثير من السودانيين، فقد التقيتُ بمجموعة من السودانيين عند وصولي إلى أجدابيا، وأخبروني بأنهم قد تعرّضوا للاحتيال أيضاً. لم تكن هناك أي ضمانات في ذلك الوقت. ولأسباب قاهرة، عدت بعدها إلى السودان في أبريل 2023».

يقول تجاني إنّ هذا هو ما كان يجري في السنوات الماضية، أما حالياً في رحلته الثانية هذه فقد تغيَّر الكثير: «في أكتوبر 2023، خرجتُ مرةً أخرى وسلكتُ طريقي الأول ذاته. كان كلّ ما أحمل معي من مال 250 ألف جنيه سوداني، من قندهار إلى الخنّاق كان سعر التذكرة للراكب 25 ألف جنيه، ومن الخنّاق إلى المثلث 23 ألف جنيه، ومن المثلّث إلى مدينة الكُفرة الليبية كان سعر التذكرة 300 دينار ليبي وتعادل 80 ألف جنيه سوداني. في المثلث، توجد الآن مكاتب لمُتابعة سفريات المهاجرين، ولك الخيار: أن تدفع في مكتب المثلث، أو في مكتب طرابلس. وفي الكُفرة توجد مزرعة للعمل ويتوفر بها سكن للعمّال، يقضي بها الواصلون من السودان وقتاً للراحة ومن ثمّ يواصلون الرحلة في اليوم الثاني، ويمكث فيها من انقطع به السبيل للعمل ومحاولة استكمال المبلغ المطلوب لاستئناف الرحلة إلى شمال ليبيا».

صباح عيد الفطر الماضي، في الرابعة صباحاً، وقُبيل أذان الصبح، بدأت رحلة تجاني ورفاقه من مدينة الكُفرة الحدودية جنوب شرق ليبيا، إلى مدينة الزاوية في الشمال الغربي على شاطئ البحر الأبيض المتوسّط: «تحرّكنا على متن 4 عربات دفع رباعي مُقفلة ومُظلّلة. كنّا 56 شخصاً، قُسّمنا 14 شخص لكلّ عربة، وكانت تواكبنا عربتان للتأمين. عند الوصول إلى مدينة الزاوية بعد حوالي 20 ساعة، قُسّمنا إلى عدة مجموعات؛ واحدة لجلب مواد التموين للرحلة، وأخرى لجلب «القُمَّة»، وهي تسمية ليبية للزورق المطاطيّ الذي يسمّيه السودانيون «السُّمبك»، وتكون في الغالب متهالكة أو مستخدمة فترة طويلة. يبلغ طول «القُمَّة» 8 أمتار، وتعمل بمحرّك واحد في الخلف بقوة 60 حصاناً، وهي لا تُقاوم أمواج البحر الشديدة والهادرة إنما تتحرّك تحت رحمتها، وقبل الانطلاق تُملأ بالهواء وتُربَط لتكون على وضع الاستعداد دون أن تنفلت. كانت هناك أيضاً مجموعة لحمل باقات الوقود وعددها ثمانية، وبينما تستلزم الرحلة 15 باقة من الوقود للوصول بسلام ودون انقطاع في عرض البحر، فإنّ تقليل عددها إلى 8 باقات يُتيح مساحة تسمح بحمل مزيدٍ من الأشخاص على متن «القُمَّة»، وبذلك يكسب السماسرة أو المهرّبون مزيداً من المال على الرحلة، وهو أمرٌ واقع لا يقبل الاعتراض ولا التفاوض. مع بداية تزويد «القُمّة» بالوقود كان عددنا 56 راكباً، وأربعة منّا مكلّفون بقيادة «القُمَّة» إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط؛ أحدهم هو الكابتن، وآخر هو مساعد الكابتن، وآخر هو حامل جهاز الـGPS للتوجيه وتحديد الاتجاه أثناء الرحلة، والرابع هو حامل هاتف الثريّا لمتابعة الاتصالات ولطلب المساعدة في عرض البحر أو قرب الشواطئ الإيطالية. هذا ما يُتوقّع أن يحدث على البحر، والسماسرة يدرّبوننا عليه، لأنهم لا يرافقوننا في الرحلة، وهم لا يلتزمون بالسلامة الشخصية للركاب، إنما يدرّبوننا فقط على كيفية تدبير أمورنا ومواجهة الصعاب في البحر وعند الوصول إلى الضفة الأخرى. كذلك يُمنع المسافرون من حمل الهواتف الشخصية وسمّاعات البلوتوث، للحدّ من المُراقبة وتحديد الموقع. مع كمية الوقود المنخفضة والوزن الزائد على المركب يكون الأمل فقط في الله وفي خفر السواحل الإيطالية وزوارق الطوارئ».

هكذا كان المِيز: كلّ صحن أرز حوله خمسة أشخاص، أرز فقط، دون أي إضافة. وكانوا يناولون كلاً منا باقتين من ماء البحر شديد الملوحة، ولم يكن باستطاعة أحدٍ أن يشرب منه إلا رشفات تُطفئ العطش، وبسببه بدأت تظهر على أحدنا أعراض مشكلات في الكلى، فأخطرنا المليشيا، وكان الردّ أنهم سوف يَتركونه ليموت فيلقى مصيره رمياً في البحر.

برغم هذا الترتيب العالي ودقة المواعيد، يقول تجاني إن الرحلة فشلت عندما داهم أفراد من مليشيات الزاوية موقع القُمَّة على الشاطئ، وكانت شرطة السواحل في عطلة رسمية خلال أيام العيد، وقبضوا على جميع المسافرين، ورحّلوهم إلى مركز احتجاز الزاوية الخاص بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية: «الناس يسمّون مركز الاحتجاز هذا «سجن أسامة»، وهو مبنى أسمنتيّ كبير ذو أرضية خرسانية خشنة، لا يصلح للسكن الآدمي. تحفّظوا علينا لمدة ساعتين بدون توجيه تُهم مُحدّدة، ثم نقلونا إلى مكان آخر، برفقة 20 فرداً من المليشيا، للتفتيش الدقيق ومصادرة جميع الممتلكات، حتى النساء لم يسلمن من ذلك ولم يهنأن بكرامة أو بطِيب معاملة، وأسمعونا كثيراً من الإساءات والألفاظ النابية والأوصاف المهينة التي لا تصدر عن سلوك نفسي سليم، وكان ردّهم على أيّ طلب من المهاجرين هو التهديد بالتصفية والإلقاء في عرض البحر. بعد ذلك أعادونا إلى «سجن أسامة» مرة أخرى، وطلبوا منا التواصل مع ذوينا ومعارفنا داخل ليبيا وبلداننا، عبر تلفونات تخصّ المليشيا، لدفع فدية مالية قدرها 3,500 دينار ليبي عن كلّ شخص مقابل الإفراج، وتعادل حوالي 3 ملايين ونصف مليون جنيه سوداني. وسهّل تعدّد جنسيات أفراد المليشيا التواصل مع ذوي المحتجزين لتحصيل المبلغ المطلوب، فمنهم صوماليون وإثيوبيون وسودانيون وغانيّون ونيجيريون».

في التاسعة صباحاً يقدّمون لهم الوجبة الوحيدة في اليوم: «هكذا كان المِيز: كلّ صحن أرز حوله خمسة أشخاص، أرز فقط، دون أي إضافة. وكانوا يناولون كلاً منا باقتين من ماء البحر شديد الملوحة، ولم يكن باستطاعة أحدٍ أن يشرب منه إلا رشفات تُطفئ العطش، وبسببه بدأت تظهر على أحدنا أعراض مشكلات في الكلى، فأخطرنا المليشيا، وكان الردّ أنهم سوف يَتركونه ليموت فيلقى مصيره رمياً في البحر. وشابّ آخر كان مُصاباً بالكبد الوبائي، وبدَتْ عليه مُضاعفات شديدة بسبب المرض، لكنّ القواعد هي ألا يخرج أحد، إلا ميتاً أو مفرجاً عنه بعد دفع المبلغ المطلوب. وقد مررتُ بتجربة قاسية حتى أجد الشخص المناسب، لأن فرص الاتصال محدودة، ويجب عليّ التواصل مع الشخص المناسب والموثوق لتحصيل المبلغ اللازم حتى أخرج. قضيت في ذلك الجحيم 14 يوماً إلى أن عثرتُ على من تولّى سداد المبلغ وأُفرِج عنّي. وما زلت أعمل على توفير مبلغ يمكّنني من إعادة المحاولة مرة أخرى».

محمد: طريق مغاير

شأنه شأن تجاني، يريد محمد عبد المنعم عبور المتوسط إلى أوروبا، لكن ليس من شواطئ ليبيا إلى إيطاليا، إنما كان خياره الأول أن يسافر إلى المغرب فيتقدم لدى مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بطلب اللجوء. بدأت رحلة محمد بالسفر من السودان إلى السعودية أولاً، إذ أقلّته الباخرة بميزة الزيارة العائلية العادية من ميناء بورتسودان إلى ميناء جدة. منها مضى إلى العاصمة السعودية الرياض حيث قدّم في مطار الملك خالد الدولي لتأشيرة سفر لحضور كأس أُمم أفريقيا الذي أقيم بدولة المغرب في ديسمبر 2025، فحصل عليها بكونكشن في الإمارات حوالي سبع ساعات، ليصل بعد نصف يوم إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء. وقال إنّ التكلفة المالية للرحلة بلغت 3.5 مليون جنيه سوداني، وسعر التذكرة من مطار الملك خالد إلى مطار الملك محمد الخامس 1,200 ريال سعودي.

يروي محمد: «اخترتُ طريقاً مغايراً لتجاوز المعاناة بالسفر عبر البر وتلافي تجّار البشر الذين أسمع عنهم. بعد الوصول إلى الدار البيضاء، ذهبت إلى الرباط وقدّمت طلب اللجوء لدى مفوضية شؤون اللاجئين، على أمل إعادة توطيني في أوروبا، وحصلت على موعد بعد 6 أشهر لإجراء مقابلة، وبعد إجرائها أجريت معي مقابلة أخرى بعد 3 أشهر حُدّد لي فيها موعد آخر في شهر يونيو. والغرض من المقابلة الأخيرة هو معرفة الدوافع وراء تقديم طلب اللجوء والوضع الاجتماعي في السودان، وتوضيح تفاصيل أخرى شخصية متعلّقة بالسلامة الصحية والنفسية وغيرها».

لا توجد قسوة في المعاملة في حال القبض نتيجة لمحاولة عبور السياج، بل هناك لين ورأفة، ولا يبخلون في توفير الوجبات، وعادةً يُرجعون المقتنيات والمتعلقات الشخصية من الهواتف والخواتم والإكسسوارات وغيرها إذا صُودرت أثناء القبض. وقد يختلف تعامل الشرطة مع المهاجرين باختلاف الأفراد، لكنهم مُلزَمون بعدم الضرب أو الابتزاز أو التعنيف.

رغم تقديمه طلب اللجوء وسعيه للوصول إلى أوروبا بطريقة آمنة، يقول محمد عبد المنعم إنه حاول التسلّل إلى مدينة سبتة عبر السياج الشائك مرّتين. وتقع مدينة سبتة في الأراضي المغربية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، جنوب مضيق جبل طارق، لكنها تتبع إدارياً لدولة إسبانيا، ويفصلها عن الأراضي المغربية سياج من الأسلاك الشائكة ما فتئ المهجرون الراغبون في الوصول إلى أوروبا يحاولون التسلل عبره إلى داخل «الجيب الإسباني» بمختلف الوسائل.

لكنّ محاولة محمد باءت بالفشل، إذ قبضت عليه الشرطة المختصّة ورحّلته إلى منطقة الكدية البيضاء بإقليم تارودانت جنوب المغرب: «لا توجد قسوة في المعاملة في حال القبض نتيجة لمحاولة عبور السياج، بل هناك لين ورأفة، ولا يبخلون في توفير الوجبات، وعادةً يُرجعون المقتنيات والمتعلقات الشخصية من الهواتف والخواتم والإكسسوارات وغيرها إذا صُودرت أثناء القبض. وقد يختلف تعامل الشرطة مع المهاجرين باختلاف الأفراد، لكنهم مُلزَمون بعدم الضرب أو الابتزاز أو التعنيف. في الماضي كان الترحيل يجري عشوائياً إلى مدن أخرى داخل المغرب، لكنّ المتسلّلين يُرحّلون الآن في أغلب الأحوال إلى دول أفريقية مجاورة للمغرب، كالنيجر أو تونس أو الجزائر أو ليبيا، وكنتُ محظوظاً بترحيلي داخل المغرب إلى الكدية البيضاء حيث استقررتُ الآن إلى أن تحين فرصة مناسبة للعبور إلى مدينة سبتة».

قابل محمد عبد المنعم بعض السودانيين الذين سلكوا الطريق الصحراوي من ليبيا إلى الجزائر عبر منطقة الدبداب الجبلية ثمّ إلى المغرب، وتتراوح أعمارهم بين كبار في السنّ وفتية دون العشرين، وأخبروه بأنّ الرحلة قد تتطلب مشياً على الأقدام لمدة 13 يوماً، ما يتسبّب في موت بعضهم لعدم توفر مياه الشرب والغذاء الصحي والكافي في الطريق. وأخبروه أيضاً عن اعتياد المارّين عبر الطريق الصحراوي على رؤية هياكل عظمية لأشخاص انتهى بهم المطاف موتاً، وجثثٍ مُلقاةٍ لا يُواريها أحد.

خالد: عبر الطريق الصحراوي

كان خالد، وهو مهاجر في مقتبل العمر، ممن عبروا هذا الطريق الصحراوي. مثل تجاني، بدأت رحلته من سوق قندهار غرب أم درمان إلى دنقلا، ليحمله الباصّ إلى الخنّاق ثمّ المثلث. يقول إنّ هذا هو الطريق البري المعروف للدخول لليبيا من شرق وشمال ووسط السودان، يسلكه السودانيون والإرتريون والإثيوبيون، وتكون الرحلة عادةً على متن شاحنة ZS، أو تندرا وهي شاحنة كبيرة في الحجم شبيهة بالـZS، وكلاهما تصلحان للطرق الوعرة، وصولاً إلى المثلث، ومن هناك تعبر بهم الشاحنات الحدود إلى الكُفرة.

كان المهرّبون يخلطون مياه الشرب بالوقود للتقليل من الاستهلاك وضمان عدم نفاد الماء على طول الرحلة، والوجبة الأساسية في الرحلة هي فول سوداني وبلح ذو جودة رديئة. ولا توقُّف على طول خطّ الرحلة إلا للضروريات العامة كالأعطال والصيانة، إضافة إلى وعورة الطرق الصحراوية ودرجات الحرارة المرتفعة.

يروي خالد مسار رحلته: «عند وصولنا إلى المثلث كان عددنا كبيراً، لذلك قسّمونا إلى مجموعات: مجموعة تتجه إلى الكُفرة، وأخرى إلى أجدابيا، ومجموعة ثالثة إلى طرابلس، وكانت هذه الرحلة على عربات عادية. من طرابلس نتجه إلى منطقة غدامس في المثلث الحدودي غرباً بين ليبيا والجزائر وتونس، ومنها إلى منطقة الدبداب الجبلية، وهنا نبحث عن «قايد» وهو خبير الطريق لتوصيلنا إلى ورقلة بوسط الجزائر ثمّ إلى بشّار أقصى غرب الجزائر على عربات صغيرة، ومنها مشياً على الأقدام لمدة يومين نقطع خلالها مسافة 80-100 كيلومتر إلى مدينة بوعرفة المغربية شرق البلاد، ومنها إلى الراشدية في عمق الوسط الشرقي لدولة المغرب. بلغت التكلفة المالية لهذه الرحلة حوالي 2 مليون جنيه سوداني. تتنوّع جنسيات المهرِّبين خلال الرحلة، فمنهم سودانيون وليبيون وجزائريون وتونسيون، وهناك آخرون من جنسيات مختلفة على الأراضي الجزائرية للمساعدة على الدخول إلى الحدود المغربية. فاقم شحّ الزاد من شدة الرحلة وقسوتها، وكان المهرّبون يخلطون مياه الشرب بالوقود للتقليل من الاستهلاك وضمان عدم نفاد الماء على طول الرحلة، والوجبة الأساسية في الرحلة هي فول سوداني وبلح ذو جودة رديئة. ولا توقُّف على طول خطّ الرحلة إلا للضروريات العامة كالأعطال والصيانة، إضافة إلى وعورة الطرق الصحراوية ودرجات الحرارة المرتفعة».

بعد أن وصل إلى المغرب سالماً عبر هذه الرحلة الشاقة، يخلص خالد إلى أنّ أشَقّ ما قد يجري خلال الرحلة هو الوقوع في أيدي المليشيات الليبية التي تطالب المهاجرين بدفع فدىً مالية ضخمة لإطلاق سراحهم، مؤكّداً رواية تجاني بأنّ السجن هو الجزاء في حال عدم الدفع، حيث يتلقّون أسوأ صنوف المعاملة ويقعون فريسة للأمراض ومضاعفاتها. وتفادياً للوقوع في قبضة المليشيا في الطريق من ليبيا نحو الجزائر، يلجأ المهاجرون إلى المهرّبين لتأمين عبورهم على عرباتٍ تسلك مسارات آمنة ومشياً على الأقدام في مسارات أخرى.

ويعقد خالد مقارنة بين مصير المهاجرين عند وقوعهم في قبضة المليشيات الليبية وما يلقونه من معاملة إذا قبضت عليهم السلطات في الجزائر أو المغرب: «إذا ألقت الحكومة الجزائرية القبض على مهاجرين، كان جزاؤهم السجن أو الترحيل إلى دولة النيجر، حيث تضيق الخيارات، وأحياناً لا يجد المهاجر من سبيل سوى العودة إلى السودان عبر تشاد، وهذا ينطبق على أصحاب الجنسيات الأخرى سواء أكانوا إثيوبيّين أم إرتريّين أم تشاديّين. أما في حال القبض عليهم داخل الحدود المغربية وهم يحاولون عبور الحدود من الجزائر، فإنّ الشرطة لا تفرض الترحيل ولا تطرد المهاجرين كما تفعل الجزائر، إنّما ترحّلهم من الرباط إلى أي مدينة أخرى داخل الأراضي المغربية، حسب ما هو مناسب، وكذلك الحال إذا قُبض عليهم وهم يحاولون عبور السياج الشائك إلى مدينة سبتة، لكن هنا بالإضافة إلى احتمال الترحيل إلى مدينة أخرى قد يُسجن المهاجرون، وفي هذه الحالة تدفع المنظّمات كفالتهم، وهي مبلغ 250 دولاراً للشخص الواحد».

ومثل محمد عبد المنعم، يعقد خالد أمله على أن يحالفه الحظ فتنجح إحدى محاولاته لعبور السياج الشائك إلى مدينة سبتة، قائلاً: «وبذلك نصبح في أمان المنظمات، ونكمل توفيق أوضاعنا باعتبارنا لاجئين».

مشروع هجرة دائمة

لم تعد الهجرة البرّية من السودان إلى ليبيا والجزائر وتونس والمغرب بغرض الوصول إلى أوروبا محض حركة سفر عادية، إنما أصبحت ظاهرة إنسانية وأمنية واقتصادية معقّدة فرضتها حرب أبريل 2023 والانهيار المعيشي والخوف من المستقبل. والواقع على الأرض أقسى بكثير مما يُنقل أحياناً في الأخبار أو وسائل التواصل.

وفقاً للمحامي عبد الشكور حسن أحمد، وهو مهتمّ بقضايا الهجرة غير الشرعية، يتعذّر إجراء إحصاء دقيق لأعداد المهاجرين السودانيين في ليبيا، لأنّ أغلب التحرّكات تجري بطرق غير نظامية عبر الصحراء والحدود المفتوحة وشبكات التهريب كما وصفها تجاني ومحمد وخالد. وقد قدّرت المنظمة الدولية للهجرة أنّ عدد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا بلغ 936,134 ألف مهاجر في بداية 2026، وكانت الجنسية السودانية الأعلى بنسبة 36% من مجموع المهاجرين داخل ليبيا. كما ذكرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أنّ الحرب في السودان رفعت تدفق السودانيين إلى ليبيا على نحوٍ كبير، مع وصول مئات الأشخاص يومياً عبر منفذ الكُفرة جنوب شرق ليبيا.

من خلال متابعته الميدانية وشهادات السائقين والمهرّبين والسكّان المحليين، يرصد عبد الشكور كيف كان شكل الشوارع والطرق قبل الحرب وكيف صار بعدها: «قبل الحرب، كانت حركة السفر الخارجية محدودة نسبياً، وأغلب المسافرين من التجّار أو العمالة الموسمية. كانت الطرق البرية أقل ازدحاماً، والمدن الحدودية أكثر استقراراً. أما بعد الحرب فقد ظهرت موجات نزوح ضخمة، اكتظّت محطات السفر بالأسر والشباب، وانتشرت عربات التهريب والدفع الرباعي، وتحوّلت بعض الأسواق إلى مراكز تجمّع للمهاجرين، وازداد وجود السماسرة وشبكات التهريب. أصبحت بعض الطرق الصحراوية شبه ممرّات بشرية، وفي مناطق مثل الكُفرة وسبها وأم الأرانب داخل ليبيا، أصبحت هناك أحياء كاملة تضمّ سودانيين وتشاديّين ونيجَريين بأعداد كبيرة. حتى سُمّيت «مناطق العبيد». وتمضي خطوط الهجرة الأساسية من دارفور إلى الكُفرة الليبية، ومن الشمالية إلى مصر، ومن تشاد إلى ليبيا وتونس أو الجزائر، ومن ليبيا إلى البحر الأبيض المتوسّط إلى أوروبا».

وتفصيلاً لطرق التنقّل من السودان إلى ليبيا برّاً، يقول عبد الشكور: «تمرّ الرحلة غالباً بمراحل شاقة وخطرة، بدءاً من التجمّع داخل السودان، في دارفور أو الخرطوم أو الشمالية، حيث يجري الاتفاق مع سماسرة أو مهربين، ثمّ التحرّك بعربات دفع رباعي، تاتشرات أو عربات صحراوية والسير لساعات طويلة في الصحراء، ليلاً أحياناً لتجنب الدوريات، وتتخلّل الرحلة محطات مؤقتة؛ آبار مياه واستراحات بدائية ومخازن أو منازل مهرّبين، حتى عبور الحدود. بعض الرحلات تمرّ عبر تشاد ثم ليبيا. بعد الوصول إلى الكُفرة أو سبها، يتوزّع المسافرون للعمل داخل ليبيا، أو للانتقال إلى تونس أو الجزائر، أو محاولة عبور البحر نحو أوروبا. وكثير من الرحلات تجري دون وثائق رسمية».

ويصف عبد الشكور الوضع الإنساني أثناء الرحلة بأنه «أخطر جانب في الملف، لأنه يكون في كثير من الرحلات سيئاً للغاية»، ويحصي مخاطر الرحلة: «نقص المياه، الجوع والعطش، الحرارة القاسية نهاراً والبرد ليلاً، الاكتظاظ داخل العربات، احتمال حدوث وفيات بسبب العطش أو الضياع، ابتزاز مالي متكرر، سرقات واعتداءات، ترك بعض المرضى في الصحراء، فضلاً عن تعرُّض بعض المهاجرين للاحتجاز أو العمل القسري أو طلب الفدية من أسرهم. من كلّ مجموعة من المهاجرين قد لا يصل إلى الهدف أكثر من 10%».

ووفقاً لعبد الشكور فإنّ أبرز الجنسيات الموجودة على خطّ الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا، التي أصبحت مركز عبور إقليمياً لمهاجري أفريقيا جنوب الصحراء، هي من السودانيين والتشاديين والنيجَريين والمصريين والنيجيريين والإريتريين والإثيوبيين والصوماليين. ويرى أنّ الحرب السودانية هي العامل الأكبر في انفجار أعداد السودانيين على طريق الهجرة غير الشرعية، محصياً من آثارها المباشرة: «فقدان الأمن، انهيار الاقتصاد، توقف الأعمال، انعدام الخدمات، الخوف من التجنيد القسري والقتل من قبل قوات الدعم السريع، فضلاً عن فقدان الأمل لدى الشباب». ويذكر أنّ بعض السودانيين الذين هاجروا أولاً إلى مصر عادوا لاحقاً للتحرّك نحو ليبيا بسبب التضييق الاقتصادي والمعيشي.

وإزاء ما يحدث للمهاجرين غير الشرعيين عند القبض عليهم يقول عبد الشكور إنّ الأمر يختلف حسب الدولة والمنطقة والجهة التي قبضت عليهم: «في ليبيا مثلاً قد يُحتجز المقبوض عليهم في مراكز الهجرة، حيث يجري التحقّق من وثائقهم، ثم يواجهون احتمالات الغرامة أو الترحيل القسري أو العودة الطوعية، وأحياناً يتعرّضون لسوء المعاملة أو الاحتجاز الطويل. وقد رَحّلت السلطات الليبية آلاف المهاجرين خلال السنوات الأخيرة، وفي بعض الحالات يجري تسليمهم إلى المنظمة الدولية للهجرة. أما في أوروبا فقد يُحتجز المهاجر إلى حين دراسة حالة اللجوء أو يُعاد إلى بلاده إذا رُفض طلبه».

ويعزو عبد الشكور مفارقات المعاملة القائمة بناءً على نوع جنسية المهاجر إلى الوضع السياسي بين الدول، ولون البشرة والعِرق أحياناً، والقدرة المالية، ونوع الوثائق، والنظرة الأمنية إلى بعض الجنسيات، فضلاً عن وجود جالية قوية أو ضعيفة. يقول: «هذا واقع تتحدّث عنه منظمات حقوقية وتقارير إعلامية كثيرة، رغم أنّ القوانين الدولية تنصّ على المساواة الإنسانية. وقد أصبح المزاج الشعبي في بعض دول شمال أفريقيا أشدّ حساسيةً تجاه ملف الهجرة بسبب الضغط الاقتصادي والخدمات».

ناظراً إلى وَجهَي السؤال: لِمَ يخاطر الشباب بكلّ شيء على هذا الطريق رغم الموت والخطر؟ يقول عبد الشكور: «الإجابة مؤلمة. يخاطر الشباب لأنّهم يشعرون بأنّ البقاء أخطر من الرحيل: لا عمل، لا دراسة، لا أمان، لا مستقبل واضح. لذلك تتحوّل مخاطر الصحراء والبحر ورعبهما إلى احتمال نجاة أكبر. لكنّ الحقيقة التي تؤكّدها الوقائع: الهجرة غير الشرعية ليست طريقاً مضموناً للحياة، بل قد تتحوّل إلى احتجاز واستغلال وفقدان، أو موت مجهول في الصحراء أو البحر. لذا فإنّ أخطر ما أفرزته الحرب ليس الدمار فقط، إنما تحويلها الإنسان نفسه إلى مشروع هجرة دائمة بحثاً عن الأمان».

Scroll to Top