شهدت العاصمة الليبية طرابلس الخميس 4 يونيو، تظاهرات حاشدة هي الأكبر من بين سلسلة احتجاجات ضد المهاجرين بسبب مزاعم عن مشاريع لتوطينهم داخل البلاد. واحتجّ المتظاهرون أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وبمقر بعثة الأمم المتحدة في ليبيا (UNSMIL) بطرابلس، وفي اليوم التالي أغلقوا بوابات المقرّين. وأعقب ذلك انطلاق حملات أمنية مكثّفة وغير مسبوقة لضبط العمالة الوافدة وترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم، ليجد آلاف السودانيين أنّ رحلتهم التي بدأت بحثاً عن الأمان انتهت خلف جدران مراكز الاحتجاز، أو حبيسي منازلهم خوفاً من النزول إلى الشارع، لتفادي الترحيل.
ومنذ بدء تصاعد الجدل في ليبيا حول الهجرة غير النظامية ومخاوف التوطين، امتدت الاحتجاجات سريعاً من الشارع إلى وسائل التواصل الاجتماعي حيث انتشرت دعوات تطالب بمقاطعة العمالة الأجنبية وإخراجها من الأحياء السكنية وأماكن العمل، ودعا بعض الناشطين إلى عدم تأجير المنازل للمهاجرين أو تشغيلهم أو التعامل التجاري معهم. وشهدت منصّات التواصل الاجتماعي حملات واسعة تحت وَسْم «لا للتوطين»، تطالب بتشديد الرقابة على الأجانب وضبط الحدود وترحيل المخالفين، وهو ما انعكس على أوضاع السودانيين في ليبيا، إذ باتوا يواجهون منعرجاً هو الأكثر خطورةً منذ بدء تدفّقات النزوح غداة اندلاع حرب 15 أبريل 2023م.
وقد شهد عقد الثمانينيات من القرن الماضي، تدفّقات كبيرة للسودانيين إلى ليبيا عبر الصحراء الكبرى هرباً من الفقر والنزاعات المسلحة، لا سيما من كردفان ودارفور، وكانت غالبية المغادرين إلى ليبيا من فئة الشباب، غير أنّ التدفقات الراهنة منذ 15 أبريل 2023م ضمّت مختلف الفئات من المجتمع السوداني، من أطفال ونساء وكبار في السنّ بجانب الشباب الذين يأملون في الوصول إلى ليبيا بأمل أن تكون بوابتهم إلى حياة أفضل في إحدى الدول الأوروبية.
رغم تقاطع المواقف بين السلطات في شرق ليبيا وغربها والانقسام السياسي المستمرّ، تزامنت الحملات والإجراءات الأمنية المشدّدة، من قِبل الحكومتين في طرابلس وبنغازي، تحت شعار «مناهضة التوطين»، وتُرجمت على الأرض في شكل حملات دهم وتوقيف واسعة طالت المئات في مختلف المدن الليبية.
وفق تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يُعدّ السودانيون الأكبر عدداً بين اللاجئين المسجَّلين لديها في ليبيا، بنسبةٍ تناهز 82%. وبحسب المفوضية فقد دخل نحو 559,920 لاجئاً سودانياً إلى الأراضي الليبية منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023. وأوضح التقرير أنّ إجمالي المسجَّلين في مركز المفوضية بطرابلس إلى 91,494 لاجئاً. وتتوزّع التجمعات الرئيسة للاجئين السودانيين في عدة مدن ليبية أبرزها في الكُفرة وبنغازي وأجدابيا وطرابلس ومصراتة.
وبرغم أن الأمم المتحدة نَفَت، في بيان لها، وجود أي برامج لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، مؤكّدة أن برامجها تقتصر على العودة الطوعية والإجلاء إلى دول ثالثة، لم تخفت حدّة الجدل على منصّات التواصل الاجتماعي، بل تحوّل إلى موجة حادة من المخاوف الأمنية والاقتصادية والسياسية. وبرغم تقاطع المواقف بين السلطات في شرق ليبيا وغربها والانقسام السياسي المستمرّ، تزامنت الحملات والإجراءات الأمنية المشدّدة، من قِبل الحكومتين في طرابلس وبنغازي، تحت شعار «مناهضة التوطين»، وتُرجمت على الأرض في شكل حملات دهم وتوقيف واسعة طالت المئات في مختلف المدن الليبية.
وابتَدرت وزارة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية، في طرابلس، تلك الإجراءات في الأول من يونيو، فأكّدت رفضها توطين المهاجرين، وأعلنت في بيان عن تمسّكها بما وصفته بـ «الثوابت الوطنية في التصدي للظاهرة»، وقالت إنها تؤكد على «حقّ المواطن في التعبير عن رأيه الذي كفله الإعلان الدستوري المؤقت والتشريعات النافذة»، لكنها دعت في الوقت ذاته إلى «ضرورة تحري الدقة فيما تنشره بعض الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي وعدم الانجرار وراء أي دعوات تحريضية أو شائعات لا أساس لها من الصحة». وسارعت بقية أطراف حكومة طرابلس، وفي مقدمتها المجلس الرئاسي، والحكومة الليبية، والمجلس الأعلى للدولة، وهيئة الرقابة الإدارية، إلى إعلان جبهة موحّدة ضد أي محاولات لتوطين المهاجرين غير النظاميين.
وقال وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، عماد الطرابلسي، إنّ وزارته رحّلت خلال الفترة الماضية آلاف المهاجرين من مختلف الجنسيات وفق الأطر القانونية والإنسانية المعتمدة، ضمن البرنامج الوطني لترحيل المهاجرين، معتبراً أن هذا الملف يمثل تحدياً أمنياً ووطنياً يتجاوز مسؤولية وزارة الداخلية.
وتطابقت المواقف الرسمية في شرق البلاد الذي تسيطر عليه القوات المسلحة الليبية والحكومة الليبية، مع حكومة طرابلس غرباً، في خطوة غير مسبوقة، فقد أصدر نائب القائد العام للجيش الليبي، صدام حفتر، أوامر صارمة للأجهزة الأمنية شرقاً وجنوباً بإنهاء الوجود غير القانوني للمهاجرين غير النظاميّين على الأراضي الليبية. وقال إنه أشرف على الحملة «حفظاً للأمن العام وسلامة المواطنين». وإثر ذلك، أعلنت عدد من مديريات الأمن في شرق البلاد وجنوبها، وفقاً لرصد مراسل «أتَـر»، إطلاق حملات لضبط المهاجرين المخالفين، ثم أعلنت ترحيل أعداد كبيرة منهم في اليوم ذاته جواً. كما أعلن مجلس النواب، في بنغازي، رفضه القاطع لأي ترتيبات سرية أو علنية، تمسّ التركيبة الديمغرافية للبلاد.
وفي بيان صدر يوم الأربعاء 3 يونيو، وجّهت الحكومة الليبية في بنغازي أجهزتها المعنيّة بالشروع الفوري في تنفيذ القوانين والقرارات النافذة لمواجهة الهجرة غير الشرعية، ووصفت القضية بأنها مسألة سيادية ووطنية عليا لا تقبل التهاون. وبرغم هذه المقاربة الأمنية الصارمة، حرصت الحكومة الليبية في بيانها على التأكيد على خصوصية أوضاع النازحين السودانيين الفارّين من الحرب الدائرة في بلادهم، مشدّدة على أنّ إجراءات مكافحة الهجرة غير النظامية ومشاريع التوطين لا تمسّ المواقف الإنسانية والأخوية الثابتة للدولة الليبية تجاه الأشقاء النازحين من جمهورية السودان. ويعكس ذلك محاولة للموازنة بين متطلبات الأمن القومي وضبط الوجود الأجنبي من جهة، والاعتبارات الإنسانية المرتبطة باستقبال الفارّين من النزاع السوداني من جهة أخرى.
غير أن هذه الضمانات الرسمية تطرح تساؤلات حول مدى انعكاسها على الواقع الميداني، في ظلّ الحملات الأمنية المتواصلة، ومخاوف السودانيين من الوقوع ضمن إجراءات الضبط والترحيل. وقد شهدت مدن شرق ليبيا، بما فيها بنغازي، طبرق، درنة، البيضاء، وأجدابيا، حملات دهم وتفتيش واسعة أسفرت عن توقيف وترحيل آلاف الأشخاص من جنسيات مختلفة بينهم سودانيون.
وأظهر ڤيديو بثته قناة «ليبيا الحدث»، التمام اليومي للنزلاء بمراكز الإيواء التابعة لفروع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، ليوم الجمعة الماضي فقط، شمل بلديات البطنان ودرنة، والقبة وشحات والبيضاء والمرج وبنغازي وأجدابيا وسرت والكفرة والمنطقة الجنوبية، بإجمالي سبعة آلاف وسبعمائة واثنين وثمانين نزيلاً، ظهروا متراصّين في باحة واسعة، يتقدّمهم حضور كثيف لمهاجرين سودانيين، في مشهد يعكس جانباً من الظروف المعقّدة التي يعيشها السودانيون في ليبيا، في ظلّ الحملات الأمنية المستمرة لمكافحة الهجرة غير النظامية وما تفرضه من تحديات على المهاجرين الموجودين داخل البلاد.
حبيسو منازلهم
ومع تصاعُد الخطاب المناهض للمهاجرين بدأت تتزايد مشاعر القلق وسط السودانيين المقيمين في ليبيا، خاصة مع انتشار دعوات تستهدف العمالة الأجنبية بعامة، دون تمييز بين مهاجر اقتصادي أو لاجئ فرّ من الحرب أو طالب لجوء ينتظر الحماية الدولية. ويقول سودانيون مقيمون في ليبيا تحدثوا مع «أتَـر» إن كثيراً من الأسر باتت تتجنب التنقل إلا للضرورة، بينما فضل بعضهم البقاء داخل منازلهم خشية التعرض للتوقيف أو المضايقات أو الاعتداءات الفردية. إذ أدت المخاوف الأمنية التي صاحبت الاحتجاجات الأخيرة إلى تقليص حركة كثير من السودانيين المقيمين في ليبيا، وقال عدد منهم إنهم فضلوا البقاء داخل منازلهم وتجنب التنقل إلا عند الضرورة القصوى خشية التعرض لمضايقات أو اعتداءات.
تروي أبرار محمد على من مدينة البيضاء لـ «أتَـر»، أنها وأسرتها ظلّوا عالقين داخل مسكنهم منذ الخميس الماضي، خوفاً من توقيفهم من قِبل الحملات المنتشرة في كلّ مكان، قائلة: «لم نستطع الخروج إلى المحلات التجارية أو المخابز خوفاً من التوقيف أو الاحتجاز»، وأشارت إلى أن السلطات نفذت حملات دهم لكثير من السودانيين، كما لاحقت الشباب في الشوارع وأماكن أعمالهم.
ويقول أب سوداني يقيم مع أسرته في مدينة صبراتة، متحدثاً لـ «أتَـر» إنّ أفراد أسرته عاشوا حالات من التوتر المستمر خلال فترة الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين. وأضاف أن الخوف كان يتعاظم على وقع ذكريات أحداث عام 2011 التي تعرّض خلالها أجانب ومهاجرون لاعتداءات وأعمال عنف في بعض المناطق الليبية، مشيراً إلى أنّ الحديث عن تلك الأحداث كان يتكرّر على ألسنة بعض الليبيين خلال الفترة الأخيرة. وقال إّن أسرته كانت تتوقع في أي لحظة التعرّض للمداهمة أو الاعتداء من قِبل مجموعات متطرفّة، مضيفاً أن أطفاله عانوا من اضطرابات في النوم وكوابيس متكرّرة بسبب القلق الذي عاشته الأسرة.
وتحدّث مهاجرون وسكّان محليون عن حالات بدأت فيها بعض المحال التجارية تطلب من المشترين الأجانب إبراز مستندات ثبوتية قبل إتمام عمليات البيع. كما أفاد مهاجرون بأن بعض المتاجر رفضت التعامل معهم.
وأوضح الأب أنهم بقوا داخل المنزل لأكثر من خمسة أيام متواصلة، وأنه لم يغادر إلا عند الضرورة القصوى لشراء الطعام ومياه الشرب وبعض الاحتياجات الأساسية. وأضاف أنه كان يتجنب الطرق الرئيسة ويتحرّك عبر الأزقة الجانبية خشية التعرّض للمضايقات أو التوقيف، مشيراً إلى أنّ صاحب متجر أبدى تعاطفاً معه وعرض توصيل احتياجاته إلى المنزل لتجنّب خروجه المتكرّر. وقال إنّ أفراد الأسرة بدأوا خلال تلك الأيام مناقشة فكرة العودة إلى السودان رغم استمرار الحرب هناك، لكن مجرد الخروج من المنزل لترتيب إجراءات السفر كان يمثل تحدياً ومصدر خوف بالنسبة لهم.
وتحدّث مهاجرون وسكّان محليون عن حالات بدأت فيها بعض المحال التجارية تطلب من المشترين الأجانب إبراز مستندات ثبوتية قبل إتمام عمليات البيع. كما أفاد مهاجرون بأن بعض المتاجر رفضت التعامل معهم.
وفي حادثة بمدينة طرابلس، قال سوداني مقيم بليبيا في حديثه لـ «أتَـر»، إنه تعرّض للرفض أثناء محاولته شراء احتياجات من أحد المتاجر في منطقة جنزور، بعدما اتهمه صاحب المتجر بأنه مهاجر غير شرعي وأنه دخل البلاد على نحو غير قانوني. وأضاف الرجل أنه أوضح لصاحب المتجر أنه مقيم قانونياً، إلا أن الأخير رفض البيع له، قبل أن يتدخّل أشخاص كانوا موجودين في المكان ويمنعوا تطور الموقف إلى اعتداء جسدي.
ورغم عدم صدور أي قرارات رسمية بحرمان المهاجرين من شراء الأدوية أو المواد الغذائية أو الحصول على الخدمات الأساسية، فإن هذه الشهادات مؤشرٌ مقلق على انتقال بعض مظاهر التمييز من الخطاب الإلكتروني إلى الممارسات اليومية.
وفي مدينة الزاوية، قالت امرأة سودانية لـ «أتَـر» إنها شعرت بتزايد المخاوف على سلامتها وسلامة أسرتها خلال الأيام الأخيرة، مشيرةً إلى أن بعض جيرانها كانوا يعبّرون عن رفضهم لوجود الأجانب في المنطقة حتى قبل اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة. وأضافت أنها أبلغت مالك المنزل برغبتها في المغادرة خوفاً من تدهور الأوضاع، إلا أنه طالبها بإجراء أعمال صيانة للغرفة والمرافق التي تقيم فيها أو دفع مقابل مالي قبل إخلاء المنزل. وقالت إنها اضطرّت إلى الاستجابة للمطلب تجنباً لأي خلاف قد يضعها وأسرتها في موقف أكثر صعوبة في ظل الظروف القائمة.
وقد تزامنت الاحتجاجات مع انتهاء العام الدراسي وإغلاق المدارس بعد الامتحانات النهائية، وهو ما حدّ من احتمالات الاحتكاك المباشر بين التلاميذ الليبيين وأبناء الأسر المهاجرة واللاجئة. ويرى مراقبون أن عودة الدراسة خلال الموسم المقبل ستكون اختباراً مهمّاً لقدرة السلطات التعليمية على حماية التلاميذ الأجانب ومنع أي ممارسات تمييزية داخل المدارس.
أين السفارة السودانية؟
أصدرت السفارة السودانية في طرابلس في يوم 4 يونيو بالتزامن مع محاصرة المتظاهرين لمقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بياناً أعلنت فيه بدء الاستعدادات للمرحلة الثانية من برنامج العودة الطوعية، وذلك، عقب نشر الكشف الثالث للمسجّلين وفق أسبقية استلام المستندات.
وفي موازاة تلك الأوضاع المتصاعدة، يوجّه عدد من السودانيين في ليبيا انتقادات إلى سفارة بلادهم والقنصليات التابعة لها، متّهمين إياها بالتقصير في متابعة أوضاعهم وعدم تقديم الدعم اللازم لهم، في وقت يقولون إنهم يواجهون تحديات متزايدة تتطلب حضوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية واستجابة أكبر لمطالبهم ومشكلاتهم.
يقول الشاب أنس محمد علي، غاضباً إنّ السفارة السودانية لم تؤدّ واجبها بتوجيه رعاياها أو تحذيرهم حتى قبل اندلاع تظاهرات الخميس الماضي، وبدلاً من ذلك أعلنت في يوم التظاهرات عن برنامج العودة الطوعية ولم تُشِر إلى الأوضاع الماثلة بكلمة.
وكانت السفارة السودانية في طرابلس قد أصدرت في يوم 4 يونيو بالتزامن مع محاصرة المتظاهرين لمقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بياناً أعلنت فيه بدء الاستعدادات للمرحلة الثانية من برنامج العودة الطوعية، وذلك، عقب نشر الكشف الثالث للمسجّلين وفق أسبقية استلام المستندات. ودعت السفارة الأشخاص الواردة أسماؤهم في الكشف إلى تأكيد رغبتهم في العودة خلال 72 ساعة من تاريخ الإعلان، كما حثّت الأسر على مراجعة البيانات وإضافة المواليد الجدد واستكمال إجراءات تحميل المستندات عبر رابط التسجيل الإلكتروني، تمهيداً لإعلان الكشوفات العامة تباعاً بحسب استيفاء المتطلبات.
بعد مرور أربعة أيام على انطلاق الحملات ضد المهاجرين، وتحت وطأة الانتقادات والاتهامات التي وُجهت إليها، أصدرت السفارة في طرابلس بياناً بتاريخ 7 يونيو، لتوضيح موقفها من تطوّرات الوضع، مؤكدةً أن المواطنين السودانيين في ليبيا، بمن فيهم المسجّلون لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا يرغبون في أي مشاريع لإعادة التوطين داخل الأراضي الليبية، مشدّدة في الوقت ذاته على تمسّكهم بالعودة الطوعية إلى بلادهم، ذلك، مع الإشادة بالتعاون مع حكومة الوحدة الوطنية في ملف العودة الطوعية واستمرار التنسيق لاستكمال مراحل البرنامج.
وكان وزير الداخلية الليبي عماد الطرابلسي قد قال إنّ عمليات ترحيل سودانيين من ليبيا قد جرت بالتنسيق مع السفارة السودانية وبناءً على طلب منها. وجاءت تصريحات الطرابلسي هذه بالتزامن مع انتقادات وجّهها سودانيون مقيمون في ليبيا لأداء السفارة، مشيرين إلى أنها أعلنت إغلاق مكاتبها في نفس اليوم الذي شهد احتجاجات وتحركات مناهضة للمهاجرين في عدد من المناطق.
وانتقد صحافيون سودانيون مقيمون في ليبيا، تحدّثوا مع «أتَـر»، السفارة السودانية وعدم إصدارها أي بيانات أو ترتيب آليات واضحة للتواصل مع المواطنين أو تقديم إرشادات أمنية في ظلّ التطوّرات الأخيرة. كما تحدث بعضهم عن غياب خطوط اتصال للطوارئ أو خطط معلنة للتعامل مع الحالات الأكثر عرضة للخطر.
وفي بيان لها أعربت نقابة الصحفيين السودانيين عن قلقها من تعرّض صحافيين سودانيين في ليبيا لمضايقات وتهديدات وممارسات عنصرية، مطالِبة بتوفير آليات حماية عاجلة ودراسة خيارات الإجلاء أو إعادة التوطين للحالات الأكثر هشاشة.
وبحسب مصدر تحدث لـ «أتَـر»، فإنّ السلطات الليبية أعادت خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي نحو 1,500 سودانياً بينهم نساء وأطفال من عرض البحر المتوسط كانوا في طريقهم إلى أوروبا على متن قوارب هجرة غير نظامية، موضحاً أنّ السلطات الليبية عادة ما تُودِع هؤلاء في دُور إيواء قد يمكثون بها طويلاً قبل التقرير بشأنهم بالسجن أو الإبعاد.
انتهاكات موثّقة
أعربت منظمات حقوقية ليبية عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين واللاجئين والعمالة الوافدة. وقالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إنها وثقت تعرّض لاجئ سوداني لاعتداء جسدي في منطقة «رأس أجدير» قرب الحدود التونسية، يوم الخميس 4 يونيو، شمل حرق يديه بالنار على أيدي أشخاص وَصَفتهم بـالخارجين عن القانون. وأضافت المؤسسة أنّ سكاناً من مدينة الجميل نقلوا المصاب إلى إحدى المصحّات لتلقي العلاج، معتبرة أن الواقعة جاءت في سياق تصاعد خطاب التحريض على العنف والكراهية والعنصرية ضد المهاجرين عبر منصات التواصل الاجتماعي. وطالبت المؤسسة وزارة الداخلية بفتح تحقيق عاجل في الحادثة وفي وقائع مشابهة شهدتها مناطق أخرى من البلاد.
من جانبها قالت منظمة رصد الجرائم في ليبيا إنها تتابع بقلق تصاعد الانتهاكات في حقّ المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء منذ مطلع يونيو الجاري. وأضافت أنها وثّقت حملات اعتقال ومداهمات لمنازل يقيم فيها مهاجرون وعمّال أجانب في مدن من بينها طرابلس وبنغازي وإجدابيا والبيضاء، شملت نساءً وأطفالاً وترافقت مع حالات طرد واعتداءات جسدية ولفظية. وقالت المنظمة إنّ عمليات الاعتقال نُفّذت من قِبل جهات أمنية وتشكيلات مسلّحة مختلفة في شرق وغرب ليبيا، مشيرةً إلى رصد مشاركة مدنيين في بعض عمليات المداهمة والاعتداء.
اختفاء العمالة
يعتمد الاقتصاد الليبي بشدّة على العمالة الوافدة إذ يشكّل العمال الوافدون نحو 40% من العاملين في ليبيا. وبالتوازي مع الحملات الأمنية وخشية الاعتقال أو الاعتداءات، بدأت تظهر مؤشرات على تراجع ملحوظ في وجود العمالة الوافدة داخل الأسواق ومواقع العمل. ورصَد فريق «أتَـر»، اختفاءً للمهاجرين من مختلف الجنسيات ومن ضمنهم السودانيون في شوارع مدينة بنغازي. كما أظهرت مقاطع ڤيديوهات نشرها ليبيون توقُّف كثير من الأعمال بالمصانع والورش والأسواق وأعمال البناء التي كان يتقوّم بها المهاجرون. وأظهرت شهادات من طرابلس ومصراتة والزاوية اختفاء أعداد كبيرة من العمال الأفارقة من الشوارع وأماكن العمل خلال الأيام التي أعقبت الاحتجاجات.
وقال أصحاب أعمال إنّ غياب أعداد من العمال أدّى إلى تأجيل تنفيذ بعض مشاريع البناء وأعمال النظافة والخدمات، بينما شهدت بعض المناطق ارتفاعاً في الأجور اليومية بسبب انخفاض أعداد العمال المتاحين. ويرى تجّار أن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة قد يكشف حجم اعتماد الاقتصاد الليبي على العمالة الأجنبية منخفضة التكلفة.
قال الصحافي والكاتب الليبي خليفة البشباش إنّ هناك تجاهلاً متعمّداً لظروف العمل التي يواجهها كثير من العمال الوافدين، معتبراً أنّ بعض أصحاب الأعمال يستفيدون من هشاشة أوضاع هؤلاء العمّال القانونية والمعيشية لفرض ساعات عمل طويلة أو حرمانهم من بعض الحقوق التي يكفلها قانون العمل الليبي. وأشار البشباش إلى أنّ القانون الليبي ينصّ على حدود لساعات العمل اليومية والأسبوعية، ويمنح العامل الحقّ في فترات راحة وإجازات مدفوعة الأجر وتعويضات عن العمل الإضافي، وهي حقوق يفترض أن تشمل العمّال الليبيين والأجانب على حدّ سواء. ورأى أنّ المقارنة بين العامل الليبي والعامل الوافد كثيراً ما تتجاهل الفارق في القدرة على المطالبة بهذه الحقوق أو الاعتراض على ظروف العمل، خاصةً بالنسبة للعمّال الذين يعتمدون بالكامل على وظائفهم لإعالة أسرهم في بلدانهم الأصلية.
تعكس هذه الآراء جانباً من الجدل الدائر في ليبيا حول العلاقة بين سوق العمل والهجرة، وما إذا كان الاعتماد الواسع على العمالة الأجنبية يرتبط فقط بنقص العمالة المحلية، أم أنه مرتبط أيضاً بطبيعة ظروف العمل والأجور السائدة في بعض القطاعات.
لم تكن الحملات الجارية حالياً في ليبيا ضد المهاجرين هي الأولى في نوعها، فمنذ أوائل العام الماضي، يعيش السودانيون في ليبيا قلقاً متصاعداً إثر احتجاجات ضد المهاجرين ظلّ يقودها حراك «لا للتوطين» الشعبي والرسمي، المناهض لتوطين المهاجرين وتصاعدت وتيرة نشاطه في مختلف المدن الليبية، مطلع 2025م، حيث شهدت عدة مدن بما فيها العاصمة طرابلس ومصراتة، تظاهرات مناوئة للوجود الأجنبي والمهاجرين، تزامنت مع حملات ومداهمات أمنية واعتقالات طالت عدداً من السودانيين في مدينتي مصراتة والعاصمة طرابلس ومدن أخرى في الغرب الليبي.



