أتر

الجمعيات الزراعية في السودان

الجمعيات الزراعية، أو الجمعيات التعاونية الزراعية، هي تنظيمات اقتصادية واجتماعية يملكها ويديرها المزارعون من خلال تجميع جهودهم ومواردهم لتحقيق منافع مشتركة، بتوفير مدخلات الإنتاج الزراعي مثل البذور والأسمدة والمبيدات بأسعار مناسبة، وتسهيل حصولهم على التمويل الزراعي، والتسويق الجماعي للمنتجات بما يُسهم في تحسين الأسعار والعوائد. كذلك تعمل الجمعيات الزراعية على تقديم خدمات الإرشاد والتدريب، وإدخال التقانات الزراعية الحديثة لرفع الإنتاجية، فضلاً عن تعزيز القوّة التفاوضية للمزارعين أمام التجّار والمؤسسات المالية بما يحسن شروط تعاملهم.

تتنوّع الجمعيات الزراعية في السودان بحسب طبيعة الخدمات التي تقدّمها، فتشمل الجمعيات الإنتاجية الزراعية التي تُعنى بتنظيم عمليات الإنتاج الزراعي، وجمعيات الادخار والائتمان التي تساعد الأعضاء في الحصول على التمويل، إضافة إلى الجمعيات المتخصّصة التي تركز على قطاعات أو منتجات محدّدة، مثل جمعيات منتجي الخضر والصمغ العربي والألبان. وتؤكّد بعض الدراسات أنّ هناك نماذج من التعاون التقليدي مثل «النفير» ساهمت في تحسين الأداء الزراعي في بعض المناطق، ما يشير إلى أهمية الدمج بين الأشكال الرسمية وغير الرسمية للتعاون الريفي لتعزيز الفاعلية.

البيانات الرقمية عن الجمعيات الزراعية في السودان محدودة وغير موحّدة ومبعثرة بين مصادر مختلفة. وهي تشمل حالات محلية، ولا تُقدّم إحصاءً قومياً شاملاً إنما تقييم أداءٍ فقط. وفي المقابل ليس هنالك إحصاء قومي لهذه الجمعيات من المصادر الحكومية ولذا يصعب تحديد العدد الحقيقي بدقة. بَيْد أن عدد الأعضاء في بعض النماذج قد يصل الى نحو 10 آلاف عضو. وتُقدَّر أعداد الجمعيات التعاونية الزراعية في السودان بما يتراوح بين 1,500 و2,000 جمعية (نحو مليونَي عضو إجمالياً)، إلا أنّ هذا الرقم يحتاج إلى تحديث رسميّ من الجهات الولائية المختصّة، بخاصة في ظلّ توقّف نشاط عدد من الجمعيات وتأثُّر بعضها بالأوضاع الاقتصادية والأمنية الراهنة، مع غياب قاعدة بيانات وطنية مُوحَّدة ومُحدَّثة بسبب ضعف نظم التسجيل والمتابعة الحكومية وتعدُّد الجهات المُشرِفة واختلاف التعريف بين الجمعيات الزراعية والتعاونية.

تُعدّ الجمعيات التعاونية الزراعية ومجموعات الادِّخار والتسليف في السودان أدوات رئيسة للتمويل الأصغر، تسهم في توسيع الوصول إلى الخدمات المالية في الريف عبر التمويل الجماعي والضمان الاجتماعي، ما يسهّل حصول النساء والمزارعين الصغار على التمويل ويخفض تكاليفه ويعزّز الشمول المالي. وقد أسهمت في نشر ثقافة الادخار وتمكين المرأة والأسر الريفية اقتصادياً، إلى جانب بناء رأس المال الاجتماعي، ودعم الأمن الغذائي، وتوفير التدريب وربط بعض المجموعات بالمؤسسات المالية، ما سهّل الاندماج في النظام المالي الرسمي.

أبرزت تجارب سودانية قدرة التعاونيات على دعم الإنتاج وتحسين أداء المزارعين على الرغم من اختلاف حجمها ونطاق عملها، مثل الجمعية التعاونية الزراعية، والجمعيات النسوية بالقضارف، وجمعيات منتجي الصمغ العربي في كردفان ودارفور، وجمعيات مزارعي الخضر والفاكهة في ولايات مثل الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض، وجمعيات الثروة الحيوانية والألبان خاصة في ولايات الجزيرة والشمالية، ومجموعات تعاونية مرتبطة ببرامج التمويل الأصغر والمنظمات الدولية، إلى جانب جمعيات ريفية صغيرة تهتم بالزراعة المنزلية وتربية الماشية، فضلاً عن جمعيات تنموية وخدمية.

تُعدّ تجربة برنامج «تسويق الثروة الحيوانية والقدرة على الصمود» من أبرز المبادرات الرائدة في تنمية أصحاب الحيازات الصغيرة وتمكين المرأة الريفية في السودان، وقد نُفِّذَ البرنامج بشراكة بين الصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد» وحكومة السودان ممثلة في وزارة الثروة الحيوانية، وأتاحت لي الظروف العمل فيه استشارياً. اعتمد البرنامج على نموذج مجموعات الادّخار والتسليف النسوية لتعزيز الشمول المالي والتأميني والحدّ من الفقر، من خلال ربط النساء بمؤسّسات التمويل الأصغر والبنوك، ومنها بنك الادخار والتنمية الاجتماعية، وبنك الإبداع، ومؤسسة الغرة، وبنك الأسرة، ومشروع (أبسمي) التابع للبنك الزراعي السوداني، وشركة إرادة وغيرها، إلى جانب إنشاء صناديق ادّخار ذاتية تعتمد على التحصيل الأسبوعي لتحقيق التمويل المتبادل. وحتى عام 2021، غطّى البرنامج 843 قرية عبر 16 محلية في خمس ولايات، وأنشأ 3561 مجموعة ادّخار، استفاد منها 55,764 امرأة من خدمات التمويل. وأسهمت هذه التجربة في تحسين الأمن الغذائي والدخل والمرونة المناخية، كما دعمت عدداً من أهداف التنمية المستدامة (القضاء على الفقر والجوع، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتوفير العمل اللائق، والحدّ من أوجه عدم المساواة، وبناء الشراكات الفاعلة).

تُظهر الدراسات السودانية أنّ الجمعيات الزراعية قد أدّت دوراً مُهمّاً في التنمية الزراعية الريفية، لكن ظلّ تأثيرها محدوداً. من أهمّ الأسباب الخارجية هشاشة البنية التحتية والخدمات الريفية، وتأثّر عدد كبير منها بالحرب والنزوح خلال السنوات الأخيرة؛ فضلاً عن ضعف التمويل ورأس المال ومعوقات إجراءات التسجيل وطول فترة إكمال التسجيل لدى السلطات الرسمية، وعدم استقرار التمويل ونقص الدعم الفني، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والظروف الأمنية وبعض التدخّلات الإدارية أو السياسية وتعقيد وبيروقراطية الإجراءات الحكومية، وتعدُّد الجهات الحكومية المُشرِفة، وما يُسبِّبه من تضارب في الاختصاصات. كما أنّ غياب وضعف تحديث القوانين المُنظِّمة، يُبطئ تأسيس هذه الجمعيات ويَحِدُّ من فاعليتها. ومن التحدّيات الداخلية ضعف الوعي بالإجراءات القانونية لدى المزارعين؛ كما تمثّل التكاليف المالية وضعف الحوكمة وتغوّل أفراد مُحدَّدَين على رئاستها ولفترات طويلة، ومحدودية القدرات الإدارية والمحاسبية، وضعف التدريب والتأهيل.

نتوقّع أن تضطلع الجمعيات الزراعية في السودان بدَور محوري في مرحلة ما بعد الحرب، من خلال الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي، ورفع الإنتاجية، ودعم جهود إعادة الإعمار الريفي. كما يُنتظر أن تُسهم في توسيع الشمول المالي عبر ربط المزارعين بالمصارف ومؤسسات التمويل الأصغر، إلى جانب تطوير سلاسل القيمة الزراعية وإدخال التقانات الحديثة. ومن المهمّ أن تعمل هذه الجمعيات على تمكين النساء والشباب، واستقطاب شراكات فاعلة مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية، بما يُسهم في الحدّ من الفقر الريفي وتحقيق تنمية زراعية أكثر استدامة، شريطة تطويرها وتعزيز قدراتها المؤسسية. ويرى عدد من الخبراء أن إعادة بناء القطاع الزراعي في السودان بعد الحرب ينبغي أن تقوم على إحياء وتحديث الحركة التعاونية، من خلال مراجعة الأطر التشريعية، وتبنّي النظم الرقمية في الإدارة والتسويق، وبناء شراكات استراتيجية، مع إتاحة مساحة أكبر لقيادة النساء والشباب لهذه الكيانات.

بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم إبراهيم هو كبير الخبراء في برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، ومحافظ بنك السودان المركزي الأسبق.

Scroll to Top