في أحد صباحات بورتسودان، كانت خزّانات الوقود مُمتلئة، والبواخر تنتظر دَورها في التفريغ، والشاحنات تتحرَّك بين المستودعات ومحطَّات الخدمة على نحو عادي. على الورق لم تكن هناك أزمة إمدادات، وكانت الكميات المُتاحة تكفي احتياجات السوق؛ لكنْ داخل سوق النقد الأجنبي، كانت تدور معركة أخرى بعيداً عن أعين المواطنين: عشرات الشركات تتسابَقُ للحصول على الدولار لتمويل شحنات الوقود الجديدة، وسط ارتفاع تكلفة الاستيراد وتَغيُّر مساراتِ التجارة الإقليمية. وخلال أيام قليلة، في أوضاع مُعقَّدة اقتصادياً، انتقَل أثرُ هذه المعركة من مكاتب الشركات إلى السوق بأكمله، فقفز سعر الدولار في السوق الموازي لتقفز في إثره تسعيرة الوقود، إذ ارتفع سعر اللتر من حوالي 5800 جنيه إلى 6691 جنيه في بعض الولايات، وسرعان ما تحوّلت قضية استيراد الوقود من ملفٍّ فنيٍّ داخل وزارة الطاقة، إلى إحدى أكبر القضايا الاقتصادية والسياسية بعد عودة الحكومة إلى العاصمة.
في ظاهر المشهد، لا تبدو أزمة الوقود في السودان مسألة إمدادٍ مادّي خالصة، ففي مطلع مارس أكّدت وزارة الطاقة أن الإمدادات الحالية من المُشتقَّات البترولية مُستقرَّة، وأنّ الكميات المُتوفِّرة تكفي احتياجات البلاد حتى نهاية أبريل 2026. ثم عادت في نهاية مارس لتقول إنّ حول المربط في بورتسودان أكثر من عشر بواخر لتفريغ المواد البترولية، مع ما يزيد على عشرين أُخرى في محيط البحر الأحمر في انتظار دَورها للتفريغ. وفي البيان ذاته، أوضحت الوزارة أنها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود منذ عام 2021، بعد تطبيق سياسة تحرير الأسعار، وأنّ دَورها بات رقابياً وفنياً.
لكنّ المعركة الحاسمة كانت تدور في سوق النقد الأجنبي، إذ ارتفع سعر الدولار في السوق الموازي، بين 9 و11 يونيو، من نطاق 4200–4300 جنيه إلى 4400 ثم إلى 4700 جنيه للدولار، ثم لامس 4800 جنيه. وفي 11 يونيو تدخَّل مجلس السيادة عبر اجتماع قادَهُ الفريق إبراهيم جابر مع مسؤولي الطاقة، قبل أن يُقرِّر مجلس الوزراء في 12 يونيو دخول الحكومة مُباشرةً في استيراد المشتقات البترولية، بُغية ضبط السوق والتحكُّم في سعر الصرف، مع تكليف وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي ووزارة الطاقة والنفط وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي بإنفاذ القرار.
وبهذا المعنى، انتقلت قضية الوقود من ملفٍّ فنيٍّ يتعلَّق بالإمداد والتوزيع، إلى ملفٍّ اقتصاديٍّ نقديٍّ من الدرجة الأولى. ولا تكفي مُؤشّرات الإمدادات الرسمية وحدها لشرح ما جرى، لأنّ العُقدة الحقيقية كانت في كيفية تمويل الواردات. وإثر ذلك زاد على الطلب على الدولار في السوق الموازي، استناداً إلى تزامن ثلاث وقائع: استمرار الحديث الرسمي عن وفرة الشحنات؛ وارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات قياسية؛ ثم الربط الحكومي الصريح بين استيراد الوقود وضبط سعر الصرف.
إشكالات مُتتابعة
الأزمة التي انفجرت في يونيو، لم تكن الأولى من نوعها خلال عام 2026، ففي 4 مارس ناشدت وزارة الطاقة المواطنين بعدم الانسياق وراء الشائعات، وأكّدت أنّ مخزون الوقود يكفي حتى نهاية أبريل، وبعدها بثلاثة أيام مضت الوزارة أبعد من ذلك، فأعلنت تنفيذ برنامج استيراد للوقود بالتعاون مع شركات القطاع الخاص، التي نظّمت نفسها في خمس مجموعات، بعد أن استكملت 30 شركة إجراءات التضامن والتنظيم. كما شدَّدَتْ آنذاك على أنّ الشركات الحكومية ستُواصل توفير نصف احتياجات السوق، مع احتفاظها بحقِّ التدخُّل لسدِّ أي فجوات مُحتمَلة في الإمدادات.
لكنّ الوزارة عادت في نهاية الشهر نفسه، وأقرَّت بأنّ الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية، انعكست على الأسعار المحلية، إذ قالت في 31 مارس، إنّ الأسعار العالمية شهدت قفزات حادّة، وإنّ ذلك انعكس سلباً على السوق السوداني في ظلّ سياسة التحرير، كما أكّدت أنها تَحُثُّ المستوردين على تقليل هوامش الأرباح لتخفيف العبء على المواطنين. وهذا يعني أنّ زيادة الأسعار لم تكن نتيجة شُحٍّ داخلي فقط، إنما كانت أسبابها في تلك المرحلة ناتجة أيضاً عن صدمة خارجية في الأسعار أصابت سوقاً محلِّيّاً مُحرَّراً يعتمد على الاستيراد.
غير أنّ تنظيم السوق نفسه ظلّ هشاً؛ ففي 23 فبراير حذَّرت وزارة الطاقة من التوسّع الكبير في إنشاء محطات ومستودعات الوقود، دون الالتزام الكامل بالضوابط الفنية والتنظيمية، وهو ما يُوحي بأنّ سرعة التوسّع في عدد الفاعلين لم تكن مصحوبة دائماً بقدرات مُماثلة على التخزين أو التشغيل أو الامتثال بالضوابط؛ ثم عادت الوزارة في 11 يونيو لتَعقد اجتماعاً مُوسَّعاً مع 45 شركة من القطاعين العام والخاص، لمُناقشة تحديث ضوابط الاستيراد لعام 2026. تدلُّ هذه الوقائع، على أنّ جوهر الأزمة قبل الانفجار الكبير، كان الحوكمة والتنظيم داخل السوق.
ظهر جانبٌ من الإشكالات التي صاحبت القرارات الحكومية الأخيرة، خلال الفترة بين مارس ويونيو 2026، في صورة خلافاتٍ مُتصاعدة بين شركات استيراد الوقود والجهات الحكومية المُشرِفة على القطاع، تمحوَرَتْ حول ضوابط منح تصاديق الاستيراد وتنظيم السوق. وبحسب مسؤول إمداد بإحدى شركات القطاع الخاص تحدّث لـ«أتَـر»، طالباً حجب اسمه، فإنّ أحد أبرز أسباب التوتر تمثَّل في منح تصاديق استيراد لشركات صغيرة لا تمتلك مستودعات تخزين، ولا محطات تشغيل ولا بنية تحتية، تُؤهِّلها للعمل في قطاع استراتيجي يعتمد على قدرات فنية ومالية ولوجستية كبيرة.
وأوضح المسؤول أنّ عدداً من الشركات العاملة في السوق، قد أبدت اعتراضها على هذه السياسة، بينما أطلق بعض ممثلي القطاع على تلك الجهات وصف «شركات الجوكية»، في إشارة إلى دخول شركات محدودة الإمكانات إلى نشاط الاستيراد، وهو ما أثار مخاوف مُرتبطة بتنظيم السوق وآليات المُنافسة وتوزيع الحصص؛ كما امتدَّت الخلافات إلى طريقة تقسيم مجموعات الاستيراد وآلية التوريد، إذ أخطرت الشركات وزارة الطاقة بعدم التوصُّل إلى توافقٍ بشأن تنظيم عمليات الاستيراد وتوزيع الحصص بين الشركات العاملة، مُطالبةً الوزارة بالتدخُّل ووضع إطار أكثر وضوحاً لإدارة القطاع.
وأضاف المصدر، أنّ إعلان الحكومة اتّجاهها إلى توسيع دَورها المُباشر في استيراد الوقود، بعد اضطرابات السوق والضغوط التي شهدها سعر الصرف فتح نقاشاً واسعاً داخل القطاع، بين اتجاهٍ يدعو إلى تعزيز حضور الدولة في إدارة سلعةٍ استراتيجيةٍ ترتبط بالأمن الاقتصادي، واتجاهٍ آخر يرى أن مُعالجة الاختلالات تبدأ من إعادة تنظيم السوق، ورفع معايير التأهيل، وتعزيز الحوكمة والرقابة على الشركات العاملة في نشاط الاستيراد.
الدولة مستورِداً للوقود
لم تتحوَّط الوزارة لأزمات الإمداد وتغيُّرات سعر الصرف على النحو المطلوب، واعتمدت على القطاع الخاص، دون أن تفرض عليه الرقابة والتنظيم والالتزام الفني المطلوب، وهو ما فاقم الأزمة. تكمن المشكلة الأساسية في أنّ بعض شركات الوقود تعمل بقدرات فنية ومالية محدودة؛ فلا تمتلك مخازن كافية وتعتمد على مرافق الدولة، كما أن بعضها يؤدي دورَ الوسيط في عمليات الاستيراد أكثر من الاستثمار المُباشر في البنية التحتية للقطاع. هذا النموذج يجعل جزءاً من نشاط هذه الشركات، مُرتبطاً بالحصول على النقد الأجنبي من السوق لتغطية قيمة الواردات. ومع تعدُّد الشركات التي تبحث عن الدولار على نحو مُنفصل، لتمويل شحنات وقود كبيرة القيمة، يتزايد الطلب على العملة الصعبة في فترات مُتقاربة، فتظهر صدمات مُتكرِّرة في جانب الطلب على النقد الأجنبي، ونتيجةً لذلك يُصبح قطاع الوقود أحد المصادر المؤثّرة في حركة سوق الصرف، بينما تظلّ البنية التخزينية والخدمية مُعتمِدةً بدرجة كبيرة على مرافق الدولة.
وبعد أزمة ندرة حادَّة وانهيار في قيمة الجنيه، رأس عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر اجتماعاً بخصوص «توفير السلع البترولية وكبح جماح سعر الصرف»؛ وأصدر مجلس الوزراء قراراً في 12 يونيو 2026 بدخول الحكومة في الاستيراد المباشر للمُشتقّات البترولية. كانت الحكومة قد أعلنت في السابق مزيداً من القرارات لتكريس دَور القطاع الخاص، إذ رفع بنك السودان المركزي، في أكتوبر 2025، الاحتكار عن استيراد المشتقَّات البترولية، وأتاح المجالَ لجميع المصارف التجارية. لكنها تراجعت بعد الأزمة الأخيرة، وكُلِّفت وزارتا المالية والطاقة والبنك المركزي والأمن الاقتصادي بتنفيذ القرار. وتكمنُ أهميَّة القرار في أنه يَربط لأوَّل مرَّة صراحةً بين ضبط الوقود وضبط سعر الصرف، ويَستهدف كبح طلب الشركات الخاصة على الدولار في السوق الموازي.
تقوم الفلسفة الحكومية على تفعيل «لجنة للتركيبة التسعيرية» تضمّ وزارة الطاقة والتعدين، وبنك السودان المركزي، ووزارة المالية، والأمن الاقتصادي، وعدداً من الجهات المختصّة، بحيث تتولَّى تحديد أسعار بيع المنتجات البترولية ومُراجعتها دورياً، إلى جانب الإشراف على توحيد الأسعار بين محطات التوزيع ومتابعة استقرار السوق، بما يجعل عملية التسعير خاضعة لآلية مؤسسية تُشارك فيها جهات حكومية وفنية مُتعدِّدة.
وفي حديثه لـ«أتَـر»، وصَف المهندس أحمد الطيب، الباحث في مجال النفط، حديثَ الحكومة عن دخولها في مجال الاستيراد بأنه «مضلِّل»، فالدولة – بحسب قوله – كانت حاضرةً في عمليات استيراد الوقود عبر شركات حكومية تستحوذ على نحو 50% من الواردات، من بينها شركتان تابعتان لوزارة النفط، هما «النيل للبترول» و«سودابت»، بينما كانت 30 شركة خاصة تعمل في استيراد النسبة الأخرى البالغة 50%.
وأشار إلى أنّ الشركات الخاصة، لم تكن تعمل على نحوٍ مُنفرد، إذ جرى تنظيمها في خمس مجموعات استيراد وفق الترتيبات المعمول بها آنذاك، وهو ما جعل عمليات الاستيراد تجري عبر مجموعات تضمّ عدداً من الشركات بدلاً من المنافسة الفردية المُباشِرة بين جميع المستوردين. ويلفت الطيب إلى أنّ هيكل السوق كان يجمع بين الشركات الحكومية والشركات الخاصة، ضمن إطار تنظيمي تُشرف عليه الجهات المُختصَّة، وهو ما جعل النقاش حول استيراد الوقود يرتبط بتوزيع الحصص وآليات الاستيراد وتنظيم السوق، إلى جانب قضايا التمويل والإمداد. وأشار إلى «أنّ مكونات سعر الوقود لم تكن تقتصر على تكلفة الاستيراد العالمية، فقد شملت النقل والتأمين والرسوم المختلفة، إذ إنّ تقديرات مُتداوَلة في ذلك الوقت كانت تُشير إلى أنّ الرسوم الحكومية تمثل نحو 31% من سعر لتر الوقود، إضافة إلى رسوم أخرى على المستوى الولائي»، وأوضح أن هذه المعطيات تعكس طبيعة الجدل الذي دار حول قطاع الوقود خلال تلك المرحلة، والذي تركّز على هيكل السوق ودَور الشركات الحكومية والخاصة وآليات تنظيم الاستيراد ومكوّنات التكلفة النهائية للمنتج.
فاتورة في طريقها إلى الزيادة
تكشف أزمة الوقود الأخيرة في السودان، أنّ المشكلة لم تكن نقصاً مادّياً خالصاً، بقدر ما كانت أزمةً في إدارة النقد الأجنبي عبر بوابة الوقود؛ ففي الربع الأول من عام 2026 قفزت فاتورة المنتجات البترولية إلى 501.25 مليون دولار مقارنة بـ346.40 مليون دولار في الربع الأول من العام السابق، بزيادة بلغت 44.7%، ومثّلت 25.9% من إجمالي الواردات التي بلغت نحو 1.94 مليار دولار في الربع الأول من هذا العام، أي أنها أصبحت أكبر بند استيرادي مُنفرد، والأكثر ضغطاً على سوق الصرف. تزامَن ذلك مع ارتفاع الدولار مقابل الجنيه في السوق الموازي إلى نطاق 4,700–4,800 جنيه للدولار. وبالنظر إلى نقطة البداية المُتدَاولة في السوق عند 4,020 جنيهاً، فإن القفزة تعادل نحو 19.4% خلال أقل من أسبوعين، في السوق الموازي.
كذلك تكشف بيانات الربع الأول من عام 2026، تحوُّلاً مُهمَّاً في خريطة مورِّدي الوقود إلى السودان، فقد تصدَّرت سلطنة عمان قائمة الدول المُورِّدة، وبلغت قيمة ما استورده السودان منها 174.3 مليون دولار، تلتها الهند بقيمة 115 مليون دولار، ثم السعودية بقيمة 94.3 مليون دولار، بينما بلغت قيمة الواردات البترولية من الإمارات نحو 14 مليون دولار، بعد أن كانت نحو 163.5 مليون دولار في الربع الأول من العام الماضي. ويعكس ذلك انتقال مركز الثقل التجاري من الإمارات إلى مسارات توريد جديدة تَعتمد على مراكز التكرير والتجارة الإقليمية في بحر العرب والمُحيط الهندي والبحر الأحمر اختارها القطاع الخاص.
وتحظى الهند بأهمية خاصة في هذه المعادلة، باعتبارها أحد أكبر مراكز تكرير النفط في العالم، إذ إنها تستقبل كميات ضخمة من النفط الخام القادم من دول الخليج قبل إعادة تصديره في صورة منتجات بترولية مُكرَّرة؛ لذلك برزت داخل السوق قراءةٌ ترى أنّ جزءاً من الواردات القادمة من الهند يُمثّل استمراراً لحركة التجارة الإقليمية السابقة عبر مسار مُختلف. بينما أصبحت سلطنة عُمان إحدى أهم نقاط الإمداد الجديدة للسوق السوداني مُستفيدةً من موقعها الذي قلَّلَ تأثير إغلاق مضيق هرمز على خطوط الملاحة منها، على عكس بقية الدول المُطلَّة على الخليج العربي.
تُظهر بيانات بنك السودان أنّ الزيادة في فاتورة الوقود، انعكست أيضاً على حِدَّة الطلب على الدولار، فقد ارتفعت فاتورة الجازولين من 200.8 مليون دولار في الربع الأول من 2025، إلى 261.4 مليون دولار في الربع الأول من 2026، وارتفعت فاتورة البنزين من 80.8 مليون دولار إلى 153.6 مليون دولار. بهذا المعنى، لم يعد الوقود محض سلعة مُستوردة، فقد أصبح القناة الأسرع لنقل اضطراب سوق الصرف إلى النقل والإنتاج والأسعار، خاصَّةً في حال رجوع المواطنين من النزوح واللجوء، الأمر الذي قد يَزيد الطلب في الأشهر القادمة على المشتقات البترولية.
| البند | الربع الأول 2025 (مليون دولار) | الربع الأول 2026 (مليون دولار) | التغيّر |
|---|---|---|---|
| الجازولين | 200.87 | 261.37 | 30.1% |
| البنزين | 80.85 | 153.62 | 90% |
| المنتجات البترولية – إجمالي | 362.50 | 501.25 | 38.3% |
جدول يوضح حجم الواردات من المنتجات البترولية
الشكل (1)
واردات السودان البترولية 2012-2025
المصدر: بنك السودان المركزي
ملاحظة: لا يُظهر الشّكل بيانات لعام 2023 لأنّ بنك السودان لم يُصدر تقريراً.
الذهب مقابل الاستيراد
أصدر بنك السودان المركزي قراراً يربط منح شهادات عدم المُمانعة لاستيراد المنتجات البترولية بإيداع 200 كيلوجرام من الذهب عيار 21 لدى البنك المركزي. وتستهدف الخطوة إعادة تنظيم العلاقة بين أسواق الوقود والذهب والنقد الأجنبي، في ظلّ تحوُّل الوقود إلى أكبر بند استيرادي، والأكثر تأثيراً على الطلب على العملات الأجنبية.
يُراهن البنك المركزي على استخدام الذهب أداةً لتنظيم تمويل واردات الوقود، وفَرْز الشركات ذات الملاءة المالية الأعلى، وتعزيز تدفّقات الذهب عبر القنوات الرسمية، كما أنّ دخول شركات الوقود إلى سوق الذهب قد يَرفع الطلب المحليَّ عليه ويزيد ارتباط تجارة الذهب بالنظام المصرفي.
ولا تزال طبيعة الـ 200 كيلوغرام غير واضحة، إذ لم تُحدّد بعد ما إذا كانت ضماناً مُستردّاً أم وديعة مُجمَّدة أم رهناً أم محض إثبات للقدرة المالية، كما أن ارتفاع قيمة الضمان يَجعل نشاط الاستيراد أقرب إلى الشركات الكبيرة، ما قد يؤدّي إلى تقليص عدد المستورِدين وزيادة تركّز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات.
تُثير الخطوة عدداً من التحديات المُحتمَلة، أبرزها رفع تكلفة الدخول إلى سوق استيراد الوقود، وحَصْر النشاط عملياً في الشركات ذات الملاءة المالية الكبيرة، الأمر الذي قد يقود إلى زيادة تركّز السوق في أيدي عدد محدود من المستورِدين. كذلك يضيف اشتراط توفير 200 كيلوغرام من الذهب طلباً جديداً على المعدن النفيس داخل السوق المحلي، ويؤدّي إلى تجميد جزء من رؤوس أموال الشركات إذا كان الذهب يُمثِّل ضماناً مُحتجَزاً لمدة زمنية مُحدَّدة. وتبقى الحاجة إلى النقد الأجنبي قائمة لسداد قيمة الشحنات الخارجية، ما يجعل القرار ينقل جزءاً من الضغوط التمويلية إلى سوق الذهب دون أن يُلغي متطلّبات التمويل بالعملات الأجنبية. كذلك يظلّ الغموض المُحيط بطبيعة الذهب المطلوب وآلية استرداده، عاملاً مؤثّراً في تقدير التكلفة الحقيقية للقرار وانعكاساته على هيكل سوق الوقود خلال الفترة المقبلة.