صدر «Marx-s Das Kapital: A biography» لـ «Francis Wheen»، بالإنقليزية في 2006 عن Atlantic Books، ثم بالعربية، بترجمة لـ«ثائر ديب»، في طبعة أولى في 2007 بعنوان «رأس المال لكارل ماركس: سيرة»، وطبعة ثانية في 2019 بعنوان «رأس المال: سيرة كتاب». يعتمد هذا العرض على الطبعة العربية الثانية.
على خلاف المستقِرّ في الأذهان من جمود وصعوبة فهم عمل كارل ماركس «رأس المال» بأجزائه الثلاثة، فإنَّ كتاب «رأس المال: سيرة كتاب» لـ«فرانسيس وِين» ينفي صفة الجمود عن الكتاب جملةً وتفصيلاً؛ بله يكشف عن حيوية فائقة لتدفُّق الأفكار والرؤى الصائبة في هذا العمل، ليس من خلال تقصّيّ أبعاده الأدبية وخلفياته الثقافية فحسب، وإنمَّا – أساساً – بسبب نثره غير التقليدي والذي تجاوزه مندفعاً باتجاهِ ما يصفه ثائر ديب بأنه «كولّاج راديكالي، جاوَرَ فيه بين أصوات ومقبوسات من الأسطورة والأدب، من تقارير مفتشيّ المصانع والحكايات الخرافية، على طريقة إزرا باوند في (الكانتوس) أو ت. س. إليوت في (الأرض اليباب)».
على مدى «143» صفحة، من القطع المتوسّط، يتوغّل كتاب فرانسيس وِين، في رحلة الكفاح التي خاضها ماركس، على مدى عشرين سنةً، بهدف إكمال «رائعته» أو «تحفته الخفية» – إذا جاز استلاف عنوان قصة «أنوريه دو بلزاك» – إثر مماطلة «كارل ماركس» صديقه «فريدريك إنجلز»، طويلاً، في إنجاز مخطوطة كتاب «رأس المال»، بحجج وذرائع وأعذار لا نهائية، ناشداً الكمال والإتقان؛ بينما كان «إنجلز»، بحسّه العملي والواقعي، يُدرك أهمية اللحظة التاريخية التي يجب أن يصدر فيها الكتاب قبل فوات الأوان.
ينطوي كتاب «رأس المال» على توليفة فريدة من النصوص الأدبية الباهرة والتركيبات البنائية المُعقَّدة، فقد كان كارل ماركس يتطلَّع إلى عالم الأدب والفن المشمول بالتِماعات الرؤى المُتبصِّرة وفيوض الكشوفات المعرفية التي تَسبر أسرار العالم، بينما كان يُدير رأسه بعيداً عن السياسيين وعلماء الاقتصاد. يتبيّن، لاحقاً، أنَّ «قلق الفنان» الذي كان يُساوره بشأن مشروع كتاب «رأس المال» وتطلُّعه نحو الكمال المستحيل، كان شبيهاً بقلق الفنّانين وهم مُقبلون على عملية الخلق الفني، الأمر الذي جعله يتماهى، نوعاً ما، مع الرسام «فرينهوفر» في قصة «التحفة الخفية» لـ«بلزاك» الذي بلغ هوسه بإنجاز لوحة كاملة إفساده لعمله الفني الذي أنفق عليه سنوات ثمينة من عمره، ما حدا به، في نهاية المطاف، إلى تمزيق قماشة لوحاته وحرقها، ومن ثمَّ، الإقدام على الانتحار بعد أن بات الوصول إلى الكمال الفني عصيّاً وبعيد المنال!
ربما راودتْ ماركس هواجس مشابهة، قبل فترة وجيزة من تسليم مخطوطة المجلد الأول من «رأس المال» إلى الناشر، حين ألحَّ على صديقه «فريدريك إنجلز» بضرورة قراءة قصة «بلزاك» المشار إليها آنفاً.
ولا غرو أن طموحات ماركس الباكرة كانت أدبيّة؛ إذ كتب مسرحية شعرية وديواناً شعرياً بل ورواية، ويتبيّن – من خلال فصول كتاب «فرانسيس وِين» – انهماكه واشتغاله في مضمار الفلسفة والآداب والفنون، أكثر من اهتمامه بالسياسة والاقتصاد، وهو المضمار الذي سوف يُشكّل، تالياً، الدعامات الأساسية لمشروعه.
يتتبع كتاب «رأس المال: سيرة كتاب» لـفرانسيس وِين، مصادر «عذابات» ماركس وموارد إلهامه، من خلال السَّيْر في مشوار رحلة طويلة تصعد حيناً وتهوي حيناً، تضمُّ جملة من المباهج والمفارقات والمشاقّ والعنت.
شأنه شأن الكُتَّاب المُجيدين، كان كارل ماركس، يكتب ببطء ومشقَّة شديدين، ومع ذلك كتب «بؤس الفلسفة»، «عظماء المنفى»، «التاريخ الدبلوماسي السريّ للقرن الثامن عشر»، «قصة حياة اللورد بالمرستون» و«الهِر فوغت»، في محاولة يائسة تنزع نحو تأجيل «عجزه عن إيلاء العمل الاقتصادي اهتمامه الكامل»، لأطول وقت ممكن حتى يتسنّى له الإلمام الكافي بطريقة عمل الاقتصاد، في ما يبدو، عن طريق «فريدريك إنجلز» الذي كان ماركس مُعجباً بمقالته «خطوط أولية لنقد الاقتصاد السياسي» التي نُشرت عام 1844 في الحوليات الألمانية الفرنسية وقدّمت صياغة مبكرة لكيفية عمل النظام الرأسمالي من منظور جدلي واشتراكي.
إنَّ العلاقة التي جمعت بين ماركس وإنجلز تمثّل نموذجاً فريداً من الصداقة التي تسعى إلى خدمة الإنسانية، إذ أدرك إنجلز منذ البداية أنَّ ماركس شخص فريد من نوعه و«عبقرية تسعى على قدمين»، فقدَّم له العون الفكري والمادي، بلا تذمُّر أو غيرة، مُدركاً أنّ «العبقرية شيء بالغ الخصوصية»، لا ينبغي أن تُقابَل بالحسد والغيرة، إنما يجب أن تُصان وتُدَثَّر بثوب الكرامة والوقار.
منذ مستهلِّ الكتاب جَهَرَ «فرانسيس وِين» بمخايل عبقرية «كارل ماركس» الثاويّة في أعماق تضاعيف قولته البيانية التي كتبها في العام 1845: «لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم، بشتّى الطرق، لكن المهم هو تغييره»، وهي الجملة المركزية في كتاب رأس المال الذي كان له تأثيرٌ بالغٌ على أفكار ملايين البشر ومنها تَغيَّر مجرى تاريخ العالم.
إنه «كتاب يبعث على البهجة، ويصوّب أولئك الذين نشأوا على الاعتقاد بأنّ عمل ماركس جامد ومتزمّت عقائدياً. ما يقدمه وِين هو صورة للرجل نابضة بالحياة»، بحسب تقريظ «الصنداي تلغراف» لكتاب «فرانسيس وِين» الذي صوّر فيه «لوحة ديكنزية للكفاح الذي خاضه ماركس على مدى عشرين عاماً بغية إتمام رائعته» – حسبما جاء في ديباجة غلاف الكتاب الخلفيّ، الأمر الذي يُرسِّخ حقيقة ثابتة مفادها أنَّ عمل «شاعر الديالكتيك» المُتفرِّد في حاجة دائمة إلى «فيض إعزاز» هائل وغمره بمحبَّة القراءة المتأمّلة لا سيما أنَّ «الرأسمالية باقية بمنغّصاتها، وما دامت باقية، ستبقى الحاجة إلى قراءة هذا العمل الأساسي وفهمه».
فرانسيس وين، كاتب وصحفي بريطاني بارز وُلد عام 1957، واشتُهر بمسيرته المهنية المتنوّعة التي امتدت عبر مجالات الصحافة والكتابة والبثّ الإعلامي.



