أتر

امتحانات الشهادة الثانوية بمناطق تأسيس: أشَيءٌ خير من لا شيء؟

انقضت أمس (الأربعاء) امتحانات الشهادة الثانوية التي عقدتها حكومة تحالف تأسيس في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. وأقيمت هذه الامتحانات منفصلة عن امتحانات الشهادة السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وفي يوم الأحد السابع من يونيو الجاري، قرع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة تحالف تأسيس، محمد حمدان دقلو، الجرسَ في فناء مدرسة الوحدة الثانوية بمدينة نيالا العاصمة الإدارية لحكومة تأسيس بولاية جنوب دارفور، إيذاناً بانطلاق أول امتحان لطلاب الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة الدعم السريع منذ بدء الحرب في أبريل 2023. 

وبحسب مكتب رئيس وزراء حكومة تأسيس، فإنّ 10 آلاف طالب وطالبة، يجلسون لأداء الامتحانات. وتشكّل الطالبات نحو 74% من المُمتَحنين. وبحسب معلومات تحصلت عليها «أتَـر» يجلس المُمتَحنون في سبع ولايات، موزّعين على 68 مركزاً، واحدٌ منها بالمزروب في ولاية شمال كردفان، وثمانية أخرى منها بولاية غرب كردفان، بينما توزّعت بقيتها على ولايات دارفور الخمس. واستمرَّت الامتحانات لمدة 15 يوماً، في المساقات الأكاديمية والفنية. وتَحتضن ولاية جنوب دارفور وحدها 31 مركزاً. وقد قدَّرت المُبادرة الوطنية لامتحان الشهادة السودانية في وقت سابق، عدد المحرومين من امتحان الشهادة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق بنحو 280 ألف طالب وطالبة. بينما جلس لامتحانات الشهادة السودانية في أبريل الماضي، والتي أقيمت ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش وعددٍ من المراكز الخارجية 564 ألف طالب وطالبة موزّعين على 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه. وبالتزامن مع الامتحانات الجارية، أصدر رئيس مجلس الوزراء في حكومة تأسيس قراراً، في 11 يونيو، عيّن بموجبه بروفيسور عيد إبراهيم بريمة وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي.

آراء الطلاب وأولياء الأمور

رغم أنّ الإحساس بأن عدم الاعتراف بهذه الامتحانات حاضرٌ فيّ، إلا أنني لا أملك خيارات أخرى. على الأقل، حدوث شيء خيرٌ من لا شيء.

الطالبة حسناء عبد الرسول، تجلس لامتحانات الشهادة بعد حرمان ثلاث سنوات، وصفت الامتحانات بأنها سارت على نحو جيد، كما أنها كانت تشعر بالحماس، لا لشيء سوى أنها تمكّنت من الجلوس للامتحانات، لكنها لا تدري ما سيحدث بعد انقضائها، وتتساءل حائرة في حديثها لـ«أتر»: «أليس من الطبيعي أن يدخل الناجحون الجامعات السودانية؟». وقد انتبهت حسناء منذ أول جلسة من الامتحانات، إلى أنّها أمام طريقة جديدة في وضع أسئلة الامتحان، تقول إنها «أكثر تعقيداً» على حدّ تعبيرها، وتختلف عن الامتحانات القديمة التي اعتادت على مُراجعتها.

من جانبه يقول الطالب موسى علي لـ«أتَـر»، ويَجلس للامتحانات من مركز مدرسة الوحدة الثانوية بمدينة نيالا: «كنتُ يائساً ومُحبَطاً مع بداية الامتحانات، لكن عندما وجدتُ خطاباً للرئيس وهو يتفقَّد أوضاع الممتحَنين، أحسستُ بأنّ الأمر أكثر جدية»، وأخبر «أتَـر» بأنّ هناك معلِّمان يقفان على المراقبة في حجرة الامتحانات، إضافة إلى معلّم ثالث يتفقّد المُمتَحَنين ويُسجّل الغياب.

ويقول ياسر عيسى، وهو طالبٌ يُمتَحن من مركز ثمر الداني بمحلية بليل، لـ«أتَـر»: «كان بودّي أن أجلس للامتحان وأنا على يقين بأنّ الأمور ستمضي على نحوٍ جيد في ما يتعلّق بدخولنا للجامعات بعد الامتحان. وقد سمعتُ بخبر إقامة الامتحانات من أصدقائي في الحي. وحتى وقتٍ قريب، لم آخذ الأمر بجدية لكنني واصلت الدراسة حتى أتأكّد. ومضى الوقت، وقرّرتُ في مايو أن أتأكّد من أمر الامتحانات إثر رواج الموضوع. بعد أن ذهبت إلى المدرسة وجدتُ أنّ الأمر صحيح وقررتُ أن أجلس للامتحان».

ويضيف ياسر أنّه امتُحِن في 2022 من مدرسة بليل الثانوية، وأحرز نسبة 67%، وقرَّر أن يعاود الكرة في 2023. ويصف ياسر حاله قائلاً: «رغم أنّ الإحساس بأن عدم الاعتراف بهذه الامتحانات حاضرٌ فيّ، إلا أنني لا أملك خيارات أخرى. على الأقل، حدوث شيء خيرٌ من لا شيء».

ويقول موسى عبد الرحمن، وهو أبٌ لأسرة من 7 أفراد، تقطن في بليل: «ولدي عبد الرزاق مُمتَحنٌ حالياً، وبصراحة هذا الامتحان مثل التسالي، لا يُسمن ولا يُغني من جوع، لكنّه ما في أيدينا». ويضيف موسى أنّه رفض جلوس ابنه للامتحان أوّل ما استشاره، لأنّه لم يرَ فيه نفعاً، إلا أنّ ابنه كان منهاراً بشِدَّة وحدّثه عن إحساسه بضياع مُستقبله. يقول موسى معلقاً على حال ابنه: «وهذا صحيح يا جماعة، بقي هؤلاء الطلاب بلا دراسة لثلاث سنوات، وهذا أمرٌ صعب».

ومضى موسى قائلاً: «بعد أن سمعتُ حديثه، وافقتُ وسألته أين ينوي أن يدرس الجامعة بعد الامتحان، فقال لي إنّ المعلمين أخبروهم بأنهم سيُقبَلون في الجامعات الواقعة في دارفور، وإنّ الفرصة متاحةٌ لمن أراد أن يدرس في الجامعات الأفريقية». وختم الوالد موسى حديثه لـ«أتر» قائلاً: «الآن، امتُحن ولدي معهم، وأتمنَّى أن يكون ما قاله لهم المعلمون صحيحاً، وأتمنى التوفيق لجميع الطلاب».

التجهيزات الفنية

يقول أستاذ مراقب من مركز دقشام بمعسكر كلمة بولاية جنوب دارفور، لـ«أتَـر»، مفضّلاً حجب اسمه، إن عدد الطلاب الجالسين للامتحانات داخل المركز 82 طالباً من المساقين الأدبي والعلمي، ومنذ أول امتحان غاب طالبان، دون أن يدروا الأسباب. ومضى موضحاً أنّ جلسات الامتحانات تبدأ الساعة الثامنة صباحاً، والزمن المُخصَّص هو ثلاث ساعات للمواد الأساسية، وساعتان ونصف للفرعية. وبخصوص تأمين الامتحان والمراكز ذكر الأستاذ، أنّ لجنة أمنية تتكوّن من 6 أفراد من نازحي معسكر كلمة قد كوّنت، وتتمثّل مهامها في استلام أوراق الامتحان وتأمين المركز وجمع الأوراق وتوصيلها إلى المخزن، إضافة إلى كنترول ومساعد و6 مراقبين، مضيفاً أنّ هناك طالبات وطلاباً أتوا من نيرتتي بولاية وسط دارفور ومكجر بولاية غرب دارفور، ليجلسوا للامتحان بمعسكر كلمة.

ويقول الأستاذ عبد الجبار دقشام، وهو مساعد كنترول بمركز مدرسة دقشام الثانوية الواقعة في معسكر كلمة إنّ استجابة الطلاب للامتحانات ضئيلةٌ جداً. ويعزو دقشام ذلك لانتشار الشائعات حول موثوقية الامتحانات التي تُقيمها حكومة «تأسيس»، ما أثّر على إقبال الطلاب بحسب وصفه. ويقول دقشام إنّ هذا الحديث صادرٌ عن بعض المعلّمين وأولياء الأمور الطلاب. وأضاف دقشام قائلاً: «هناك مثلاً، 16 طالباً وطالبة، يجلسون حالياً في مركز مدرسة ثمر الداني بمحلية بليل. وقد سُجّلت 3 حالات غياب».

ويقول دقشام إنّ الفائدة الكبرى من هذه الامتحانات هي مساهمتها في استقرار التعليم العام في العام الدراسي المقبل، وأنّها ستكون بمثابة كرت ضغط على حكومة الأمل لكي تسمح للطلاب الجلوس للامتحانات من أماكنهم دون الاضطرار للسفر، بحسب قوله. وبخصوص حوافز المراقبين والعمّال، يقول دقشام إنّهم لا يعلمون قيمة الحافز للمراقب أو العامل في اليوم، وقد طُلِبَ منهم أن يرفعوا قوائمَ بأسماء المراقبين والعمال، فأرسلوا القوائم دون أن يدروا إن كانت الوزارة ستدفع الحوافز أم لا.

Scroll to Top