عند مدخل السوق الشعبي بمدينة الدويم، في ولاية النيل الأبيض، ويقع غرب «مَلجة الخضار» وجنوب الميناء البري، يلفت انتباهَك إيقاع الطّرْق على الحديد، ورائحة الجلود والنفايات، وترى دكاكين بلا أبواب تحوّلت إلى مكبات للنفايات ومأوى للكلاب الضالّة، بينما تكشف الممرّات حجم الإهمال الذي طال المكان وقد غطّت الأشجار واجهات المحال التي هجرها أصحابها بعد سنواتٍ من الانتظار وتكبد الخسائر.
بدأت معاناة تجّار السوق الشعبي بمدينة الدويم في ثمانينيات القرن الماضي، عقب نقلهم من سوق ليبيا، غرب المدينة وشرق مدرسة الدايات، إلى موقعٍ كان من المفترض أن يشكّل مركزاً تجارياً حيوياً، بيدَ أنّه تحوّل مع مرور الزمن إلى سوقٍ منسيّ أرهقته الجبايات وإهمال السلطات المحلية.
قال صلاح حامد، وهو صاحب دكان في السوق الشعبي لـ«أتَـر»، إنّ بداياتهم في التجارة كانت في عام 1980، حين كانوا يفترشون الأرض تحت «شجرة ود العوضيّة» بالقرب من الجامع الكبير، وكان عددهم حينها 25 تاجراً، قبل أن يُنقلوا إلى سوق غرب المدينة عُرف لاحقاً بـ«سوق ليبيا»، حيث استمروا في العمل هناك حتى عام 1990. لكنّ معتمد المحلية آنذاك، آدم الطاهر حمدون، أبلغهم بتحويل المنطقة إلى منطقة استثمارية وطالبهم بإخلائها. وبعد تنفيذ أمر الإخلاء، لم يُعوَّضوا بمواقع بديلة واضطرّوا للعمل في أكشاك صغيرة «كناتين» في السوق الشعبي. في عام 1991، أشار صلاح إلى أنهم مُنِحوا موقع «إسطبل الخيل» في الدويم لمواصلة نشاطهم التجاري به، لكنهم فُوجئوا لاحقاً بأنّ الموقع الأصلي الذي أُخرجوا منه قد مُنح لآخرين بشهادات بحثية وبنفس مساحاتهم، موضحاً أنهم كانوا يتوقعون الحصول على شهادات بحث لأنفسهم بصفتهم أصحاب حقّ أصيلين. وأوضح أنّ المحلية فرضت عليهم حينها رسوماً شهرية قدرها 88 جنيهاً، على الرغم من أنّ إيجارات بعض الدكاكين كانت تتراوح بين 20 و25 جنيهاً، ووصلت إلى 2000 جنيه حتى عام 2018، ليستقرّ بهم الحال في سوقٍ ظلَّ سنواتٍ طويلة خارج دائرة الاهتمام الرسمي.
وذكر صلاح أنّ عدد الدكاكين الأصلي في السوق الشعبي كان 451 دكاناً، وفقاً للمخطّط الهندسي المعتمد في مصلحة الأراضي بمدينة ود مدني وهي الجهة المعنية باعتماد الخُرط حينها، لكنّ التدخّلات الحكومية اللاحقة أفضت إلى إضافة 60 دكاناً لمصلحة أفراد من الشرطة، ليصبح العدد 511، تلتها عمليات توزيع «اتّسمت بالفوضى»، حسب تعبيره. لافتاً إلى أنّ كثيراً من التجّار باعوا منازلهم لتأسيس متاجرهم في السوق الشعبي، بيدَ أنّ ضعف الحركة التجارية والجبايات المتكرّرة دفعاهم إلى العزوف عن العمل، لا سيما مع تقدّمهم في السن. وأضاف أنّ المحلية طالبتهم بإحضار عقود ملكية لمحالهم التجارية، واصفاً طلبها بأنّه إجراء تعجيزي، خاصة أن بعض تلك العقود قد فُقد أو تلف بفعل الزمن، بينما تتوفر المخطّطات والسجلات التي يمكن الاعتماد عليها لإثبات الملكية في مصلحة الأراضي بود مدني.
تصوير: مراسلة أتر
ويعزو صلاح ركود السوق إلى غياب مواقف المواصلات، مشيراً إلى أنّ أحد الضباط هدّده بنزع السوق إذا بقي خاملاً، فردّ عليه صلاح قائلاً: «أبواب الدكاكين أثمن من الدكاكين نفسها؛ فلو خلع التاجر باب دكانه وباعه لكان أجدى له، فانزعوه إن أردتم»، وذلك احتجاجاً على نكث المحلية وعودها بشأن إنشاء مواقف المواصلات.
قال عم الريح، وهو تاجر تجاوز السبعين من عمره بالسوق الشعبي لـ«أتَـر»، إنّ بدايتهم كانت في «سوق ليبيا» بعد انتعاشه، قبل أن يجري نقلهم لاحقاً إلى «إسطبل الخيل» ثم إلى السوق الشعبي الحالي. وأضاف أنهم تقدّموا بخمس مخطّطات (خرط) لمصلحة الأراضي بمدينة ود مدني، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل؛ لأنّ مدير التخطيط أبلغهم بعدم جواز أمر المحلية، وطالبهم بنُسَخ من المخططات.
وأشار الريح إلى أنّ المعتمد حينها، آدم الطاهر حمدون، أكّد أيضاً عدم جواز الأمر المحلي بتوزيع أكشاك على أفراد الشرطة والمواطنين، وتحويل الإجراءات إلى «شهادة بحث». وأضاف أنّ آدم الطاهر أقام لهم آنذاك مهرجاناً واجتمع بالتجّار، ويومها وصَف الأكشاك بأنها «بقرة صفراء فاقع لونها»، لكنه لم يكمل الآية بـ«تسرّ الناظرين».
وأوضح الريّح أنّ المحلية ارتكبت أخطاء عديدة واتَّبَعت أسلوب المراوغة، وكان من المفترض تحديد مبلغ واضح لاستخراج «شهادة البحث» حتى لا يقع التجّار في أزمات مالية، خاصة أنّ بعضهم استنزف مدخراته قبل مرحلة البناء. وشكا الريّح من غياب الأمن؛ إذ تعرّض دكانه للسرقة وفقد 20 لوحاً من الزنك، ما كبده خسائر فادحة، مشيراً إلى أنّ كلّ تاجر في السوق الشعبي يشعر بالظلم، مضيفاً أنّ السوق كان في حاجة إلى تأمين موقف للمواصلات لتنشيط الحركة التجارية داخله.
وختم بالإشارة إلى أنّ المعتمد آدم الطاهر تحدّث عن التواصل مع البنوك لتمويل السوق حتى يتسلّم كلّ تاجر مفتاح دكّانه، إلا أنّ البنوك رفضت بحجة أنّ الدويم مدينة غير استثمارية، مضيفاً بأسى: «لقد خسر المواطن فعلاً».
وقال موسى علي، وهو ترزي في السوق الشعبي لـ«أتَـر»، إنّه اضطرّ لنقل ماكينة الخياطة إلى منزله والعمل داخل الحي عقب قرار ترحيلهم من «سوق ليبيا»، قبل أن يعود إلى مزاولة نشاطه في السوق الشعبي عام 2000 بموجب عقد إيجار يُجدَّد كل خمس سنوات. وأشار إلى أنّ أحد المعتمدين خاطبه قائلاً: «والله يا موسى لو لم تبنوا هذا السوق بعَرق جبينكم لنزعناه منكم»، مؤكّداً أن الحكومة لا تؤدي أي دَور تجاههم، وأنهم يعملون بجهدهم الخاص.
ووصف موسى الوضع في السوق بالفساد والفوضى والاستغلال، موضحاً أن عدد الدكاكين العاملة حالياً لا يتجاوز المائة من أصل 450 دكاناً، إذ إنّ بعض التجار فضّلوا الانتقال إلى أماكن أخرى، بينما غادر آخرون البلاد، أو أقعدهم التقدّم في السن. وشدّد على أنّ السوق يحتاج إلى وقفة جادة، لا سيما مع استمرار بيع المواقع المجاورة بشهادات بحث، بينما لا يزال أصحاب المحال في السوق الشعبي ينتظرون حلاً لأوضاعهم.
وقال المستشار القانوني حمد النيل إبراهيم لـ«أتَـر» إنّ السوق الشعبي يُعدّ من الأسواق العريقة التي لا يجوز لأي جهة إزالتها أو التعدّي عليها، مطالباً السلطات المحلية بوضع ملف السوق على طاولة البحث العاجل لمعالجة أزمة شهادات البحث قبل تفاقمها. وأشار إلى أن السوق يضم نحو 450 دكاناً تفتقر إلى المستندات الرسمية، موضحاً أن ركود النشاط التجاري فيه يعود إلى ضيق المساحة وغياب التوثيق القانوني. كما دعا المحلية ووزارة البنية التحتية إلى العمل على «ترفيع» تصنيف السوق لتمكين أصحاب الدكاكين من استخراج شهادات بحث، فضلاً عن نقل بعض المهن والمواقف إليه وتنشيطه إعلامياً ليكون سوقاً مسانداً للسوق الكبير بمدينة الدويم.
من جانبه، أوضح مفتش أول الأراضي، آدم حسين إبراهيم لـ«أتَـر»، أنّ السوق الشعبي نُقل من موقعه القديم «سوق ليبيا» إلى موقعه الحالي خلال فترة المعتمد آدم الطاهر حمدون، حيث استقرّ أغلب التجار. وأكّد أن السوق يتبع للمحلية، ويحتاج إلى ترفيع تصنيفه إلى الدرجة الثانية حتى يتمكن التجار من استخراج شهادات البحث، مشيراً إلى ضرورة قيام لجنة السوق بجمع العقود وتقديمها للمدير التنفيذي بمحلية الدويم لاستكمال الإجراءات، التي تتطلب توصية من الاستشارية المحلية ثم الولائية. ولفت إلى أن السوق حالياً غير مسجّل ضمن الهيكل الرسمي، ما يَحُول دون استخراج شهادات بحث لعقود الدرجة الرابعة، مؤكداً في الوقت ذاته استبعاد خيار الإزالة، إذ درجت المحلية على ترفيع الأسواق وتطويرها لا إزالتها.
وفي السياق ذاته، أكّد الأستاذ الزين، مدير الوحدة الإدارية بمحلية الدويم لـ«أتَـر»، أنه لا نية لإزالة السوق ما دام التجّار يلتزمون بسداد عقود الإيجار الدورية كلّ خمس سنوات. وشدّد على أنّ أي تاجر بنى دكانه ومارس نشاطه التجاري داخل السوق لا يمكن انتزاع موقعه، مُرجعاً ضعف الحركة التجارية إلى الظروف الاقتصادية العامة. ونفى قيام المحلية بتوزيع أي «ميادين» داخل السوق، موضحاً أن هذا الاختصاص يعود حصراً لجهات الأراضي المختصة.