أتر

دفتر أحوال السودان (125): من محلية كُبَم وقرى غرب بارا

محلية كُبَم جنوب دارفور: نزاع الحاكورة يجدّد الاقتتال بين البني هلبة والسلامات

مراسل أتر

شهدت محلية كبم، غربيّ مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، اشتباكات قبَلية دامية بين قبيلتي السلامات والبني هلبة، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، ودمار في أجزاء من البنية التحتية، إلى جانب نزوح أعداد كبيرة من السكّان نحو قرى ومدن أكثر استقراراً.

يقول عبد الرحمن موسى، وهو اسم مستعار لأحد سكّان المحلية، لمراسل «أتَـر»، إنّ شرارة الأحداث اندلعت عقب مقتل راعٍ ونهب مواشيه على يد مسلّحين وصفهم بـ«المتفلّتين»، يتبعون لأحد طرفي الاقتتال الأهلي، وينشطون في شكل عصابات تنهب التجّار والمارّة بعد إغلاق السوق بين الخامسة والتاسعة مساءً. وأضاف أنّ مجموعة من ذوي الراعي القتيل تحرّكت فور وقوع الحادثة لتعقّب الجناة بغرض الثأر واسترداد الأموال المنهوبة، وتمكّنت من قتل اثنين منهم وأسْر آخر، الأمر الذي أدَّى إلى تصاعد التوتر وتحوُّل الحادثة إلى مواجهات واسعة بين الطرفين. وتنتمي القبيلتان المُقتتِلتان إلى الحلف القبَليّ ذاته الذي يُنظر إليه بوصفه حاضنة اجتماعية لقوات الدعم السريع في إقليم دارفور.

وبحسب موسى، شكَّلت الإدارة المدنية المُعيّنة من حكومة «تأسيس» لجنةً ضمّت ممثّلين من قبائل الفلاتة والمِسيرية وخُزام وقبائل أخرى، بهدف احتواء التوتّر بين الجانبين وتسليم الجثمانين والأسير إلى قبيلتهم.

وأوضح أنّ قوات الدعم السريع دفعت، منذ السبت الماضي، بعشر مركبات قتالية من مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور لمحاولة احتواء الموقف، إلا أنّ الاشتباكات امتدّت لاحقاً إلى منطقة «دمبا سلي سلي» جنوب كبم، بعد هجوم شنّته مجموعة من قبيلة السلامات باستخدام عربتين قتاليتين ودرّاجات نارية، من دون تسجيل خسائر بشرية.

وفي اليوم الثالث للاقتتال، تدخّلت الإدارة الأهلية في نيالا داعيةً إلى الصُّلح بين الطرفين، كما أرسلت الشرطة الفيدرالية، التابعة لحكومة «تأسيس»، قوةً للفصل بين المتقاتلين وحماية المدنيّين، وفقاً لعبد الرحمن، الذي أشار إلى أنّ تدخُّل الشرطة والدعم السريع أسهم نسبياً في تهدئة الأوضاع.

ويتجدّد النزاع بين السلامات والبني هلبة منذ عقود بسبب الخلافات حول الأراضي والسيادة عليها التي تنظّمها مبادئ «الحاكورة» المُتعارف عليه في دارفور. ويُعتبر الاقتتال الحاليّ بين القبيلتين امتداداً لما حدث في أغسطس 2023. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، عُقدت عدة مؤتمرات صلح بين الطرفين برعاية قوات الدعم السريع، التي تسيطر على أجزاء واسعة من إقليم دارفور، وذلك في كاس بجنوب دارفور خلال نوفمبر 2023، ثمّ في مُكجَر بوسط دارفور ونيالا خلال يونيو ويوليو 2024، إضافة إلى مؤتمَرين آخرين في نيالا خلال يوليو وديسمبر 2025.

من جانبه، يعزو المواطن جلاي حسن تجدُّد القتال هذه المرة إلى إحراق مساحات مخصَّصة للرعي قرب كبم، إلى جانب مقتل أحد الرعاة ونهب مواشيه، مضيفاً أنّ استخدام الطرفين لأسلحة ومركبات تتبع لقوات الدعم السريع ساهم في تصاعد حدّة المواجهات يوم الاثنين الماضي، ما أدّى إلى سقوط 14 قتيلاً وجريحاً، بحسب حصيلة أولية. وأشار إلى أنّ القوة المشتركة من الدعم السريع والشرطة الفيدرالية، التي وصلت إلى كبم وتضمّ عشرات عربة قتالية، لا تزال غير كافية لاحتواء النزاع.

وفي الأول من يونيو الجاري، تعرَّض سوق محلية كبم لضربات نفّذتها طائرة مُسيّرة بثلاث قذائف، ما أدّى إلى سقوط قتلى وجرحى. وأدان تحالف «تأسيس» الهجوم، معلناً مقتل 12 مدنياً وإصابة العشرات. وقال عبد الرحمن موسى إنّ المُسيّرة جاءت من مسافات بعيدة، واستهدفت تجمّعاتٍ للمدنيين وطرفي الاقتتال الأهلي داخل السوق.

قرى غرب بارا: هجمات دامية وحصار خانق يفاقم معاناة المدنيّين

مراسل أتر

أفادت مصادر محليّة في قرى غرب محلية بارا بولاية شمال كردفان بارتفاع حصيلة قتلى الهجوم الأخير، الذي تُتَّهم قوات الدعم السريع بتنفيذه في 28 مايو الماضي، إلى 81 قتيلاً، بعد العثور على جثامين 27 شخصاً في منطقة «أزحف».

وتعيش مناطق غرب بارا أوضاعاً إنسانية بالغة السوء بسبب الحصار الذي تفرضه قوّات الدعم السريع منذ نهاية مايو الماضي، وسط صعوبات متزايدة في التنقّل والحصول على الغذاء ومياه الشرب.

وقال جمعة إبراهيم بخيت، وهو من سكّان منطقة سعدون الشريف، لمراسل «أتَـر»، إنَّ السكّان يحاولون النزوح إلى مدينة الأبيض، لكنهم يفشلون بسبب الحصار المشدَّد المفروض على المنطقة.

بدَوْره، قال موسى الصافي، أحد سكّان المنطقة، إنّ قوات الدعم السريع تفرض حصاراً محكماً، حتى بات الحصول على مياه الشرب أمراً بالغ الصعوبة. وأوضح أنّ الأحداث بدأت عقب اعتراض مسلّحين يتبعون للدعم السريع سيارةً يملكها أحد سكّان قرية «المُرّة» بغرض نهبها، قبل أن يقتلوا سائقها. وأضاف أنّ سكّان القرية تحرّكوا فور وصول الخبر، وتمكّنوا من ملاحقة القوة واستعادة السيارة بعد اشتباكات دارت على بعد نحو 15 كيلومتراً غربيّ القرية. وبحسب الصافي، حشدت قوات الدعم السريع لاحقاً قوة عسكرية كبيرة قوامها نحو 20 مركبة قتالية مزوَّدة بأسلحة ثقيلة، وشنّت هجوماً ظهر يوم 28 مايو على القرية، استهدف منزلاً كانت تُقام فيه مناسبة زواج.

وأدانت مجموعة «محامو الطوارئ» الهجمات التي استهدفت قرى المُرّة وسعدون الشريف والرضة بريف بارا، كما أصدرت لجنة طوارئ قرية المُرّة بياناً وصفت فيه القرى المستهدَفة بأنها «مناطق مدنية خالصة». وذكرت اللجنة أنّ الهجوم بدأ على قرية أم سعدون الشريف، قبل أن يمتدّ إلى قرية المُرّة، مشيرةً إلى أنّ القوات المهاجمة نفّذت عمليات نهب واسعة لممتلكات السكّان، إلى جانب سقوط عشرات الضحايا.

وقال عبد الرحمن إدريس أبو لجين، وهو من سكّان قرية المُرّة، إنّ القرية عاشت خلال اليوم الأول للهجوم، مضيفاً: «وصلنا مرحلة ما كنا عارفين نعمل شنو». وأكّد أبو لجين سقوط 27 قتيلاً في اليوم الأول، مشيراً إلى أنّ مجموعات مساندة من القرى المجاورة حاولت الوصول إلى المُرّة لصدّ الهجوم، لكن أكثر من 30 شخصاً منهم قُتلوا بعد وقوعهم في كمين نصبته قوات الدعم السريع. وكشف عن اتصالات أجراها السكّان مع قيادات من قوات الدعم السريع في بارا، أفضت إلى اتفاقٍ يسمح بدفن القتلى، وإسعاف الجرحى إلى مستشفيات الأبيض، إضافة إلى تخفيف الحصار المفروض على المنطقة.

وأشار أبو لجين إلى أن هناك مفقودين لم يُعثر عليهم حتى الآن، نافياً ما تردَّد عن نقل معتقَلين من المنطقة إلى نيالا بولاية جنوب دارفور. وقال إنّ السكّان يُرجّحون أن يكون المفقودون قد أُعدموا أو ما زالوا محتجَزين داخل بارا. وأضاف أنّ الحادثة الأخيرة ليست الأولى من نوعها، لكنها كانت «الأكبر والأكثر دموية»، موضحاً أنّ المسافرين إلى مدينة الأبيض يتعرّضون على نحو متكرّر لعمليات نهب واعتقال وابتزاز مالي، تصل فيه طلبات الفدية أحياناً إلى 30 مليون جنيه للشخص الواحد.

وقال أبو لجين: «حتى الآن مناطقنا محاصرة من قِبل الدعم السريع، ولا يجد السكّان حرية الحركة في التجارة أو البيع، وأيّ بضائع يجري نقلها تُصادر، ما أدّى إلى تلف المحاصيل الزراعية وبقائها حبيسة المنازل، وتسبّب في خسائر كبيرة دفعت كثيرين إلى ترك الزراعة».

في المقابل، اتهم الناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع جهاز المخابرات العامة بالوقوف وراء الأحداث، وقال إنّ الاشتباكات بدأت إثر مواجهة بين «فزع أهلي» وسيارتين قتاليّتين تقلّان مسلّحين مجهولين، مشيراً إلى أنّ قيادة الدعم السريع وَجَّهت بتشكيل لجنة لتقصّي الحقائق حول أحداث غرب بارا.

لكنّ عبد الرحمن إدريس أبو لجين نفى تبعية سكّان المنطقة لأي جهة، مؤكّداً أنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم، وقال: «ما ممكن أتهاجم داخل قريتي، وأنا في مناسبة فرح، وأشوف الرصاص فوق رأسي وأستنّى أوامر، دا كلام غير منطقي».

Scroll to Top