من التحرير
هذا هو العدد 125 من مجلة «أتَـر»، أعدّته الدفعة الخامسة من زمالة «سودان فاكتس» تخطيطاً وتفكيراً وكتابةً.
أسَّسْنا برنامج الزمالة في العام 2020، لنختبر من خلاله التربة الصّالحة لنهضة صحافة مهنيّة ومسؤولة أمام القانون. جاء ذلك عقب سقوط نظام عمر البشير، الذي حرص لسنوات على فرض القيود على الحرّيات وفُرَص النجاح، وتفنَّن في ذلك حتى سيطر على تدفُّق المعلومات الضروريّة، وتلاعَبَ بالرأي العام على مدى ثلاثة عقود.
كانت عودتنا من الاستبداد إلى الحرِّيات رحلةً مرهقةً وطويلة، فمن سِمَات الاستبداد ألا نتمتَّع بالحرِّيات وإنْ حصلنا عليها. لقد بنى النظام السابق نموذجاً سياسياً قائماً على الرواية الواحدة، وعلى إدارة الخلافات عبر التلاعب بها، بدلاً من طرحها للنقاش والحوار والتنافس.
وكان هدفنا المباشر مزدوجاً، أن نفتح باباً يقودنا إلى خلق فرص للصحافيّين والصحافيّات في بدايات مشوارهم المهني، وأن نفتح باباً آخر لتقديم صحافة مهنيّة ومنظّمة وفاعلة، فنحن في حاجة إلى صحافيّين وصحافيّات يتمتّعون بالدّربة اللازمة لحمل قيم الصّحافة والأدوات المهنية معاً، في تناغم وإبداع، بما يساعدهم على تحديد الأخبار التي تكون معرفتها ضرورية للمجتمع، وابتداع طرق فعّالة للتفاعل معها.
ونؤمن في شبكة «أتَـر» بأنّ الصّحافة لا تُبنَى على السرعة وحدها، بل على البحث والتقصّي والتحقّق المستمرّ من المعلومات. لذلك نسعى إلى ترسيخ ممارسة صحافية واقعية، تنطلق من فهم تعقيدات المجتمع، وتقترب من الناس وقضاياهم اليومية بعيداً عن التبسيط والدعاية والاستقطاب.
يتوافق هذا المسعى مع الأدوار الأساسية للصّحافة، وقد تضاعفت الحاجة إليه بعد اندلاع الحرب، وما صاحبها من بروباغاندا محلية وإقليمية أغرقت الفضاء العامّ بالمعلومات المضلّلة والأكاذيب، وأسهمت في تعميق الحرب على الأرض وفي المجال الإعلامي.
لذلك نرى أنّ الصحافة القائمة على البحث والتقصّي والتحقّق أصبحت ضرورة لفهم التحوّلات العميقة التي يعيشها السودان اليوم، وإنتاج معرفة دقيقة وموثوقة تساعد المجتمع على رؤية ما يحدث بعيداً عن الضجيج والتلاعب، وهو ما نحاول تطويره عبر التدريب والتجريب والعمل الميداني المستمرّ.
وخلال سنوات برنامج الزمالة، أتاح عدد كبير من المحاضرين والموجِّهين والمختصّين في مجالات مختلفة عصارة تجاربهم ومعارفهم لفريق البرنامج. علّموا فأحسنوا التعليم، وشاركوا خبراتهم مع متدرّبين ومتدرّبات في أولى خطواتهم نحو الحياة المهنية في الصحافة، فأسهم ذلك في تشكيل وعيٍ ومعرفةٍ بقضايا الاقتصاد والاجتماع والسياسة في سياقٍ دائم التغيّر.
على غرار عدد الزّمالة الخاص رقم (50) الذي أنجزته الدّفعتان الثالثة والرابعة، وصدر في 17 أكتوبر 2024، نرى في هذا العدد دليلاً واضحاً على أثر ذلك التدريب، من خلال اختيار القصص والقضايا وطريقة عرضها، إذ وجدت كلّ زميلة وزميل الفرصة لمزج المهارات والخبرات والخلفيات والاهتمامات في عمليتي الاختيار والتنفيذ.
اليوم، وبعد خمس دورات استفاد منها على نحو مباشر أكثر من 40 زميلاً وزميلة، نخطو نحو تأسيس أكاديميّة للصحافة، لتكون أوّل مؤسَّسة تعليمية تهتمّ بالتدريب العمليّ لمن يرغبون في بدء مسيرة صحافيّة مهنيّة. ونأمل أن تقدِّم هذه المؤسَّسة تجربة تعليميّة مبتكرة في مجال الصحافة.
ضمّت هذه الدورة 10 صحافيّين وصحافيّات من خمس ولايات سودانية هي: البحر الأحمر، نهر النيل، القضارف، كسلا، وجنوب دارفور. 5 منهم يمثلون القائمة الأولى، و5 يمثلون القائمة الثانية. وخلال فترة الزمالة نظّموا منتديات، نطرح ملخّصاتها في هذا العدد، اختاروا خلالها خمس قضايا تمسّ ولاياتهم لعرضها أمام مجموعات نقاش مصغّرة تضمّ ما بين 10 إلى 15 مشاركاً. تنوّعت القضايا بين التسرّب المدرسي في نهر النيل، وأزمة مياه مدينة القضارف المستعصية على الحكومات المتعاقبة، وتحوّلات حركة الأعمال الصغيرة في بورتسودان وكيف تأثّرت المدينة بمزيج الأعمال القديمة والجديدة بعد الحرب وبقرارات الحكومة المركزيّة على قطاع اقتصاديّ مهمّ وهو قطاع الموانئ، إلى جانب مشكلات التعليم في جنوب دارفور، وأزمة العمل والهجرة وسط الشباب في كسلا.
هذه عناوين مستلهَمة من معايشة وإدراك وتصوّر عميق لمعنى التغطية الصحافيّة المحليّة، ومدى أهمّيتها وضرورتها، خصوصاً في ظلّ الحرب التي ضربت القواعد الأولية لاجتماع الناس.
ويبقى من المهمّ أن نشير إلى أننا في شبكة «أتَـر» ومركز «سودان فاكتس» للصّحافة نشعر بفخر كبير بأداء ومشاركة هذه الدّفعة من برنامج الزمالة. فقد بذلوا جهداً كبيراً، وأظهروا التزاماً صارماً بالأنشطة، وتحلّوا بالتفكير الخلّاق وروح المبادرة والابتكار، واستطاعوا العمل ضمن فريق متنوّع في الخلفيات والاهتمامات، بالتعاون مع فريق شبكة «أتَـر» ومراسليها، وقدّموا قصصاً وقضايا نوعيّة وجديدة، وكانوا إضافة حقيقيّة لتغطية الشبكة.
هيئة تحرير شبكة أتر
تقرأون في هذا العدد
تسيطر قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور، وتتخذ من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، عاصمة إدارية لها وحلفائها في حكومة تأسيس، لكن الولاية تشهد أوضاعاً أمنية مُعقدة. قابل محمد صالح عدداً من سكان الولاية، وسألهم حول الأوضاع الأمنية وكثرة القيود الإجرائية والقانونية التي فرضتها حكومة «تأسيس»، وروى ما يُعايشون من خوف.
بعد عام من ملء سد مروي، رفض كثيرٌ من أهالي المناصير خيار الرحيل، وتمسكوا بالبقاء على ضفاف بحيرة السد، بلا خدمات لكن في أرضهم. لم تكن القضية بالنسبة لهم مجرد انتقال من مكان إلى آخر، إنما قضية هوية وميراث وأرض عاش فيها أجدادهم. وعلى مرِّ السنوات، تصاعدَتْ احتجاجات أبناء المنطقة، مطالبين بالبقاء داخل ديارهم الأصلية وإعادة توطينهم فيها بدلاً عن تهجيرهم بعيداً منها. تَحدّثت أم أيمن أيوب إلى سكان المنطقة، ودونت ما يواجهون.
يمثل تخزين المحاصيل في صومعة القضارف، جزءاً أساسياً من دورة الحياة الاقتصادية في المدينة، وحافظاً لذاكرة زراعية تراكمت على مدى نحو ستة عقود. خَطَّ مدثر خليفة، بروفايلاً عن صومعة القضارف، مُتناولاً تاريخ نشأتها، وتطورها في المراحل المختلفة وما حدث لها، كما أجرى مقابلة مع أحد العاملين بها لأربعين سنة.
ألقت حرب السودان، بثقلها على الوضع الاقتصادي المُتردِّي، ما بدَّد آمال كثير من الشباب في الزواج، وتهاوى الحلم الجميل بتكوين أسرة وابتدار مشاريع تقي مسغبة الحياة، وعصفت الأحداث بالطموح اليافع في قدوم الفرح المأمول لهذا وغيره. رأى هؤلاء الشباب في خوض تجربة الرحيل خياراً أفضل. يكتب محمد سليمان عن تجارب شباب سودانيين في الهجرة غير الشرعية، من السودان شمالاً عبر ليبيا والمغرب وصولاً إلى قارة أوروبا.
تنقب دعاء الحسن، في تاريخ نشأة مدينة بورتسودان بولاية البحر الأحمر، كيف كانت شوارعها نظيفة، وأرصفتها واضحة، وخدماتها الأساسية قريبة نسبياً من حياة الناس، لكن بعد تسارع الحرب واشتداد موجات النزوح نحو المدينة، بدأت تفقد ملامحها؛ لكنها ما زالت تعرف رائحة البحر، وصوت السوق، وهدوء بعض الأحياء، رغم أنها لم تعد تتحرّك بالإيقاع القديم ذاته.
يكتب مراسلو ومراسلات «أتر»، عن أحداث الاقتتال القبلي في محلية كبم بولاية جنوب دارفور، كما نطالع تفاصيل ما حدث في قرى غرب محلية بارا بولاية شمال كردفان.
يعود مجدي الجزولي في هذا العدد، ليكتب في باب «جورنال من البلد»، عن مدينة أم درمان وكيف تبدل حال أهلها بفعل الحرب، مجرياً مقاربات لما بعد وأثناء المعارك بأم درمان الحربية.
خصصت الدفعة الخامسة من برنامج زمالة، جزءاً من برنامجها لعمل منتديات مفتوحة، في ولايات شمال دارفور، البحر الأحمر، كسلا، القضارف، نهر النيل، في قضايا التعليم والمياه والاقتصاد، وحضرها عدد مقدر من المهتمين والمختصين. تقرأون في هذا العدد، تغطية للمنتديات التي أعدها فريق الزمالة في مختلف الولايات.
وختاماً، تطالعون نشرة أسعار المواد الاستهلاكية والعملات والذهب.



