أتر

دفتر أحوال السودان (126): من المزروب وكسلا

المزروب: إصابات بالكوليرا ومخاوف من تفشي المرض

مراسل أتَر

كشفت مصادرُ طبيّةٌ بمستشفى المزروب بولاية شمال كردفان، عن تسجيل أكثر من 20 حالة إصابة مؤكدة بالكوليرا، خلال الأيام الخمسة الماضية، بينها 6 حالات لمواطنين قادمين من منطقة أم كريدم بولاية غرب كردفان، التي تشهد تفشياً للكوليرا هي الأخرى.

وأفاد مصدر طبي بمستشفى المزروب، فضل حجب اسمه، لمراسل «أتَر»، بتزايد أعداد حالات الإصابة بالكوليرا، موضحاً أن حالات الاشتباه وصلت لأكثر من مائة حالة معزولة بالمستشفى حالياً، وأضاف: «مُعدّل التردّد اليومي هو 5 حالات، وتأتي معظم الحالات وهي تعاني من مضاعفات إسهال مائي حاد». وشرح المصدر لمراسل «أتر»، أن المنطقة بها مستشفى وعدد من المراكز الطبية، تعاني جميعها من نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية واللقاحات الأساسية، إذ إن عدد المحاليل الوريدية بمنطقة المزروب لا يتعدّى الـ 700 درب، ما يَحِدُّ من فاعلية أيِّ جهودٍ تُبذَل لاحتواء الوباء وإنقاذ الأرواح، لافتاً إلى تدهور بيئة المستشفى وافتقاره إلى مياه شرب نظيفة وصحية، ما لا يُمكِّنُه من علاج الحالات الواردة إليه، وكذلك يَفتقر إلى طلمبات رشِّ المُبيدات وأدوات التعقيم والحماية، داعياً المنظمات إلى التدخل السريع.

تُسيطر قوات الدعم السريع، على كامل ولاية غرب كردفان منذ أواخر العام الماضي، وتشهد الولاية تفشياً لمرض الكوليرا في مناطق كثيرة منها. وأرجع مصدر محلي من منطقة المزروب، انتشار المرض لظروف الحصار المفروضة من قبل قوات الدعم السريع على المنطقة، بجانب توقف محطات المياه، ما جعل المواطنين يلجأون إلى مصادر مياه غير آمنة. ووفقاً لإفادات مواطنين بالمنطقة لمراسل «أتَر»، فقد بلغ سعر برميل المياه ما بين 60 و70 ألف جنيه سوداني، ذاكرين أنه في بعض القرى استُهلكت حتى المصادر الثانوية للمياه، وأن المواطنين ينتظرون تساقط الأمطار لشرب المياه المُتجمِّعة.

وأخبر المصدر الطبي بمستشفى المزروب، بأوضاع مُماثلة شهدتها المنطقة في بداية يونيو من العام الماضي، إذ بلغت حصيلة الإصابات حينها 500 إصابة، منها 50 حالة وفاة. ونوه المصدر إلى أن المرض يأتي هذا العام وقد ساءت الأوضاع أكثر مما قبْل، خاصَّةً مع الأزمة الحادَّة في الحصول على مياه نظيفة، وتآكل مُدَّخرات المواطنين الذين كانوا قادرين على شراء الدواء، والتدهور المريع في النظام الصحي نتيجة الحصار المُمتد من قبل قوات الدعم السريع.

وكشف مصدر طبي آخر، مُفضّلاً حجب اسمه، يَعمل في مركز صحي قرية جوال المجاورة للمزروب، أن القرية سجل بها 20 حالة إصابة بالمرض بينها 11 حالة وفاة، خلال خمسة أيام من بدء انتشار المرض، وذلك بين يومي 4 و9 يونيو الجاري، مشيراً إلى أن السبب في انتشار المرض بالقرية هو تلوث مياه الشرب، مع انعدام تام لمياه الشُرب النقية.

وفي قرية شنَّق بولاية شمال كردفان، أُغلِقَت السوق الأسبوعية التي تقام يوم الثلاثاء، بحسب مصادر محلية تحدثت لمُراسل «أتر». وقال جبارة كرامة، أحد سكان القرية، إنهم أغلقوا السوق، لأنه يَؤُمُّ مُواطنين من القُرى المجاورة، سُجّلت في بعضها حالات إصابة بالكوليرا.

ومع انتشار المرض، وفي ظل غياب أيِّ دعم حكومي للمستشفيات، ومع انعدام المحاليل الوريدية والأدوية الخاصة بعلاج مضاعفات المرض، فإن المرضى مثل جليلة السميح، التي ترقد الآن بمستشفى المزروب، يعتمدون على العلاج البلدي. ويقوم أهل جليلة بمداواتها بأدوية بلدية ومن الأعشاب، مثل القرض والكركدي والزبادي. وقال والدها الذي يرافقها لمراسل «أتَر»، إنه يأخذ ملعقة من القرض وأخرى من الكركديه ويضيفها إلى كوب من الزبادي، يُعطيهما إياها بين كل حين والآخر، وحسب رغبتها في بعض الأحيان، إذ لا توجد بالمستشفى أدوية ولا محاليل، وتُستخدم الأدوية البلدية والأعشاب تحت نظر أطباء المستشفى.

وبدوره ذكر طبيب بالمستشفى لمُراسل «أتَر»، أن مركز العزل بالمستشفى، لا يتلقّى فيه المريض علاجاً، بقدر ما هو وسيلة لحجز المرضى والمشتبه بهم والحيلولة دون مُخالطتهم للآخرين حتى لا يتفشّى المرض. وقال أحد مواطني منطقة المزروب، لمراسل «أتر»، إن قوات الدعم السريع التي تسيطر على المنطقة، منعت المواطنين من تصوير المستشفيات ومركز العزل والحالات المصابة.

كسلا: إضراب معلمين وأساتذة جامعيّين بالولاية

مراسل أتر

أعلنت لجنة المعلمين السودانيين بولاية كسلا، الدخول في إضراب شامل عن العمل بجميع محليات الولاية اعتباراً من السابع من يونيو الجاري، وذلك احتجاجاً على تدني الأجور وتراكم الاستحقاقات المالية لعدة سنوات. وأبانت اللجنة شروعها في تنفيذ خطوات تصعيدية أخرى ستُعلن في حينها، مؤكدة على أن وزير التربية والتعليم بالولاية فقد ثقة القاعدة التعليمية، نتيجة عدم دفاعه عن حقوقها وطرح قضاياها.

وتشمل مطالب المُعلّمين صرفَ مُتأخِّرات العام 2023، والبديل النقدي وبدل اللبس لأربع سنوات، ومِنح الأعياد لأربع سنوات، وفروقات تعديل المرتبات للعامين 2025 و2026. وأتى إعلان الإضراب، في وقت صرح فيه والي كسلا المُكلَّف اللواء ركن معاش الصادق محمد الأزرق، بمُناسبة انطلاقة العام الدراسي الجديد، عن اهتمام حكومته بالتعليم والعمل على معالجة الإشكاليات التي تُواجهه خاصة استحقاقات المعلمين.

يقول أبكر يحيى، وهو معلم بالدرجة السابعة في المرحلة الابتدائية بولاية كسلا، لمراسل «أتَر»، إنه يَعمل بينما لا يتجاوز راتبه الشهري 90 ألف جنيه سوداني شاملة البدلات والعلاوات، مُعبّراً عن أسفه الشديد لما وصلت إليه الأوضاع من تصعيد، فالمعلمون لم يجدوا بديلاً عن الإضراب بحسبه، مؤكداً أن المطالب التي رفعوها ضرورية ومشروعة حتى يتمكَّنوا من أداء رسالتهم التعليمية على الوجه المطلوب، فالتعليم يُمثّل غذاء العقل وأساس النهضة والتطور. وأضاف أن مُرتّبه الحالي لا يُغطّي سوى تكاليف المواصلات، في وقت يواجه فيه التزامات أسرية ومعيشية مُتزايدة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.

وتحصَّل مراسل «أتَر»، على بيانات إحصائية من لجنة المعلمين بولاية كسلا، بينت أن الإضراب حقَّق في يوم 8 يونيو، نسبة استجابة مرتفعة في جميع المحليات، وبلغت نسبة المشاركة فيه 98% بمحليات كسلا وريفي خشم القربة وريفي كسلا وريفي شمال الدلتا وريفي غرب كسلا، و99% بمحليات ريفي أروما وحلفا الجديدة وريفي نهر عطبرة، بينما سجلت محليات ريفي ود الحليو وريفي همشكوريب وريفي تلكوك نسبة مشاركة كاملة بلغت 100%.

يقول محمد الفاتح، وهو أبٌ لأربعة أبناء يدرس ثلاثة منهم في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، لمراسل «أتَر»، إنه استعد لبداية العام الدراسي كعادته في كل عام، ووفَّرَ لأبنائه الزي المدرسي والحقائب والكراسات وجميع المستلزمات الدراسية، مُضيفاً أنه فوجئ بإعلان الإضراب وإغلاق المدارس، مشيراً إلى أنه لم يكن يتوقع توقف الدراسة مع بداية العام الدراسي.

يواصل الفاتح، الذي يوضح كيف أن الإضراب انعكس مباشرة على أسر الطلاب، أن أبناءه أُصيبوا بخيبة أمل نتيجة عدم تمكُّنهم من الالتحاق بمدارسهم، كما يَشعر بقلقٍ بالغٍ تجاه الفترة المُقبلة، خاصة أن الأطفال في هذه المرحلة العمرية يقضون أوقاتاً طويلة أمام شاشات التلفاز والهواتف الذكية عند غياب الدراسة، الأمر الذي قد يَنعكس سلباً على ارتباطهم بالتعلُّم وقدرتهم على التركيز والتأقلم عند استئناف الدراسة.

لكن، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً في جامعة كسلا، إذ أوضح الطالب مصطفى محمد، رئيس رابطة طلاب كلية الهندسة بجامعة كسلا، لمراسل «أتَر»، أن الدراسة بالكلية متوقفة منذ 28 ديسمبر 2025، واصفاً ذلك بأنه أصبح واقع كلية الهندسة بجامعة كسلا، مُرجعاً أسباب الإغلاق إلى ما وصفه بسوء الإدارة داخل الكلية، إضافة إلى التعقيدات المُتعلِّقة بإجراءات الامتحانات وإعلان النتائج، الأمر الذي يؤدي إلى توقف الدراسة لأشهر طويلة في كلِّ مرة. وأضاف مصطفى، أن إعلان إضراب الأساتذة بعد شهر رمضان وفي نهاية مارس الماضي، شَكَّل مفاجأة للطلاب وزاد من تعقيد الأوضاع، إلا أنه شدد على أن الإضراب حق مشروع للأساتذة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وأن من حق الأستاذ الجامعي الحصول على أجر يَضمن له حياة كريمة، موضحاً أن الرابطة اتخذت عدداً من الخطوات لمعالجة الأزمة، تمثلت في مخاطبة إدارة الجامعة واقتراح حلول عملية، إلى جانب التواصل المباشر مع وزير التعليم العالي والبحث العلمي بروفيسور أحمد مضوي موسى خلال زيارته للولاية في مايو الماضي. وفي هذا الصدد، يُشير مصطفى إلى أن الوزير، اتخذ إجراءً بزيادة رواتب الأساتذة بنسبة 100%، ما دفع بعض الأساتذة إلى إبداء رغبتهم في فك الإضراب رغم أن الحلول لم تكن نهائية، نظراً إلى أن مطالب لجنة الأساتذة مُتعدِّدة وقد لا تتمكَّنُ الدولة من الاستجابة لها كاملةً في الوقت الراهن إلا من خلال موازنة سنوية جديدة.

وشمل الإضراب جميع الكليات ما عدا كلية الطب والعلوم اللتين تتعاقد إدارة الجامعة مع أساتذة غير معينين لإكمال المناهج الدراسية لطلابهما. أما الأساتذة الملتحقون بالوظائف الجامعية فقد أضربوا.

وفي ما إذا كانت الرابطة قد بحثت عن حلول أخرى، أجاب مصطفى بالإيجاب، موضحاً أن من بين حلولهم، التعاقد مع أساتذة ودفع استحقاقاتهم المالية لضمان استمرار الدراسة، وقد وافق عميد الكلية على هذا المقترح، بحسب قوله، إلا أن الإدارة لم تتخذ أي خطوات عملية لتنفيذه، لكنها طلبت من الطلاب التعاقد مع الأساتذة بأنفسهم، رغم أن ذلك ليس من اختصاصهم. وقال: «تحدثنا مع عميد شؤون الطلاب وجميع الإدارات، لكننا لم نجد أيّ تفاعل حقيقي مع مطالبنا. بعض طلاب كلية الهندسة اقتربت أعمارهم من الثلاثين عاماً، وهناك من أمضوا نحو ثماني سنوات داخل الكلية ولا تزال أمامهم سنة أو سنتان لإكمال دراستهم؛ وكان الطلاب يتوقعون صدور تقويم دراسي جديد بعد عيد الأضحى، إلا أن الجامعة لم تُصدِرْ أيَّ تقويم حتى الآن».

ويمضي مصطفى مضيفاً: «قابلنا مديرة الجامعة بروفيسور أماني عبد الرؤوف، وأوضحت أنهم يسعون لمعالجة المشكلة، لكن القرار الذي صدر كان استئناف الدراسة للدفعات الجديدة والدفعات القريبة من التخرج فقط». وقد رأت الرابطة أنه إذا كانت الجامعة قادرة على تشغيل الكلية لدفعتين فإنها تستطيع تشغيلها لجميع الدفعات، خاصة أن الأساتذة الذين يُدرِّسون مواد السنة الأولى هم أنفسهم الذين يُدرِّسون بقية المستويات، لكن الإدارة تهرَّبت من هذه الملاحظات.

ونفذت رابطة طلاب كلية الهندسة بجامعة كسلا، وقفة احتجاجية يوم الاثنين الماضي بمباني الجامعة، وأعقبتها بثانية يوم الثلاثاء. ويشير مصطفى إلى اضطرارهم للُّجوء لهذا الخيار، لأن إدارة الجامعة لا تسمع قضاياهم، بحسب قوله، موضحاً أن الإدارة منعت طلاب كلية الهندسة من دخول مجمع كليات الطب المعروف بـ «السنتر»، قبل أن تسمح لهم بالدخول لاحقاً بعد تدخل أعضاء الرابطة، لكن بشرط تسجيل أسمائهم عند الحرس الجامعي، مؤكداً أن الوقفة الاحتجاجية اقتصرت على مخاطبة الطلاب ورفع منشورات تضامن فقط دون أي هتافات أو أعمال تصعيدية، وقال إن الإدارة أصدرت بعد ذلك قراراً جديداً يقضي بمنع طلاب كلية الهندسة من دخول (السنتر) على نحو قاطع.

وأضاف مصطفى لمراسل «أتَر»، أنه حتى اللحظة لا توجد أي جهود واضحة أو خطوات فعلية لإعادة فتح الكلية، رغم أن الجامعة تتعاقد مع أساتذة لتدريس مقررات بكليات مثل الطب والعلوم وغيرهما.

Scroll to Top